× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

© OSVAL-cartoon movement

خطاب الكراهية في الحسكة: هل تهدد الانقسامات الرقمية التعايش المجتمعي؟

حكاياتنا - خبز 18-06-2026

في اليوم الدولي لمناهضة خطاب الكراهية، يسلط هذا التقرير الضوء على هذه الظاهرة وانعكاساتها على النسيج المجتمعي المحلي في محافظة الحسكة، التي تُمثل نموذجاً بارزاً للتنوع في سوريا

في 18 حزيران/يونيو من كل عام، يحيي العالم «اليوم الدولي لمناهضة خطاب الكراهية»، الذي أعلنته الأمم المتحدة لمواجهة تصاعد خطابات الكراهية والتحريض بمختلف أشكالها. يأتي هذا اليوم في وقت تتزايد فيه مظاهر الكراهية حول العالم، مدفوعة بالتعصب والخوف والتضليل.

في الحسكة، التي تمثل نموذجاً مصغراً من التنوع القومي والديني والاجتماعي في سوريا، تكتسب هذه المناسبة أهميةً خاصةً في ظل التحديات التي تواجه التعايش بين مكونات المجتمع. فرغم تاريخٍ طويلٍ من التعايش، تحولت منصات التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة إلى مساحةٍ تتصاعد فيها خطابات التحريض والكراهية، ولا سيما خلال الأزمات والأحداث السياسية والأمنية. 

الكراهية على مواقع التواصل الاجتماعي

لن يحتاج المرء إلى كثيرٍ من العناء لملاحظة تزايد نشاط خطاب الكراهية والتحريض عبر الإنترنت، بما يشمل موضوعات حول إلغاء الآخر وشيطنته ونعته بمختلف الصفات السلبية على خلفية هويته أو قوميته أو ديانته. يقود ذلك إلى تأثيرات وارتدادات مقلقة، يُخشى أن تصل إلى مرحلة التأثير في سلوك المتلقين، وربما إلى مستوياتٍ من العنف تصعب السيطرة عليها.

في هذا الصدد، تحدث الصحافي إيفان حسيب لـ«صوت سوري» عن تجربته الشخصية، قائلاً: «تعرّضت، خلال سنوات عملي، للعديد من حملات التحريض وخطاب الكراهية، سواء بسبب نشاطي الإعلامي أو انتمائي القومي. وغالباً ما كانت هذه الحملات تتخذ أشكالاً مختلفة، من التشهير والإساءة الشخصية إلى نشر معلومات مضللة، ومحاولات ربط نشاطي الإعلامي بجهات سياسية أو خارجية في محاولةٍ لتشويه السمعة وزعزعة الثقة بالآراء والأخبار والمنشورات التي أشاركها».

يلاحظ حسيب وجود «كثير من الحملات التي تسعى إلى تأليب فئاتٍ من المجتمع، ضد فئات أخرى، على أسس قومية أو سياسية، وغالباً ما تقف خلف هذه الحملات جماعات منظمة من الذباب الإلكتروني تتبع جهات سياسية وعسكرية، وذلك خدمة لأجندات وتوجهات معينة» ويضيف: «تجربتي الصحفية علمتني أهمية التحقق من المعلومات والاستماع إلى مختلف الآراء، وعدم تعميم تصرفات أفراد على جماعات أو مكونات كاملة».

يقترح إيفان أفكاراً للتعامل مع المحتوى المحرض، على رأسها عدم الانخراط في ردود فعلٍ انفعالية أو الدخول في سجالات تزيد من حالة الاحتقان. وبدلاً من ذلك، يدعو إلى «مواجهة هذه الخطابات عبر التوعية بأهمية الحفاظ على السلم الأهلي والتعايش المشترك، والتنبيه إلى مخاطر الانجرار وراء محاولات إثارة الفتن أو خدمة أجندات سياسية تستهدف استقرار المجتمع»، كما إلى إلى نشر «مواد وتقارير تسهم في تعزيز ثقافة الحوار والاحترام المتبادل، ومكافحة خطاب الكراهية بمختلف أشكاله، إضافة إلى مكافحة الأخبار المضللة».

