تكررت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حول رغبته بإقحام الجيش السوري في الملف اللبناني للضغط على «حزب الله»، بينما نفى الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية أحمد الشرع أيّة نية لدى دمشق للعب هذا الدور.
ترامب، وفي كلمة أمام قمة مجموعة السبع بفرنسا، يوم الثلاثاء 16 حزيران/يونيو، أكّد أنه اقترح على «إسرائيل» أن تتولى سوريا التعامل مع «حزب الله»، مشيراً إلى أن الرئيس السوري الانتقالي «قادر على التعامل مع حزب الله»، منتقداً في الوقت نفسه الطريقة التي تتعامل بها «إسرائيل» مع هذا الملف.
كما أكد في تصريحاته أنه تواصل مع الشرع، غير أنه لم يؤكد قبول الأخير هذه المهمة، وقال: «سنتحدث عن ذلك فيما بعد»، في إشارة إلى إمكانية إقناع الرئيس السوري الانتقالي بهذا الأمر، في ظل رفضه المعلن ورغبته في العمل داخل الحدود السورية فقط.
سبق أن أعلن ترامب، في السابع من حزيران/يونيو، عن رغبته في أن «تساعد سوريا إسرائيل ضد حزب الله في لبنان»، عبر تنفيذ «هجوم جراحي أكثر دقة ضد حزب الله»، منتقداً طريقة عمل «الجيش الإسرائيلي الذي يشن اعتداءات على أبنية سكنية بحجة اغتيال قياديين في الحزب».
في غضون ذلك، أعلن وزير العدل اللبناني عادل نصار رفض بلاده مقترح ترامب، وقال إن نزع سلاح «حزب الله» هو مسؤولية الدولة اللبنانية، مضيفاً أن لبنان عانى لسنوات من تدخلات الآخرين. وتابع، في تصريحات نشرتها CNN أن «كل ما نطالب به هو أن تتوقف جميع الدول عن التدخل في شؤون لبنان».
وكانت وكالة «فرانس برس» قد نقلت عن مصدر دبلوماسي أن الشرع تلقى دعوة لزيارة الولايات المتحدة الأميركية، قبل أن تنفي الرئاسة السورية هذه الأنباء بشكل غير مباشر، عبر التأكيد على أن أيّ زيارات للشرع يُعلن عنها حصراً عبر رئاسة الجمهورية. وبالفعل، لم يسافر الرئيس السوري الانتقالي إلى واشنطن، كما ظهر في لقطات مصورة خلال لقاء مع وجهاء وأعيان من دمشق، نشرتها وكالة الأنباء السورية «سانا» وهو ينفي بشكل قاطع أيّة رغبة لدى سوريا بدخول لبنان، معتبراً كل ما يجري تداوله «شائعات».
تعيد تصريحات الرئيس الأميركي المستمرة حول رغبته في إقحام سوريا في الملف اللبناني إلى الأذهان ذكريات مؤلمة للتدخل العسكري السوري خلال فترة النظام السابق
بالتزامن، رُصدت تحركات عسكرية جديدة سورية قرب الحدود مع لبنان، بينها عمليات نقل وانتشار مقاتلين من الفرقتين 44 و70 من مواقعهما في منطقتي الكسوة والزبداني بريف دمشق، وإعادة تمركزهما على الحدود السورية - اللبنانية في ريف حمص، الأمر الذي اعتبرته بعض المصادر مؤشراً على وجود نية لإطلاق عملية عسكرية، فيما أكدت مصادر ميدانية سورية أن هذه التحركات تأتي في سياق عمليات تأمين الحدود السورية - اللبنانية ومنع أيّة عمليات تهريب نحو لبنان.
وكانت وزارة الدفاع السورية قد دفعت، خلال الشهور الماضية، بتعزيزات عسكرية نحو الحدود مع لبنان، التي يبلغ طولها نحو 375 كيلومتراً، فيما نشرت وزارة الداخلية صوراً لعمليات ضبط أنفاق تهريب في المناطق الحدودية قرب القصير، ما فُسّر على أنه محاولات سورية حثيثة للتأكيد على الدور الوحيد الذي يمكن لدمشق أن تلعبه، وهو قطع جميع طرق إمداد «حزب الله»، والتعاون مع السلطات اللبنانية التي تسعى إلى سحب سلاح الحزب، من دون أي تورط أكبر في الملف اللبناني، خصوصاً أن هذا التورط ستكون له ارتدادات كبيرة، أبرزها أنه سيضع السلطات السورية في موقع «مساعدة إسرائيل»، وهو ما لا تريده دمشق. فهي لا تريد خوض حرب مع «إسرائيل»، وفي الوقت نفسه لا ترغب في بناء علاقات معها قبل تحقيق جملة من الشروط، من بينها انسحاب قوات الاحتلال إلى ما قبل حدود 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وحلحلة ملف السويداء.
في هذا السياق، توقعت تحليلاتٌ احتمال إبرام صفقة لحل ملف السويداء مقابل تدخل دمشق في لبنان، الأمر الذي تشوبه مجموعة كبيرة من المعوقات، أبرزها، إلى جانب عدم رغبة دمشق في التورط بلبنان، عدم وجود رغبة فعلية لدى «إسرائيل» في تغيير الأوضاع القائمة في السويداء، التي باتت تملك فيها موطئ قدم متيناً، إضافة إلى عدم رغبتها في أن تلعب سوريا دوراً أكبر في لبنان، خصوصاً في ظل تحالفها القوي مع تركيا، التي يعتبرها مسؤولون إسرائيليون «الخطر القادم». وقد عبّر عن ذلك وزير الشتات عميحاي شيكلي صراحة، خلال تعليقه على الاتفاق الأميركي الإيراني، بقوله: «ما يقلقني أكثر بكثير هو المحور الذي صاغ هذا الاتفاق: قطر وتركيا وباكستان. ما نراه أمام أعيننا هو صعود محور جديد». وتابع واصفاً هذا المحور بأنه «محور شر سني متطرف وخطير للغاية»، على حد تعبيره.
وتعيد تصريحات الرئيس الأميركي المستمرة حول رغبته في إقحام سوريا في الملف اللبناني إلى الأذهان ذكريات مؤلمة للتدخل العسكري السوري خلال فترة النظام السابق، التي استمرت نحو ثلاثة عقود (من 1976 حتى 2005)، الأمر الذي لا يريد كثير من اللبنانيين تكراره، ولا يبدو أن الشرع يريد تكراره أيضاً، خصوصاً في ظل عدم استقرار الأوضاع داخل سوريا.