تُعرّف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) الدراية الإعلامية والمعلوماتية باعتبارها ركيزة أساسية لا غنى عنها لتعزيز حرية التعبير، وتأمين حق الوصول العادل إلى المعرفة والمعلومات الموثوقة، ودعم جودة النظم التعليمية وبنائها المعرفي.
ويتجسد هذا المفهوم في حزمة من المهارات التحليلية والمواقف الفكرية والعملية التي تمكّن الأفراد من التفاعل الواعي والنقدي مع وسائل الإعلام ومصادر المعلومات بمختلف أشكالها التقليدية والرقمية؛ مما يمنحهم القدرة على تفكيك الرسائل الإعلامية، والتحقق من سلامة المصادر، والمساهمة في إنتاج محتوى رصين يتسم بالمسؤولية الأخلاقية والاجتماعية.
وفي بيئة بالغة الحساسية والتعقيد كالمشهد السوري، الذي يعيش تحت وطأة نزاع ممتد لأكثر من عقد من الزمن، تكتسب هذه المهارات بعداً استراتيجياً يتجاوز الإطار التعليمي التقليدي، ليصبح بمثابة خط الدفاع المجتمعي الأول لحماية النسيج الأهلي من الانهيار الكامل.
حصاد الارتجالية
ينعكس عمق التحديات المرتبطة باضطراب المعلومات بصورة مباشرة على مستويات الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في سوريا، ليتحول الفضاء الرقمي إلى ساحة حرب موازية تتسم بكثافة المصادر المتنازعة وسرعة انتشار الإشاعات. وفي ظل غياب التنسيق الهيكلي والمهني، عانت الساحة السورية من ارتجالية وعشوائية في الأداء الإعلامي، وتفشي النزعات التعبوية والخطابات الإقصائية التي تمجد الفصائلية على حساب السردية الوطنية الجامعة.
هذا القصور المهني يترك فراغاً واسعاً تسللت عبره الماكينات التضليلية الموجهة، والتي تستغل غياب قنوات المعلومات الشفافة لإشعال التوترات البينية. ولذلك، لم يعد تعزيز ممارسات الدراية الإعلامية في سوريا مجرد مسعى اعتيادي، بل تحول إلى ضرورة مجتمعية مُلحة لبناء مناعة رقمية مستدامة، تُحصن الأفراد أمام التدفق اللامتناهي للبيانات المشوهة التي تسعى لترسيخ الانقسامات وهدم محاولات الاستقرار.
لقد شكلت الجغرافيا السورية اختباراً حقيقياً لمدى فعالية أدوات التدقيق المعرفي في الفضاء الرقمي، لاسيما مع تطور الأساليب التضليلية وانتقالها من الفبركة النصية البسيطة إلى تكتيكات التزييف البصري والسمعي المعقدة المعتمدة على تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي. ولم تعد الإشاعات تقتصر على نقل أخبار كاذبة، بل باتت تعتمد على تصنيع أدلة بصرية كاملة لإحاطة الروايات المفبركة بهالة من المصداقية الزائفة.
وتعد قضية فبركة صور ما سمي «بيت الأخوات للسبايا» نموذجاً فجاً على هذا الخطر الداهم، إذ تداولت حسابات ومنصات مجهولة الهوية صوراً مولدة بالكامل بالذكاء الاصطناعي، بهدف تغذية سيناريوهات طائفية تحريضية تحاكي ممارسات العنف التاريخي، لزرع الفزع وبث الفرقة بين المكونات السورية في مناطق الساحل وإدلب. وفي عصر تعيد فيه تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وخوارزميات محركات البحث تشكيل الواقع، يصبح الاعتماد على الوعي البشري النقدي ضرورة لا غنى عنها لفرز النتائج وإظهار الحقائق.
مداخلات نسوية في تشريح المشهد الإعلامي
في هذا السياق، ينشط برنامج «جندر رادار» التابع لـ «شبكة الصحفيات السوريات» في رصد وتحليل خطاب الإعلام السوري الناشئ والبديل، وفحص مدى حساسيته الجندرية والاجتماعية وقدرته على مجابهة خطابات التمييز والإقصاء. وفي سياق تفكيك خطاب الكراهية والمعلومات المضللة، تبرز المداخلات المعرفية التي تقدمها الخبيرات والناشطات النسويات من واقع العمل الميداني والتحليل النقدي تحقيقاً لمبدأ المساواة والعدالة الجندرية.
خطورة التضليل لا تقتصر على نشر معلومات مجتزأة، بل تشمل حذف وتغييب السياقات الجوهرية والوقائع التاريخية عمداً، مما يسهم في تشويه الوعي الجمعي وتوجيه الرأي العام نحو مواقف عدائية مبنية على تزييف ممنهج للحقائق
توضح المستشارة في برنامج «جندر رادار» والباحثة المتخصصة في الجندر والإعلام، مايا البوطي، أبعاد الخلل البنيوي في المشهد الإعلامي قائلة: «تُمثّل الدراية الإعلامية حزمة متكاملة من المهارات المعرفية، والتقنية، والاجتماعية التي تمكّن الأفراد من اكتساب المعرفة والثقة اللازمتين لاتخاذ خيارات واعية ومدروسة تجاه السيل المتدفق من المحتوى والمعلومات اليومية».