يرى الناشط السياسي عامر هلوش، وهو من أبناء العشائر العربية ومن مجايلي مرحلة الخمسينيات، أن العامل الأساس في التنمية التي شهدتها الحسكة إبّان تشكلها، تحولها إلى بيئةٍ آمنةٍ نتيجة التحولات والصراعات التي شهدتها المنطقة خلال القرن الماضي، فباتت منطقة استقرار لخليط متنوع من الأعراق والقوميات. وهذا «فرض طابعه على الأهالي. ورغم كل الإشكاليات والخلافات، كانت طريقة تداول الأخبار، ولا سيما السلبية منها، وردود الأفعال عليها أكثر بساطة. لكن سرعة انتقال المعلومات، سلباً وإيجاباً، عبر وسائل التواصل الاجتماعي خلقت ردود فعلٍ مختلفة، بعضها عنيف وبعضها الآخر إيجابي، تجاه مجمل ما يحدث».

العامل الأساس في التنمية التي شهدتها الحسكة إبّان تشكلها، تحولها إلى بيئةٍ آمنةٍ نتيجة التحولات والصراعات التي شهدتها المنطقة خلال القرن الماضي

يشيد هلوش بدور العلاقات الاجتماعية والعشائرية بين المكونات في مواجهة تلك التحديات، قائلاً: «خلال الثورة السورية، ظلت الحسكة في حالة من الهدوء الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، رغم بعض المنغصات في الأرياف على سبيل المثال. ورغم الطروحات السلبية وخطابات التحريض، بقي الأهالي متمسكين بالسلم الأهلي، ولم تنجح محاولات التحريض السياسي أو بعض الشخصيات في جر المنطقة إلى الصراع.» ويختتم حديثه بالقول: «الحسكة عصية على نجاح خطاب الكراهية، وتميزت بأنها كانت ملاذاً آمناً لأبناء مختلف المحافظات السورية خلال سنوات النزوح».

التعليم والأسرة بين حرية التعبير وخطاب الكراهية

تتباين آراء أفراد المجتمع المحلي في تعريف خطاب الكراهية، وفي تحديد الحدود الفاصلة بين حرية التعبير والتحريض. كما تختلف تقديراتهم لمستوى وعي مستخدمي الإنترنت بهذه الفروقات. وفي المقابل، تبرز تساؤلات حول الأدوار التي تؤديها المدرسة والإعلام للحد من خطاب الكراهية، وكيف يمكن لمنصات التواصل الاجتماعي ومنظمات المجتمع المدني المساهمة في تعزيز قيم التعايش، إضافة إلى المبادرات والأفكار التي يقترحها السكان لمواجهة هذه الظاهرة.

في هذا السياق، ترى المحامية جيان عمر من مدينة المالكية/ديرك أن «خطاب الكراهية ظاهرة موجودة منذ زمن وليست جديدة، إلا أنها اتسعت وانتشرت بشكل أكبر مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي. ويُعد خطاب الكراهية من أخطر الظواهر التي تهدد التماسك الاجتماعي والسلم الأهلي، وله دور كبير في نشر الانقسام والتعصب». أما حرية التعبير فـ «تعني إبداء الرأي وانتقاد الأفكار أو السياسات بشكل سلمي، وهي من الركائز الأساسية للديمقراطية التي نسعى إلى ترسيخها في مجتمعاتنا، كما تُعد وسيلة لمراقبة أداء المؤسسات والأفراد، وتسهم في تعزيز الشفافية والتطوير والتجديد». ووفقاً لجيان، يبدأ التحريض «عندما يتضمن الخطاب دعوة إلى الكراهية أو العنف أو التمييز ضد أشخاص أو مجموعات معينة، أو يشجع على إلحاق الضرر بهم».

تعتقد جيان أن الوعي لا يزال متفاوتاً بين أفراد المجتمع بخصوص التمييز بين حرية التعبير والتحريض. فـ«البعض يميز بوضوح بينهما، وأعتقد أن هذه الفئة ما زالت محدودة في مجتمعاتنا. ويخلط آخرون بين المفهومين، خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي. قد ينتقد شخص ما فرداً آخر أو مجموعة أو جهة معينة، فيُفسر رأيه على أنه تحريض. وعلى العكس، قد يحرض شخص آخر ضد فرد أو مجموعة، ويدعو إلى مهاجمتهم أو مقاطعتهم أو إلحاق الأذى بهم، ثم يبرر ذلك باعتباره نقداً أو حرية تعبير».

النساء والعنف الرقمي

لا يمكن تجاهل حقيقةِ أن النساء من أكثر الفئات تضرراً من هذه الظاهرة، خاصة خلال الأزمات والحروب. ولا يقتصر أثرها على الإساءة المباشرة، بل يمتد إلى التأثير في مشاركتهن في النقاشات العامة وحضورهن في الفضاء العام.

