× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

مرهف يوسف / كارتون موفمينت

أبعد من حدود الجسد: قراءة في الجذور الثقافية لخلل العلاقات

عقل بارد - على الطاولة 12-06-2026

خلف الأبواب المغلقة، لا تصاب العلاقات بالجفاف فجأة، إنها تبرد لأننا ورثنا ثقافةً تُعلّم الرجل كيف يمتلك لا كيف يُصغي، وتُدرّب المرأة على الاحتمال لا التعبير. قد نؤذي من نحب لا لنقصٍ في العاطفة، بل لأننا نُحاكم أوجاع اليوم بأقنعة موروثة منذ قرون، تختزل الشراكة في «واجب» والجسد في «آلة»، وتنسى أن أعمق رغبات الإنسان أن يُرى ويُفهم أولاً

تمهيد

هذه قراءةٌ ثقافيةٌ انطباعية، ليست محاكمةً للرجل ولا مرافعةً مطلقةً عن المرأة. لا تدّعي الإحاطة بكل الحالات، أو إنكار وجود علاقاتٍ ناضجةٍ ومتوازنةٍ بين الرجال والنّساء. إنها محاولةٌ للتوقف عند جذور وجعٍ إنساني تشكّل عبر قرونٍ من التربية الملتبسة، والثقافة المشوّهة أحياناً، والعلاقات التي اختلّ فيها التوازن بين الفهم والاحتواء.

من هذا المدخل، يبرز سؤالٌ يفرض نفسه بإلحاح: كم من قرنٍ مضى والثقافة السائدة، التي يشارك في ترسيخها الرجال والنساء على حد سواء، تُصرّ في كثيرٍ من الأحيان، على اختزال المرأة في جسدٍ يُطلب ولا يُسأل، ويُشتهى ولا يُفهَم؟ وكم مرةً وُصمت الأنثى بالبرود لأنها رفضت أن تُختزلَ الرغبةُ في «واجبٍ منزلي» خالٍ من الحنان، أو منفصل عن العاطفة؟

وجعٌ لا يُرى

ثمة نساءٌ يعتذرن عن القرب، لأن الألم أنهك أجسادهن، وخارت أرواحهن من التعب، وهنّ يواجهن ضغوط الحياة اليومية بين العمل والمنزل والأمومة ومطالب لا تنتهي. لتغدو اللحظة الحميمة امتداداً لإرهاقٍ لم يجد من يفهمه. فكيف لجسدٍ مثقلٍ بالتعب أن يستجيب كما لو أنه آلةٌ لا تكلّ؟ وكيف لقلبٍ يشعر أنه غير مرئيٍّ أن يفتح أبوابه بسهولة؟

في المقابل، لا يمكن إنكار وجود حالاتٍ يتحول فيها الامتناع إلى وسيلة ضغطٍ أو عقابٍ أو ابتزازٍ عاطفي. هنا تبرز مسؤوليةٌ لا تقل أهمية: مسؤولية الصدق مع الذات قبل الآخر، فليس كل امتناعٍ بطولة، وليس كل رفضٍ صرخة وجع.

المشكلةُ الأعمق، أنّ الثقافة السائدة تخلطُ في كثيرٍ من الأحيان بين الحالتين، ثم تمنح الرجل مخرجاً جاهزاً لتبرير خيانته أو قسوته تحت شعاراتٍ ساذجةٍ من قبيل: «هي من دفعتني إلى ذلك»، وكأن الجسد الذكَري كيانٌ مقدّس لا يُحتملُ أن يُرفَض، وكأن الخيانة هي الخيار الوحيد، بدلاً من مواجهة جذور الخلل.

تتكرر الحكاية بصور مختلفة:

زوجة تُدان لأنها طلبت قليلاً من الحنان قبل الجسد، أو رغبت في أن يُصغي إليها زوجها قبل أن يلمسها، أو لأنها قالت: «لا» ذات مساء. وفي الجهة الأخرى، رجل يستسهل البحث عن «الدفء» في حضنٍ آخر، بدلاً من البحث عن الأسباب في البيت الذي تركه يبرد. أو أن يجلس مع نفسه ويسأل: لماذا؟ ومتى بدأ هذا الجفاف؟ وهل لي يد فيه؟ هذه الازدواجية الاجتماعية، التي تُبرّر خيانة الرجل أحياناً وتُدين امتناع المرأة دائماً، هي أحد أكثر الأقنعة الثقافية حاجةً إلى الكسر بوعيٍ وجرأة.

حين يغدو الرجل ضحية «أسطورته»

قبل أن نمضي، علينا أن ننصف. الرجل أيضاً قد يقع ضحية هذا الوعي المشوَّه، إذ يُربّى على أسطورة «الفحل الذي لا يُرفض»، وعلى أن رجولته تُقاس بالسيطرة والإشباع. وحين يُواجَه بالرفض، يتأرجح غالباً بين الصمت القاسي والهروب خارج العلاقة، لأنه نادراً ما تعلّم أن الرفض ليس إهانة، وأن الضعف حالة إنسانية عابرة، وأن الحوار أعمق من المكابرة.

