«يا إلهي، هل كبرنا إلى هذا الحد؟»، قلت لنفسي حين استقرت الكاميرا على وجهٍ مألوفٍ في المنصة الشرفية خلال حفل افتتاح مونديال 2026. إنّه روبرتو باجيو. كان جالساً هذه المرة. تأثرت، ولم أدرِ لِمَ بكيت!
كنت في العاشرة حين مات ذلك الرجل واقفاً. باجيو الذي أضاع ركلة الجزاء الأخيرة في نهائي مونديال 1994، معلناً تتويج البرازيل بالكأس. بطل ينكسر على عتبة الهزيمة. صورةٌ علّمت جيلي شيئاً من معاني الحياة قبل أن نتعلمها فعلاً.
هناك، في تلك اللحظة البعيدة، وقفت طفلةٌ صغيرةٌ قبالة باجيو ذيل الحصان. فُتح الباب الحديدي الأخضر لدار جدي الكبيرة، وعبقت رائحة الصيف من ترابٍ ندِيّ تبلل في أصص الزرع، ومن قدر يغلي على النار. كانت رائحة الفراولة في الآيس كريم بين الشوطين، وكثير من الهتافات تدوّر حناجر أصحابها على المصطبة الرخامية، بينما تلفاز ملوّن صغير بهوائي متحرك يصدح بأسماء اللاعبين التي حفظناها عن ظهر قلب، ولم نعد نسمعها اليوم.
لكن، ما الذي أبكاني؟ أهو وجه باجيو؟ أم مفاجأة أن تلك الطفلة لا تزال هناك، تطل من خلف السنوات بقلبها الصغير، يخفق سريعاً كلما تذكرته وهو يضيع ركلة الجزاء، ويصنع، في اللحظة نفسها، أسطورةً تخلّده إلى الأبد؟
إنهم «يسرقون» المونديال!
ليست جديلة الوسيم وحدها هي التي غابت. كان مونديال الأمس أبسط وأكثر صدقاً. الدهشة كانت تُصنع داخل الملعب لا خارجه. ولم يكن قد خطر ببال أحد أن تُقنَّن متعة «العرس العالمي» بالحصرية على قنواتٍ خاصة. كانت الفرحة مشاعاً نتشارك فضاءه، فيما يعثر كل منا داخله على تجربته الخاصة. وحده جدي كان يلعن المونديال بوصفه مؤامرة على طلاب البكالوريا لتزامنه مع امتحاناتهم: «ما بدهم حدا من العرب يتعلم ويصير، بعتولنا هالسوسة ليلهونا وهن يتطوروا بلا ما نحس».
يبدو مونديال اليوم أشبه بمرآة تعكس تناقضات عالمٍ بات أكثر تعقيداً. بطولة تتقاسم استضافتها ثلاث دول، فيما تتشابك، أو تتناقض، المصالح السياسية والاقتصادية بينها. كما ارتفع عدد المنتخبات المشاركة من 24 إلى 32، ثم إلى 48 منتخباً، ليتحوّل السباق الرياضي إلى سباق ذي أبعاد سياسية وتجارية أيضاً. السّياسة توظّف كرة القدم أداةً لتعزيز النفوذ والدبلوماسية، فيما يلهث الاقتصاد والتجارة وراء المال، حتى غدا محوراً أساسياً للحدث ينافس المتعة الرياضية نفسها.
ابتعدت الرياضة تدريجياً عن كونها حدثاً إنسانياً جامعاً، لتتحول شيئاً فشيئاً إلى إحدى أدوات القوة الناعمة المؤثرة في المصالح الاقتصادية والسياسية، من الاستثمارات والعقود التجارية إلى تعزيز الشرعية الدولية للدول المضيفة، وصولاً إلى ما بات يُعرف بـ«غسيل السمعة عبر الرياضة». ولم يعد مستبعداً، وفق هذا المسار، أن تستضيف المونديال يوماً كيانات تثير كثيراً من الجدل (إسرائيل مثلاً) في محاولة لتحويل الملعب من ميدانٍ للمتعة إلى طاولة مفاوضاتٍ لصيد الغنائم.
