في أوائل حزيران/يونيو 2026، انطلقت حلقة جديدة من حلقات الكراهية الرقمية عبر حملة حملت وسم «لست شجرة»، ودعت إلى المقاطعة الكاملة لأبناء الطائفة العلوية. استخدم القائمون على الحملة عبارات ورسوماً تحض على الكراهية وتخل بالسلم الأهلي.
التفاعل السوري مع الحملة تنوّع بين مؤيد، ومعارض، ومتهكم. لكن بعد أيام قليلة، تُرجم هذا الشحن الرقمي إلى هجمات ميدانية استهدفت مناطق تقطنها غالبية من الطائفة العلوية في العاصمة دمشق (مثل المزة 86، وعش الورور، وحي الورود)، وتضمنت تكسير وتخريب المحال التجارية وبعض وسائل النقل العامة.
هنا يبرز السؤال الملح: هل تعتبر هذه الحملات الافتراضية هي الشرارة التي فتحت الباب للعنف؟ أم أن غياب العدالة والمحاسبة هو السبب الحقيقي؟ وهل نجحت الحملة فعلياً في فرض واقعها على الأرض؟
تشريح الكراهية
تشير الدراسات المتعلقة بخطاب الكراهية في مراحل النزاع إلى أن انتشار هذه الحملات المنظمة يعتمد على ترسانة من الإشاعات، والمعلومات المضللة، وتصوير الطرف الآخر كعدو وجودي، والاستفادة من خوارزميات المنصات الرقمية التي تعطي الأولوية للمحتوى الانفعالي الحاد.
تشرح الصحافية الأردنية نوال العلي، الخبيرة في الصحافة الحساسة للنزاع، هذه الديناميكية قائلة:«أشد أنواع خطاب الكراهية وطأةً هو ما يجمع بين ثلاثة عناصر: التعميم، والتجريد من الإنسانية، والدعوة الضمنية أو الصريحة إلى العنف. حين يُختزل آلاف البشر في هويةٍ واحدة مُدانة، طائفة كانت أم عرقاً، ثم تُصاغ هذه الهوية باعتبارها خطراً وجودياً أو سبباً للجرائم، فهذا تحريض في أوضح صوره».
وتضيف العلي أن الخطورة لا تكمن فقط في التهديد الصريح بالقتل، بل في «الخطاب الناعم» الذي يُطبّع الكراهية عبر التنمر، والتشكيك الجماعي في الانتماء والولاء والقيم. هذا الخطاب يخدر الضمير الجمعي قبل أن تقع أفعال العنف على الأرض، فيجعلها تبدو «عادلة ومقبولة». وتؤكد: «الحملة طائفية بحتة، يغيب فيها الفرد ويحضر الجمع المتهم، بناءً على انتماء وُلد به الشخص لا على جريمة ارتكبها».
مستويات خطاب الكراهية عبر السوشال ميديا
وفقاً للخبراء، لا يوجد تصنيف عالمي موحد لخطاب الكراهية، بل هو طيف متدرج يتسع ويتشعب حسب السياق

وتوافقها العلي معقبة: «العلاقة بين خطاب الكراهية الرقمي والعنف الميداني ليست خطاً مستقيماً يسهل إثباته قانونياً في كل مرة، لكنها علاقة موثقة علمياً وتاريخياً، إنها علاقة وظيفية لا عَرَضية»، مستشهدة بنماذج دول الجوار كـ لبنان الذي قادت فيه خطابات الكراهية إلى حروب ومقاطعات، والعراق الذي يعيش صراعات مركبة منذ 2003 وحتى اللحظة.
يتذرع مطلقو هذه الحملات، والاعتداءات الميدانية بـ «تأخر العدالة الانتقالية». ترفض الصحافية نوال العلي هذه الحجة مستندة إلى التاريخ؛ ففي جنوب أفريقيا، رغم نجاح لجنة الحقيقة والمصالحة، لم يختفِ خطاب الكراهية العنصري بل تكيف وتغير. وفي رواندا، رغم المحاكم الشعبية (غاشاشا) وملاحقة الإعلاميين المحرضين، ظلت التحديات قائمة.
- الجرح الهوياتي: الجماعة المستهدفة لا تطمئن بمجرد محاكمة أفراد، لأن خوفها نابع من بنية اجتماعية وثقافية لا تزال حاضرة ومتربصة.
- الاقتصاد السياسي للكراهية: الخطاب الطائفي أداة سياسية بيد فاعلين يستثمرون في الاستقطاب، وهؤلاء لن يتوقفوا لمجرد محاكمة رمز أو شخصية أمنية معينة.
- فجوة الزمن: العدالة الانتقالية تعمل في زمن المؤسسات البيروقراطي الإجرائي البطيء، بينما يعمل التحريض في زمن «السوشال ميديا» الفوري واللحظي.
أمام هذا الواقع، ترى الناشطة حنين أحمد أن المسؤولية تقع على عاتق الدولة للتخفيف من حدة هذا الخطاب، لكنها تشير إلى «انتقائية وحياد سلبي» من قبل السلطة، وتشرح: «الدولة متحيزة في الحساب، قد تحاسب بصرامة أي شخص ينتقد أداءها الخدمي أو السياسي، في حين يغيب الرقيب تماماً عن مؤيديها الذين يمارسون التحريض». وتختم أحمد بالإشارة إلى غياب تام لأي خطاب وطني جامع يلم الشمل من قبل السلطة الحالية.