× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

رسم مولد بالذكاء الاصطناعي

«لستُ مادة صحفية».. رحلة قهرية في البحث والتلصص

حكاياتنا - ملح 28-06-2026

هل يعيش الصحافي حياته أم يتلصص عليها؟ بين صرخة صديق قال: «لستُ مادة صحفية!»، وحسرة الوثائق المهدورة بعد سقوط نظام الأسد، يتحدث النص عن «الخوارزمية القهرية» التي تحول جلسات النميمة الحميمية إلى تحقيقات، والرحلات الاسترخائية إلى نصوص. اعترافات كاتب على أنغام الغلاء والتضخم والفضول.

إنه يوم الخميس، الساعة الثالثة ظهراً، انتهى الدوام الرسمي، نتجاوز الباب الخارجي للشركة التي نعمل فيها فنشعر بالراحة، وكأننا تخلصنا، ولو مؤقتاً، من عبء العمل، وأمسينا أحراراً نفكر في مكانٍ نُمضي فيه سهرة الخميس، وإلى أين ستكون نزهة الجمعة.

كان ذلك في الماضي البعيد، قبل أن تعبث التقنيات والذكاء الاصطناعي بيومياتنا، فتغير شكل العلاقات والعمل والحياة، وتذيب الحدود بينها، لتصبح مثل الحليب والقهوة والسكر في مشروب «ثلاثة بواحد». نخرج في نزهة، فتصلنا رسالة بريد إلكتروني، لنفكر في طريقة الرد عليها طوال الرحلة. وبين حديث وآخر، يبدو كأس المتة كالبريد الوارد، وحبات المكسرات كعلامات الترقيم ننتقيها بعناية لضبط نبرة الكلام، فيما يبدو الأفق البعيد كلوحة إشعارات تضم ثلاثة تعليقات على مشروع شاركناه على الدرايف.

تقتات عليّ.. فأقتات عليك

لا أريد أن أعمم حالتي، لكنني لاحظتُ أنني لا أستطيع التنصل من عملي لحظة واحدة. حين تكون كاتباً بنظام «فريلانس»، أنت بحاجة دائماً إلى أفكار جديدة، فهي قوت يومك، وطريقتك لكسب العيش والنجاة في هذا العالم الذي يتداعى من حولك (وعليك)، ليجبرك على الرقص على أنغام الغلاء والتضخم والاستهلاك.

من سخرية القدر أنك، بطريقة أو بأخرى، تعتاش على الخراب الذي يبتلعك. أشعر أحياناً في داخلي بنوع من عقدة الذنب، فأنا «أتغذى على الفساد والفقر والقتل والإخفاء القسري...» بوصفها بيئات خصبة للاستقصاء والتحقيق. أعزي نفسي أحياناً بالقول: «عادي، مثل الطبيب يتغذى على أمراض الناس...»، لأتذكر بعدها: «تباً، الطب مهنتي الأولى!».

خوارزمية القهر

لقد بتُّ، بشكل أو بآخر، عاملاً بنظام دوام يمتد 24 ساعة. إذ تتحول الأحاديث العادية مع صديق قديم إلى فكرة مقال أو مدخلاً للبحث في مشكلة تستحق التناول. هذا الصديق ليس كاتباً ولا صحافياً، وربما ليس قارئاً أصلاً، وقد لا يدرك أهمية الظاهرة التي يتحدث عنها، ويتعامل معها وكأنها مجرد «ثرثرة يومية» ينساها مع وصول لسانه إلى تفل الفنجان.

لكن، من زاويتي، تتحول المحادثة من «جلسة نميمة حميمة» إلى الأسئلة الصحفية الأهم: ماذا؟ متى؟ أين؟ كيف؟ لماذا؟ ومن المسؤول؟ للوصول من خلالها إلى نمط يتكرر. بينما يبدو أن النمط الأكثر تكراراً في الواقع هو تلك الخوارزمية القهرية المطبوعة في دماغي، التي تتحكم في سياق الثرثرات اليومية والأحاديث العابرة، وتحاول فرزها وعزلها وتنظيمها وتنظيفها، وصولاً إلى فرضية غير مطروقة يمكن إثباتها.

رحلةٌ إلى الطبيعة في يوم مشمس، فرصة للتنفس وأخذ «بريك»، تتحول، من دون أي قصد، إلى محاولةٍ لتوثيق آفة تصيب أشجاراً: «لعل هنا فكرة تقرير صحفي قد يبصر النور يوماً». ومع وجود تطبيقات الذكاء الاصطناعي، لم يعد هناك داعٍ لسؤال خبير زراعي لمعرفة تفاصيل الآفة أو الحصول على المعلومات الأولية عنها. هنا تغوص معه في نقاش واستفسارات حول كيفية صياغة فرضية قوية وطرق إثباتها، في الوقت الذي خصصته أصلاً «للاسترخاء».