بعد نقاشاتٍ وتصويت في العام 2004، أبكت الفرحة نيلسون مانديلا حين نالت بلاده حق استضافة كأس العالم 2010. قد يكون ما أبكاه، حقيقةً، شعوره بأن جنوب أفريقيا عادت جزءاً أصيلاً من العالم بعد عقود من العزلة. ذلك البعد الإنساني تراجع أمام الجدل الذي رافق استضافة قطر للبطولة في العام 2022، على وقع تقارير حول العمال الذين شاركوا في تشييد البنية التحتية والملاعب، ووقوع وفيات بسبب سوء ظروف عملهم خلال سنوات التحضير للبطولة، قبل أن يتراجع هذا الجدل خلف أضواء وضجيج افتتاحٍ مبهر.
اليوم، تبدو الألعاب النارية في بعض مشاهد المونديال وكأنها تحاكي نيران القصف في غزة وجنوب لبنان. مفارقة صارخة تعكس عالماً تتجاور فيه الاحتفالات الكبرى مع المآسي الإنسانية، حتى بدا وكأن نيشان السقوط الإنساني عُلّق على صدر العالم.
الدهشة من الثوابت
برغم كل هذا التباين بين الماضي والحاضر، ما زالت الدهشة تحتفظ بجوهرها داخل الملعب. ويظل الهدف قادراً على استحضارها في لحظة واحدة على وجوه ملايين المشجعين، باختلاف جنسياتهم وأماكنهم. ويبقى المونديال حدثاً نادراً، يزور العالم مرة كل أربعة أعوام، محافظاً على شيء من سحر الانتظار، ويستمر الحصول على تذكرةٍ لحضور إحدى مبارياته حلماً يحرّك الأماني، فيما يرتدي المشجعون في المقاهي قمصان منتخباتهم المفضلة، متحلقين حول الشاشات. ولم يغب الرمز البطل بدوره، وإن تبدّلت علاقتنا به بفعل تغيّر الزمن والمعطيات.
في الماضي، كان البطل يغيب طويلاً قبل أن يعود في موعدٍ نادرٍ كل أربعة أعوام، فتتجدد معه الدهشة والفرح. أما اليوم، فهو حاضر باستمرار عبر الشاشات ومنصات التواصل ومقاطع «الريلز»، حتى فقد المألوف شيئاً من قدسيته. أتساءل: هل سيبكي ولدي بعد ثلاثين عاماً إذا لمح ليونيل ميسي جالساً في أحد المدرجات، كما بكيت أنا قبل أيام حين رأيت روبرتو باجيو؟
ربما نعم، ولكن لأسباب مختلفة. فعشاق ميسي قد يشاركونه دموع الاعتزال الّذي يبدو أقرب من أي وقت مضى، وقد يبكونه لاحقاً بوصفه رمزاً للإصرار والصبر، اللاعب الذي كاد يُقصى في بداياته بسبب مشكلات النمو وقصر القامة، قبل أن يصبح أحد أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ.
أما أنا، ومعي - ربما - الكثير من أبناء جيلي، فأبكي انكسار باجيو في تلك اللحظة الإنسانية الخالدة. لحظة تشبه زمناً كاملاً من الخيبات والانتظار. وبين الصورتين، يجبر الحنينُ جيلاً كاملاً على الانحناء أمام عبارةٍ تناقلتها الجماهير على نطاق واسع وزُعِم أنّها كُتبت على أحد جدران الفاتيكان: «سيغفر الله للجميع... إلا باجيو».
المناسبة: نهائي كأس العالم 1994 بين إيطاليا والبرازيل.
الحدث الأيقوني: إهدار النجم الإيطالي روبرتو باجيو لركلة الترجيح الأخيرة، لتطير الكرة فوق العارضة ومعها أحلام الطليان، وتنتهي البطولة بلقب برازيلي.
العبارة الشائعة: زُعم على نطاق واسع أن مشجعين غاضبين كتبوا على أحد جدران الفاتيكان في روما عبارة: «سيغفر الله للجميع... إلا باجيو».
الحقيقة: العبارة مجرد مجاز درامي، ولم تُكتب على جدران الفاتيكان؛ بل ولدت كـ «كوميديا سوداء» تعبيرية في الصحافة والمجالس الرياضية لتجسيد حجم المأساة، ثم تحولت مع الوقت إلى أسطورة شعبية متداولة.
مفارقة دينية: الفاتيكان هو معقل الكنيسة الكاثوليكية، بينما المفارقة أن روبرتو باجيو كان قد اعتنق الديانة البوذية منذ ثمانينيات القرن الماضي (قبل المونديال بسنوات).
النتيجة الكروية: رغم ركلة الجزاء الضائعة، لم يغفر له المتعصبون اللحظة، لكن التاريخ خلّده بوصفه واحدة من أنبل وأعظم أساطير كرة القدم الإنسانية.