× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

هل زالت هالة القداسة عن «مقام الرئاسة»؟

سعد حاجو يسخر من «الرئيس» في قلب دمشق

حكاياتنا - خبز 12-06-2026

يأتي معرض «رئيس من دون سبب.. قلة أدب» للفنان سعد حاجو خطوةً غير مألوفة، إذ يضع «الرئيس» على طاولة التشريح من خلال الكاريكاتير، وهذا «فتحٌ ثقافي» في دولة كسوريا. على أنّ ملاحظة جوهرية تفرض نفسها: الحديث هنا عن «رئيسين سابقين» باتا جزءاً من أرشيف البلاد الدموي. السؤال الأهم: هل زالت هالة القداسة عن «مقام الرئاسة»؟ أم أن علينا في المنطقة العربية انتظار أن يصبح أي رئيس «سابقاً»، لتسقط هالته معه؟

لم يعتد المتحف الوطني في دمشق هذا النوع من الضيوف: لوحات ترسم الرئيس ساخرةً منه، وجمهور يضحك بصوتٍ عالٍ داخل جدرانه الرسمية الصارمة، غير أن ما جرى في أروقته مساءً الخميس 11 حزيران/يونيو 2026، كان أكثر من مجرد افتتاح معرض فني، كان إعلاناً رمزياً بأن السخرية التي كانت تُمارَس في السر وتُهرَّب في الأدراج، باتت تملك حق الوجود في أرقى الفضاءات الثقافية السورية.

عنوان المعرض: «رئيس من دون سبب.. قلة أدب» للفنان والرسام سعد حاجو، الذي تنظمه مؤسسة «ذاكرة إبداعية للثورة السورية» بالتعاون مع دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع، ورافقه إطلاق كتاب يحمل العنوان ذاته.

اختيار المتحف الوطني مكاناً لهذا الحدث لم يكن قراراً لوجستياً، بقدر ما كان بياناً ثقافياً، استحضرت رمزية واضحة، فالمكان الذي وظفته السلطة عقوداً لصون صورتها وصرف الانتباه عن وحشيتها، بات اليوم يحتضن فناً صُمِّم أصلاً لتفكيك تلك الصورة، وهذا بحد ذاته انتصار لا تعبّر عنه اللوحات بقدر ما يُعبّر عنه الجدار الذي علّقت عليه.

الفن الذي يفكّك الهيبة المصطنعة

ما الذي يفعله كاريكاتير سعد حاجو تحديداً؟ ليست الإجابة مجرد «يسخر». لقد عبّر عن رأس النظام، جرّده تماماً من هيبته المصطنعة، وجعل الجمهور يرى بوضوح الضعف والهزلية الكامنة وراء هذه الشخصية. 

ثمة فرق جوهري بين السخرية العشوائية والسخرية الواعية، ما رسمه حاجو ليس شتائم مصوّرة، إنه رصد لحالة سياسية عبر أداة بصرية، يقول سعد نفسه في حديث لـ صوت سوري: «الكاريكاتير أحد أشكاله أن يكون على مسافة من الحدث، يقدر يشوفه ويضوي جوانب مخفية فيه». 

هذه المسافة هي ما يجعل الكاريكاتير السياسي أداةً معرفية لا مجرد تعبير انفعالي، وهي أيضاً ما جعل لوحات حاجو قادرةً على تتبع المراحل السياسية لسوريا عبر رصد ومتابعة دقيقة لكل حدث، وحوّلها بمرور الوقت إلى وثائق بصرية لا مجرد رسوم.

الضحك بوصفه فعل مقاومة

الفنانة سنا يازجي، مديرة ومؤسسة مشروع «ذاكرة إبداعية للثورة السورية»، روت للجمهور قصة من النوع الذي يختصر مساراً بأكمله: يومَ ذهبت للحصول على ترخيص لتنظيم المعرض، جابت الأدراج والأبواب والنوافذ، وشاهدت الناس يضحكون، ثم أرسلت رسالة صوتية لسعد وهو في السويد: «يا سعد، اليوم شفت كمية وجوه وسمعت كمية ضحك ما شفتهم ولا سمعتهم بالسنة الماضية كاملة». 

كانت تلك الرسالة دليلاً على شيء يتجاوز التقدير الجمالي، الضحك الذي رصدته سنا لم يكن ضحك المتفرج أمام لوحة جميلة، كان ضحك من يُرى فيه ألمه مصوّراً، ويُصدَّق عليه، ويُقال له: نعم، هذا ما حدث.

تذهب سنا أبعد من ذلك في تأطيرها الفلسفي للسخرية: «الضحك والسخرية هما قوتان عظيمتان. الفنان بيكون حزين لما بكون عم يعمل كاريكاتير وهو حزين بلحظتها، نيته أنه ما نحزن نحن.. ويخلي وجعنا أقل مرارة». 