الثقافة السائدة تمنح الرجل مخرجاً جاهزاً لتبرير خيانته أو قسوته تحت شعاراتٍ ساذجةٍ من قبيل: «هي من دفعتني إلى ذلك»، وكأن الجسد الذكَري كيانٌ مقدّس لا يُحتملُ أن يُرفَض

المشكلة في جوهرها امتدادٌ لصورةٍ ثقافيةٍ صنعت تعريفاً ضيقاً ومشوّهاً للرجل عن نفسه، رغم وجود محاولاتٍ فرديةٍ تتجاوز هذا القالب، وتبحث عن علاقةٍ أهدأ وأكثر وعياً.

المرأة والرجل. كلاهما يتعب، ويختبر الرفض والخذلان، ويحتاج إلى الإصغاء، وإلى الشعور بأنه مرغوبٌ لعمقه الإنساني الّذي يتجاوز الجسد. الأزمة تتجذّر في ثقافةٍ منحت طرفاً حقّ التفسير نيابةً عن الآخر، وتجاهلت أن انسحاب المرأة قد يعكس تعباً، وأن تراجع الرجل قد يعكس حيرةً لا استعلاء.

من أين بدأ كل هذا؟

جذور الأزمة أقدم من الخلافات اليومية بين الأزواج. فهي تبدأ منذ الطفولة، حين يُطلب من الفتاة أن تخفض صوتها كي تبدو «مؤدبة»، بينما يُشجَّع الصبي على رفع صوته كي يبدو «رجلاً». هناك تتشكل البذور الأولى لعلاقةٍ غير متوازنة: أنوثة تخشى التعبير، ورجولة تتردد في الاعتراف بالضعف.
كم من أمٍّ أعادت إنتاج القسوة الذكورية دون أن تنتبه، حين فضّلت الابن على البنت في أبسط التفاصيل اليومية؟ وكم من أبٍ ظن أن الحنان يضعف هيبته، فربّى أبناءه على الخوف بدل الثقة؟

أما في المدرسة، فالنصوص تمجّد الشّجاعة في الرجل، والصبر والتضحية في المرأة، وكأنها كُتبت لتكرّس التفاوت لا التكامل. وفي الإعلام، صُوِّرت المرأة غالباً كجميلةٍ تابعة مطيعة، وحتى مع دخولها سوق العمل، استمر تقديمها، في كثير من الأحيان، بوصفها كائناً يسعى إلى رضا الرجل أكثر من سعيه إلى ذاته.

الاقتصاد.. الوجه الخفي للعلاقة

لا يمكن تجاهل أثر العامل الاقتصادي في تشكيل العلاقة بين الرجل والمرأة. فالسيطرة التاريخية للرجل على الموارد، جعلت كثيراً من النساء يعشن داخل دائرة الاعتماد، فتحولت «الحماية» أحياناً إلى شكلٍ ناعمٍ من الوصاية. ولا تزال الفجوات في الأجور والفرص قائمة حتى اليوم، في كثيرٍ من المجتمعات، ما يضع المرأة أمام خياراتٍ صعبةٍ بين الاستقلال والاستقرار الأسري.

لكن الصورة ليست قاتمة بالكامل، فثمة تحوّل يحدث ببطء: نساءٌ يمضين في درب الاستقلال الاقتصادي، ورجالٌ صاروا يدركون أن الشراكة لا تنتقص من رجولتهم، بل تمنح العلاقة توازناً وإنسانيةً أعمق. وهنا تبرز بارقة أمل تستحق أن تُذكر.

ترميم الملاذ الآمن

يبدأ تغيير هذا الواقع بإعادة تعريف التربية والرجولة والأنوثة على أسسٍ جديدة: تربيةٌ تعلّم الطفل أن القوة في الاحترام، وأن الأنوثة طاقةٌ حية، وأن العلاقة بين الرجل والمرأة شراكة وعي لا صراع أدوار. تربيةٌ تعلّم الولد أن الرفض ليس نهاية العالم، وتعلّم البنت أن جسدها ومشاعرها مساحة شراكة واختيار، لا واجب إكراه يغيب فيه الوعي.

حين يعتاد الرجل أن يقترب من زوجته في لحظات حاجتها كما يقترب من ذاته، وتستطيع الزوجة التعبير عن احتياجاتها دون خجل أو اتهام، ويدرك الاثنان أن العاطفة مسؤولية مشتركة وليست امتيازاً فردياً، تتحول العلاقة من «واجبٍ» إلى رحمةٍ وشراكةٍ تتسع للحب والتعب والراحة والخلاف والصفاء معاً. فالنساء لا يتمنّعن حين يُفهَمن، والرجال لا يغادرون حين يجدون في بيوتهم حناناً وعدلاً ومساحةً للضعف قبل القوة.

العلاقة_الحميمة_بين_المتزوجين التربية_الذكورية التربية_الجنسية

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0