وفقاً للبوطي، لا تقتصر هذه الدراية على الاستهلاك السلبي، بل تمتد لتحدد كيفية تفاعل الأفراد ومشاركتهم الفعالة داخل البيئات الإعلامية الرقمية والتقليدية. ويتجلى ذلك في امتلاك القدرة على تحليل المحتوى الإعلامي ونقده بشكل مستقل بصرف النظر عن مصدره، مع استيعاب آليات الإنتاج والتحرير وطرق التمويل، فضلاً عن فهم الدور المتعاظم الذي تلعبه الخوارزميات وتقنيات الذكاء الاصطناعي في توجيه وتشكيل الرسالة الإعلامية، وصولاً إلى استخدام الفضاء الرقمي بمسؤولية وأمان واستثمار إمكاناته الإبداعية والتشاركية.
تشرح البوطي جوانب من مساعي «شبكة الصحفيات السوريات» في هذا الإطار لتأهيل وتدريب كوادر من الإعلاميات والمدربات ذوات الخبرة العالية بهدف نقل هذه المعارف وتوجيهها مباشرة نحو المجتمع الأهلي، فتقول: «يركز هذا المشروع المستدام على تزويد الأفراد بالأدوات اللازمة للتعاطي مع الأخبار، وكشف المواد المضللة والشائعات الزائفة، والحد من انتشار الخطابات الممنهجة التي تحمل في طياتها الكراهية أو التحريض، مما يساهم بشكل مباشر في حماية النسيج الاجتماعي من الشقاق والعنف، وترسيخ قيم الوعي والمعرفة كركيزة أساسية لبناء مجتمعات محليّة مستقرة يعمّها السلم الأهلي والسلام المستدام».
وينعكس هذا التحليل على الورقة البحثية التي شاركت الصحافية هبة محرز في كتابتها تحت عنوان «في مواجهة المعلومات المضللة وخطاب الكراهية»، التي تفكك تكتيك التضليل المعتمد على نشر «أنصاف الحقائق».
تُبين محرز أن خطورة المواد التضليلية لا تكمن فقط في ما تنشره من معلومات مجتزأة، بل في السياقات الجوهرية والوقائع التاريخية التي يجري حذفها وتغييبها عمداً، مما يسهم في تشويه الوعي الجمعي وتوجيه الرأي العام نحو تبني مواقف عدائية مبنية على تزييف ممنهج للحقائق. كما تلفت الانتباه إلى الانحياز الإعلامي الجغرافي، إذ تُشجع بعض المؤسسات الإعلامية ظهور النساء وحراكهن المطلبي في مناطق معينة لخدمة مصالحها السياسية، وتتعمد تجاهله وتغييبه بالكامل في مناطق أخرى، مما يفرغ العمل الإعلامي من نزاهته ومصداقيته المهنية.
بدورها، تُعرَّف الصحافية مودة بحاح «الدراية الإعلامية» بأنها: «مهارات يكتسبها الفرد تمكّنه من التفاعل الفعّال مع وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. وتمنحنا هذه المهارات القدرة على كشف الأخبار المضللة والتحقق من مصداقية المصادر والصور، وتجنب الوقوع ضحايا للأخبار الزائفة المنتشرة».
وترى بحّاح ضرورة إدراج هذه المبادئ في المناهج التعليمية لحماية الأطفال والمراهقين من تدفق المعلومات المغلوطة عبر هواتفهم؛ فثورة المعلومات تُعدّ نعمة حقيقية، شريطة امتلاك الأدوات الصحيحة لاستثمارها بالشكل الأمثل ونشر المحتوى الموثوق والصحيح.
نحو إصلاح هيكلي ومؤسسي
لا يمكن إرساء قواعد علمية رصينة للدراية الإعلامية دون الاستناد إلى بيانات إحصائية واستطلاعات رأي دقيقة تعكس التغيرات الطارئة على وعي الجمهور وقناعاته في ظل الأزمات الراهنة.
وعلى الصعيد المؤسسي والتشريعي، يتفق خبراء إعلام وأكاديميون على أن مواجهة التضليل تتطلب إعادة هيكلة جذرية للمؤسسات الإعلامية الرسمية لتتلاءم مع متطلبات المرحلة الانتقالية الجديدة في سوريا، بهدف تحويل إعلام السلطة الموجه إلى إعلام وطن جامع.
ويستلزم هذا التحول التاريخي إلغاء المديريات والأقسام التي ارتبطت بالسيطرة الأمنية الصارمة والرقابة المسبقة وتوجيه الرأي العام، مثل «مديرية التوجيه المعنوي والإعلامي»، و«مديرية الرقابة الإعلامية»، و«دائرة ضبط وسائل الإعلام الخاصة» التي كانت تمنح التراخيص بناءً على الولاء السياسي والأمني.
ويطالب الأكاديميون بالاستعاضة عن هذه الكيانات الرقابية بمديريات جديدة وحديثة تُعنى بحماية الصحافيين، وضمان حرية التعبير، وتأصيل قيم التربية الإعلامية، مع تشجيع مبادرات المجتمع المدني على ملء الفجوات المعرفية ومنع احتكار المعلومات.