الذاكرة قبل أن تُشوَّه 

لو اقتصر المعرض على البُعد الساخر لكان كافياً، لكن ما يجعله استثنائياً هو أنه يحمل أيضاً بُعداً توثيقياً يتقاطع مع «ذاكرة إبداعية للثورة السورية» التي تأسست في 2013، وكان لها دور بارز في أرشفة وتوثيق كل أشكال التعبير الفني والفكري والثقافي للثورة، وعملت بجهد استثنائي لحماية الذاكرة الجمعية السورية من النسيان ومن التشويه. 

يُؤطّر سعد حاجو مشروعه الفني ضمن هذا الإطار التوثيقي الأشمل، ويصف كتابه «رئيس من دون سبب قلة أدب» بأنه ليس مجموعة رسوم، هو جدول زمني بصري لمرحلة من تاريخ سوريا، تبدأ من تسلّم حافظ الأسد السلطة وتنتهي بهروب بشار إلى موسكو، وهذا ما يجعله وثيقة بمعنى الكلمة.

يتحدث حاجو لـ «صوت سوري» عن مرحلة انتقالية يعيشها رسامو الكاريكاتير السوريون اليوم: «فجأة لقينا تغيّر كل الجو العام.. اغلب رسامي كاريكاتير صار عندهم مثل غيرهم صمت لحظة، يعني بدهم يشوفوا إعادة ترتيب المشهد، ليقدروا يفهموا المشهد». 

هذه اللحظة من الصمت ليست عجزاً، إنها لحظة إعادة تنظيم داخلي، إعادة تحديد للهدف، الكاريكاتير الذي كان يُوجَّه نحو السلطة القمعية يحتاج الآن إلى إعادة توجيه في مشهد مختلف، غير أن حاجو يُؤكد أن المبدأ الجوهري يبقى ثابتاً: «طول الوقت الكاريكاتير مطلوب ولازم، على وجهة نظره الدائمة في توجيه النقد للأقوى وليس للضعيف، عدم السخرية من الضحية، من الفقراء، من المشردين، من المجموعات المهمشة». 

لحظة عاطفية

كسر سعد حاجو البروتوكول المعتاد خلال افتتاح المعرض، مبتعداً للحظات عن الحديث المهني ليستعيد ذكريات شخصية ارتبطت بالمكان نفسه. وقال: «نحن هون، كنا نيجي نرسم بالمتحف دائماً. سالم، برهان، وميام.. وسحر – زوجته - مرة رسمت نسخة لتمثال الأسد والغزال، وهون بلش عندي أول شعور عاطفي تجاهها، وكتير انبسطت أن الأصل من التمثال صار موجود هون».

لم يكن المتحف الوطني بالنسبة لحاجو مجرد قاعة تستضيف أعماله، بل جزءاً من ذاكرته الفنية والشخصية، ففي أروقته تشكلت بعض ملامح تجربته الأولى، ومنها بدأت أيضاً قصة ارتباطه بزوجته. واليوم، يعود إليه فناناً يعرض أعماله على الجدران نفسها التي قصدها يوماً متعلماً وشغوفاً بالرسم.
وفضلاً عن استعادته ذكريات البدايات، عاود حاجو التأكيد على رؤيته لدور الكاريكاتير في المجتمع، قائلاً: «الكاريكاتير مهم للمجتمع، مهم للضحك، مهم للنقد، ومهم لتخفيف العنف في المجتمع. وقت نعمل كاريكاتير بخفّف العنف بالمجتمع. أنا هيك رأيي». وهي رؤية تختصر إيمانه بأن السخرية والنقد البصري ليسا مجرد أدوات للتعبير، بل وسيلة لفتح مساحات للحوار وتخفيف التوترات الاجتماعية.

الضحك الذي انتظر طويلاً

خمسة وخمسون عاماً في تاريخ سوريا، يقول سعد حاجو إن الكاريكاتير وثّق منها الكثير. ليس من موقع المؤرخ بالمعنى الأكاديمي، بل «من ناحية وجهة نظر، عن طريق فن الكاريكاتير، كمواطن عادي قدرت وثّق».

هذا التمييز دقيق ومهم، الكاريكاتير لا يدّعي النزاهة الأرشيفية، بل يدّعي الصدق الإنساني، وهو نوع من الصدق لا يستطيع الأرشيف الرسمي أن يحتويه.

ما جرى في المتحف الوطني في دمشق ليس مجرد افتتاح معرض، إنه إعلان عن أن السخرية السورية، التي عاشت طويلاً في السر وعلى الهامش، قد حصلت أخيراً على بعض ما تستحق: مكانٌ علنيّ في قلب دمشق، وضحك مسموع، وذاكرة لن تُشوَه.

معرض_سعد_حاجو سعد_حاجو_في_متحف_دمشق الكاريكاتير_السوري

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0