حسرة صياد.. فاتته اللحظة

أرى ورقةً ملقاة في الشارع، فيهتف دماغي داخل رأسي: «التقطها، لعلها وثيقة أو ورقة مهمة تكون مدخلاً لتحقيق استقصائي». مرّة، حملتُ من إحدى النقاط العسكرية في زمن النظام السّابق ورقةً مغطاة ببعر الغنم، وسرت بها نصف ساعة، ليتبين لاحقاً أنها شهادة الصف التاسع لأحد المجندين.

بات هذا النمط يكررني وأكرره، وكأن الأمر تجاوز مرحلة الفضول. أصبحتُ أتعامل مع الواقع بوصفه أرشيفاً محتملاً، إذ ترك العمل الصحفي في ظل حكم الأسد ظلاله الثقيلة. وما كان مستحيلاً أصبح مشاعاً للجميع. وما كان يُدفع ثمنه ذهباً من وثائق وقوائم وأوراق، صار لعبةً للهواء، أكوام من الوثائق داستها الأقدام وعبث بها العابثون، وفضّت بكارتها قطرات المطر.

الكلام الذي يخرج من الفم قد يتبخر في الهواء ويُنسى. لكنّ الكتابة تمنحه الوجود، وتعطيه الأوراق والثبوتيات، وتؤهله للدخول في معترك الحياة وإثبات ذاته

يحيلني استذكار لحظة الثامن من كانون الأول/ديسمبر إلى نوع من الندم. فبينما كانت مؤسسات الدولة تُنهب أمام عيني وأنا أمشي في مدينتي الساحلية الصغيرة، كنت أنظر إلى السماء متخيلاً صورة ميشيل كيلو مبتسماً، وهو ينظر إلى ذلك الطفل الخارج من المعتقل ليرى للمرة الأولى الشجرة والعصفور. وفي خضم هذا الاستذكار، يؤنبني سؤال: «لماذا لم تستفد من تلك اللحظات التاريخية؟». أشعر بالندم كلما قرأت تحقيقاً بُني على وثائق حصلت عليها فرق صحفية بعد سقوط نظام الأسد. إنها حسرة صياد مرّ بجانبه سربٌ كامل، ولم يعلق في شباكه شيء.

أصدقاء أم «مصادر»؟

إحدى الصديقات انتبهت إلى تفاقم حالتي، وصارحتني بأنها باتت تتوخى الحذر عندما تتحدث معي، خشية أن ترى نقاشنا منشوراً في مقال أو قصة صحفية، على حد تعبيرها. وصديق آخر لا يقبل الإشارة إليه باسم مستعار، حتى مع تغيير الجندر، فهو يرى الموضوع أبعد من ذلك. يعتبرني شخصاً مهووساً بالبحث والكتابة، وأنني أنظر إلى الناس على أنهم «مواد صحفية»، لذا لا ينفك يقول لي: «لستُ مادة صحفية».

لربما أيقظت هذه العبارة أسئلة في داخلي: هل يحق للكاتب أو الصحافي تحويل الحياة الخاصة إلى مادة عامة؟ وهل يمكن للصحافي أن يكون صديقاً عادياً بعد سنوات من التدريب على التقاط القصص؟ وهل تُعدّ ملاحظة الأشخاص والحالات والظواهر شكلاً من أشكال التلصص؟

الجذور الطفلية لهوس التوثيق

كعادتي، أحاول تحليل سلوكي وربطه بطفولتي. أتذكر أنني لجأت في مراهقتي إلى إنشاء صفحة تحمل اسم «أسمهان.. كلمات لا تنام»، أكتب فيها كل ما يخطر ببالي، من دون أن أحمّل نفسي عبء المسؤولية الاجتماعية أو الملاحقات الأمنية في عهد الأسد. كان ذلك نوعاً من التلصص على الظواهر الجمعية التي اعتدنا مرورها من دون التوقف عندها أو تحليلها.

علم بعض الأصدقاء المقربين أنني تناولت أحاديثنا وناقشتها وحللتها باعتبارها موضوعات عامة وأفكاراً تخطر على بال الجميع يومياً، فلم يسرهم ذلك، ولم يقدموا سبباً مقنعاً سوى: «معقول تنشر كلامنا على فايسبوك!؟». وكأن الأخير فضاء وضيع، بينما هو في الحقيقة ليس وضيعاً ولا مقدساً، بل مساحة للتعبير يمكن توظيفها في الاتجاه الذي نريد.

أعتقد أن الأمر كان مرتبطاً بالخوف من «الكلام المكتوب»، إذ لا مكان فيه للغة الجسد أو نبرة الصوت أو المقاطعة. أما الكلام الذي يخرج من الفم فيتبخر في الهواء ويُنسى. الكتابة هي التي تمنحه الوجود، وتعطيه الأوراق والثبوتيات، وتؤهله للدخول في معترك الحياة وإثبات ذاته.

