في لحظة سورية مثقلة بأسئلة الهوية والذاكرة والعدالة، تحولت ندوة حوارية نظمتها جمعية «بدايتنا - سوريا للجميع» في دمشق إلى مساحة مفتوحة للتفكير في دور الفن بوصفه فعل مقاومة وأداة للشفاء ووسيلة لإعادة بناء المجال العام، وذلك خلال فعالية حملت عنوان «عبد الوهاب الملا يقابل الشيخ إمام».
امتد النقاش أكثر من ساعة ونصف الساعة، ولامس أسئلة العلاقة بين الفن والاستبداد، وحدود الحرية، والهوية السورية الجامعة، ومستقبل التعبير الفني في مرحلة ما بعد سقوط النظام.
الفن بوصفه أداة مواجهة
افتتح الباحث والموسيقي يوسف الجادر النقاش بالعودة إلى التراث الشعبي السوري، معتبراً أن الأغاني والأهازيج التي رافقت الثورة السورية لم تكن ظاهرة طارئة، بل امتداداً لذاكرة جمعية عميقة ومتجذرة في الثقافة المحلية. واستشهد بأغنية «سكابا» التي انتشرت بصيغ متعددة في المحافظات السورية، مؤكداً أن الموسيقا لعبت تاريخياً دوراً محورياً في بناء هوية سورية جامعة تتجاوز الانقسامات الجغرافية والاجتماعية.
في المقابل، حذّر الفنان التشكيلي والناقد غازي عانا من الوقوع في فخ المباشرة السياسية في العمل الفني، معتبراً أن تحويل الفن إلى شعارات يفقده قيمته الجمالية وقدرته على التأثير الطويل الأمد، واستعاد عانا تجارب فنية عربية وسورية، من بينها أعمال الفنان الفلسطيني سلمان منصور وتجربة الفنان السوري لؤي كيالي، للدفاع عن فكرة أن المواجهة في الفن التشكيلي تتحقق عبر الرمز واللون والشكل، لا عبر الخطاب المباشر.
عبد الوهاب الملا.. صوت الثورة الساخر
الهوية والنشأة: مغنٍّ وناشط وصانع محتوى سوري من مواليد حلب 1988.
بماذا اشتُهر؟ واجه الاستبداد بسلاح الكوميديا السوداء والنقد اللاذع. ويُعد برنامجه اليوتيوبي الشهير «ثورة 3 نجوم» أحد أبرز المنتجات البصرية للعفوية السورية في بداية الحراك، حيث كان ينتقد أخطاء النظام والمعارضة على حدٍّ سواء، منحازاً دوماً للمدنيين.
المأساة والغياب: في تشرين الثاني/نوفمبر 2013، اختُطف الملا في مدينة حلب على يد تنظيم «داعش» بسبب مواقفه المناهضة للتطرف والتمسك بمدنية الثورة.
الرمزية اليوم: ظل مصيره مجهولاً لسنوات حتى تأكدت تصفيتهم له، فتحول غيابه إلى رمز لـ «الثورة المغدورة» التي واجهت طغيان السلاح من جهة، وظلامية التطرف من جهة أخرى. حضور اسمه اليوم في دمشق يمثل استعادةً لذكراه في مرحلة مفصلية من تاريخ سوريا.
الفن بعد الحرب: من التعبئة إلى التعافي.
من جهتها، قدمت الممثلة والمخرجة ريم علي قراءة نفسية واجتماعية لتحولات الفن السوري خلال سنوات الثورة والحرب، معتبرة أن البدايات اتسمت بالعفوية والاندفاع، عبر الأغاني والغرافيتي وفنون الشارع، قبل أن تفرض الحرب وما خلفته من صدمات نفسية أسئلة جديدة حول وظيفة الفن وحدوده.
ورأت علي أن الفن العلاجي لم يعد ترفاً ثقافياً، بل تحول إلى ضرورة إنسانية تساعد الأفراد والمجتمعات على التعامل مع الصدمات وإعادة إنتاج المعنى والذاكرة، فيما شدد الجادر على أن الفن الملتزم الحقيقي هو الانحياز للإنسان والجمال في مواجهة القبح والاستبداد، بعيداً عن أجندات التمويل والاصطفافات السياسية الضيقة.
الرقابة والشرطي الداخلي
كشف النقاش أيضاً عن الفوارق بين أشكال الرقابة التي واجهتها الفنون السورية خلال العقود الماضية، وأوضح غازي عانا أن الفن التشكيلي تمتع نسبياً بهامش أوسع من الحرية بسبب طبيعته الرمزية، بينما خضعت الدراما التلفزيونية لرقابة أشد نظراً لوصولها المباشر إلى الجمهور.
أما ريم علي، فتحدثت عن «الشرطي الداخلي» الذي تشكل لدى الفنان السوري نتيجة عقود من القمع، معتبرة أن الرقابة الذاتية أصبحت في كثير من الأحيان أكثر قسوة من الرقابة الرسمية نفسها.
حين يصبح الجمهور شريكاً
لم يقتصر الحوار على المتحدثين، إذ شهدت الندوة مداخلات واسعة من الجمهور تناولت قضايا التعليم الفني، والتنوع الثقافي، وموقع الفنون الكردية ضمن المشهد الثقافي السوري، إضافة إلى نقاش حول مشروعية المباشرة السياسية في الفن، استحضرت خلاله تجارب الشيخ إمام ومارسيل خليفة والأغاني التي رافقت الحراك السوري.
واختتم الخطاط والفنان التشكيلي منير الشعراني النقاش بالتأكيد على أن «الفن فعل ثوري ومواجهة دائمة»، مستحضراً نماذج تاريخية لفنانين واجهوا السلطة عبر أعمالهم الفنية.
وفي حديث خاص عقب الندوة لـ «صوت سوري»، وصفت ريم علي الفعالية بأنها «حراك مدني ضروري» في المرحلة الراهنة، معتبرة أن أهمية هذه المساحات تكمن في قدرتها على إعادة بناء الحوار بين السوريين بعد سنوات طويلة من القطيعة والانقسام. وقالت: «نحن بحاجة إلى أن يسمع بعضنا بعضاً، وأن نسمع كل الآراء، في الفن والحياة وكل شيء».