تقول الناشطة الحقوقية في المجال النسوي فايزة يوسف، من ريف القامشلي إن النساء «يتعرّضن لأشكالٍ خاصةٍ من خطاب الكراهية والتحريض، تختلف في طبيعتها عن تلك التي يتعرض لها الرجال. ففي كثير من الأحيان لا يكون الاستهداف مرتبطاً بآرائهن أو مواقفهن العامة فحسب، بل يمتد إلى حياتهن الشخصية ومظهرهن ووجودهن في الفضاء العام. وغالباً ما تأخذ هذه الهجمات طابعاً جنسياً أو أخلاقياً، أو تتضمن التشهير والوصم الاجتماعي والتهديد، بما يعكس أنماطاً راسخة من التمييز وعدم المساواة القائمة على النوع الاجتماعي». وتستشهد بتجربتها الشخصية، قائلة: «واجهت ردود فعل عدائية وحملات تحريضية بسبب مشاركتي في قضايا عامة، كما تعرضت لانتقادات وهجمات لم تركز على مضمون ما أطرحه، بل استهدفت ظهوري العلني ونشري صوراً شخصية على حساباتي الخاصة. وترافقت بعض هذه الممارسات مع تهديدات وإساءات ذات طابع جندري وشخصي هدفت إلى ترهيبي وثنيي عن المشاركة في المجال العام، وهو ما خلق حالة من القلق والخوف لدى أفراد عائلتي وأصدقائي».

غالباً ما يأخذ خطاب الكراهية الموجه ضد النساء طابعاً جنسياً أو أخلاقياً، يتضمن التشهير والوصم الاجتماعي والتهديد، بما يعكس أنماطاً راسخة من التمييز وعدم المساواة القائمة على النوع الاجتماعي

ووفقاً ليوسف، «كل حالة تشهيرٍ أو تهديدٍ أو تحريضٍ ضد امرأةٍ في الفضاء العام ترسل إشارةً ضمنيةً مفادها أن المشاركة قد تكون مكلفةً على المستوى الشخصي والاجتماعي. وبهذا المعنى، يصبح خطاب الكراهية أداةً لإقصاء النساء عن المجال العام وتقليص أصواتهن، وليس مجرد اعتداءٍ فرديٍّ على امرأة بعينها». خطورة هذه الممارسات «تدفع العديد من النساء إلى ممارسة الرقابة الذاتية، أو تجنب تناول قضايا معينة، أو الامتناع عن الظهور العلني، الأمر الذي ينعكس سلباً على تنوع الآراء وجودة النقاشات العامة. مكافحة خطاب الكراهية والتحريض القائمين على النوع الاجتماعي ضرورةٌ لضمان فضاءٍ عام أكثر شمولاً وعدالة، يتمكن فيه الجميع من المشاركة والتعبير بحريةٍ وأمان».

من جهته، يقول المعتقل السياسي وأحد الوجوه الاجتماعية سراج كلش من القامشلي إن «الخطاب الرقمي يعكس الواقع المجتمعي الذي تعيشه سوريا اليوم، وهو خطاب تحريضي يُنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، ويستخدم لغةً تمييزيةً وتحريضيةً تتسم بالفوقية، وتستهدف أفراداً أو جماعاتٍ بهدف تشويه سمعتهم على أساس العرق أو الدين أو الأصل أو النوع الاجتماعي».

يُحذر كلش من أن هذه الممارسات «ذات عواقب وخيمة، ويمكن أن تصل إلى صراعاتٍ طائفيةٍ أو عرقيةٍ أو دينية، وقد تتطور إلى صراعٍ شاملٍ بين أبناء البلد الواحد، ما يستدعي تدخلاً فاعلاً من المؤسسات الدولية والقوى المؤثرة في السياسات العالمية». ويرى أن هذه المخاوف تتزايد بسبب «انتشار خطاب تحريضي يبث سموم الكراهية بين مكونات المجتمع السوري المتعدد الأعراق والطوائف والأديان»، معتبراً أن هذا الخطاب «أسهم في تعميق الشرخ الطائفي والعرقي والديني من خلال ما جرى من انتهاكات وتجاوزات كبيرة في الساحل والسويداء ومناطق شرق نهر الفرات».

خطاب_الكراهية_في_الحسكة خطاب_الكراهية_ضد_النساء العنف_الرقمي

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0