ثم من أين أتت كل الكتب والأبحاث والقصص والروايات؟ ألم تكن ابنةً شرعية للواقع، وابناً أصيلاً لتجارب عايشها المؤلف؟ تجارب عايشها أم «تلصص» عليها؟

خطيئة مقدسة.. حُبلى بالمعرفة

حين كتب شارل بودلير عن شخصية الـ Flâneur، كان يقصد ذلك المتسكّع الذي يعبر المدينة بعين لا تكف عن المراقبة والالتقاط. وأستعير له هنا عبارة «المتلصص الحضري»، لا بوصفها ترجمة حرفية، بل لأنها تلتقط جانباً من روحه، فهو لا يتلصص على الأسرار بقدر ما يحدّق في الهامشي والعابر، ويقتنص ما يغفل عنه الآخرون، ليحوّل فائض الملاحظة إلى أدب أو فن أو معرفة. وكأن التلصص هنا ليس انتهاكاً للآخر، بل الخطيئة المقدسة التي تدفع صاحبها إلى مساءلة الواقع وكشف طبقاته المستترة. فنحن، على نحو ما، ورثة بروميثيوس الذي سرق النار من الآلهة ليمنحها للبشر، ونتسلل إلى خراب العالم ووثائقه الممزقة، لا لنشبع فضولاً عابراً، بل أملاً في فهم الألم قبل أن يتكرر.

Flâneur... من شوارع باريس إلى فضاءات الإنترنت
المنشأ اللغوي: مشتقة من الفعل الفرنسي flâner، أي «التسكع أو التجول ببطء من دون وجهة محددة».
الولادة الفكرية: شارل بودلير (1821-1867) حوّله من مجرد متسكع إلى نموذج للفنان الحديث، شخص يذوب في الحشد، ويراقب تحولات باريس بعين الشاعر والرسام.
التطوير السوسيولوجي: والتر بنيامين (1892-1940): أعاد قراءة شخصية الـ Flâneur بوصفها ابنة الحداثة الرأسمالية، فهو مراقب يقرأ المدينة من خلال واجهات العرض والسلع والحشود والطبقات الاجتماعية، ولا يكتفي بالتجول فيها.
الامتداد المعاصر - الرقمي: في القرن 21 تحول المفهوم إلى «المتسكع الرقمي/ Digital Flâneur»، دلالة على الشخص الذي يتجول في فضاءات الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، يتلصص على يوميات الحشود الرقمية دون انخراط مباشر.
المفارقة البودليرية: الـ Flâneur ليس غريباً عن الحشد، بل هو في عمقه. في مقالته الفلسفية والنقدية الأبرز «رسام الحياة الحديثة» يكتب بودلير: «بالنسبة للمتسكع المحترف، وللمراقب الشغوف، فإن الحشد هو الوطن، كما يكون الهواء للطائر والماء للسمكة».

ولأغوص أكثر، فالأمر يتعلق برغبتي الفطرية في التلصص على ما يخفيه الناس في كلامهم العابر، وعلى التناقضات الصغيرة، وعلى الجمل التي تُقال مرة مع غمزة فتكشف حياة كاملة. تلك الكلمات التي تخرج من شخص لا ينظر في عينيك مباشرة، يزفرها موارباً، ثم يصمت لثوانٍ شارداً، ويغادر بعدما يشعر أن لسانه قد فضح بعض مكنونات ذاته.

منذ طفولتي، كان مجرد سماع كلمة «ممنوع» من أشخاص أكبر سناً يشعل تلك الرغبة التي لم يكن يوقفها التهديد أو الوعيد. الأبواب المغلقة، والهمسات، والأوراق المطوية، والجمل المبتورة، كلها بدت لي أكثر إغراءً من الأشياء المتاحة للعلن.

ربما لهذا لم أختر الكتابة أو الصحافة تماماً، وإنما اختارتني هي، أو ربما صادفتُها وأنا أتسكع في زقاقات الحياة عن شيء أحب اكتشافه أكثر، شيء كلما سألته: «كيف؟ ولماذا؟»، قادني إلى أجوبة تستنفر أسئلة جديدة.

وكأنّ المهنة التي بدت للآخرين بحثاً عن الحقيقة، بدت لي دائماً اسماً أكثر تهذيباً لرغبة قديمة: أن أعرف ما لا يُراد لي أن أعرفه. وقد يكون هذا السبب الذي يدفعني للاستمرار في الكتابة، لأن كل نص أكتبه ليس إلا محاولة جديدة لفتح باب كُتب عليه: ممنوع الدخول.

الصحافة_في_سوريا وثائق_حقبة_الأسد

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0