«تشنتوتشلله» هو اسم الحي الذي أسكنه منذ ست سنوات في مدينة روما. الحي الذي وصفه أحد أبنائه الكتّاب بأنه ليس فقط المكان الذي «تنتهي عنده روما»، بل يمكن أن يكون غداً «المكان الذي تولد منه روما من جديد.»
اسم «تشنتوتشلله» مشتق من الاسم اللاتيني Centum Cellae، أي «المئة حُجرة». تذهب بعض الروايات الشعبية إلى ربط تاريخ الحي بقلعة كانت فيها مئة خُجرة للفرسان، أمر الإمبراطور قسطنطين الأول ببنائها. أما علمياً، فيُعزى الاسم، على الأرجح، إلى كثرة الحجرات أو البقايا المعمارية، ليست عسكرية بالضرورة، لكنّها مرتبطة ببقايا مجمّعات وفيلات رومانية شهدت حضوراً أثرياً طويلاً بين ن القرن السادس قبل الميلاد والقرن السادس الميلادي. ما يهمنا هنا، أن ما بقي حياً في هذا الحي، أكثر من أية بقايا أثرية، هو اسمه: «تشنتوتشلله».
يُعد تشنتوتشلله الحديث من أوائل «البورغات» (Borgate)، أي الأحياء الشعبية في شرق روما، التي نشأت قبل ترسخ الحكم الفاشي الّذي وضع لاحقاً برنامجاً لنقل أعداد من السكان إلى مناطق ريفية، بهدف إبعاد مصادر التوترات السياسية والاقتصادية المحتملة عن المراكز الحضرية. يقطن هذا الحي أناس من جنسيات عديدة: بنغلاديشيون، ومغاربة، ومصريون، وصينيون، ومن أميركا الجنوبية. حتى الإيطاليون الذين يسكنون الحي جاء أغلبهم من خارج روما. يصعب هنا توصيف الآخر بالغريب، فالكل غرباء، والكل هم مؤسسو هذا الحي.
يغضب زوجي، الروماني الأصل، عندما أقول إننا نعيش خارج المدينة، فروما، بالنسبة إليه، تشمل تشنتوتشلله أيضاً. لكنني حاولت أن أشرح له أن عدم اعتباري الحيّ ضمن المدينة ليس انتقاصاً من قيمته، فأنا ابنة مدينة سلمية، ومثل كثيرين من «السلامنة»، أرغب في أن تبقى سلمية ضيعةً كبيرة.
عندما كنت في سوريا، وقبل سفري الأول إلى إيطاليا في 2008، كنت أتغنى بكلمات محمود درويش في «اللقاء الأخير في روما»، وأنتظر بلهفة حصولي على الفيزا: «أما كان من حقِّنا أن نُصَدِّق أن لروما قَمَر/ ْوأن لروما شَجَرْ/ أما كان من حقِّنا أن نسافر داخل هذا السفرْ». لكن اشتعال الحرب في البلد حوّل كل ذلك الفضول تجاه السفر إلى فقاعة صغيرة تحتجزني أينما كنت، هي فقاعة سوريا، وهي الملجأ، وخارجها يعني المكان الذي «لا بحر لي فيه، ولا الهواء، ولا الرصيف، وأنا ما زلت لست لي» من وحي درويش أيضاً في جداريّته.
مع ولادة ابني انتهى ترف البقاء داخل فقاعة شفافة، غير مرئية للناس. أن تكوني غريبة في بلد غير بلدك وأنت بمفردك، أمرٌ يختلف تماماً عن أن تكوني غريبة مع طفلك الوحيد. سابقاً، كانت غربتي تحت سيطرتي، أظهرها في الوقت وبالشكل اللذين أريدهما، مستغلةً وجودي في هذا البلد منذ ما قبل الحرب، أي عندما كانت سوريا بالنسبة إلى الإيطاليين «فسيفساء، ومهد الحضارات». أما الآن، فأنا لا أكتفي بالتكلم مع ولدي بلغتي العربية، بل وبلهجتي السلمونية، التي ازدادت حدّة إلى درجة أن أمي نفسها باتت تهزأ من استخدامي لمفرداتها القديمة. الكل في الشارع يسمعني، لأنني أتحدث إلى طفلي وأغني له في الطريق بلغتي. طفلي، الذي تضامن معي، وصرخ بحرف «العين» أول حرف نطق به، قبل «دادا»، و«لا لا».
تنتمي اللهجة السلمونية إلى مدينة سلمية الواقعة شرقي محافظة حماة، عند تخوم البادية السورية. وقد تشكلت عبر تفاعل المدينة مع محيطها الريفي والبدوي، فجمعت في نبرتها ومفرداتها خصائص لهجات وسط سوريا وتأثيرات البادية المجاورة.
ومن أبرز سماتها وضوح نطق حرف «العين» وخروجه كاملاً من مخرجه الحلقي، حتى غدا عند كثيرين سمةً صوتية تميز أبناء المدينة. كما تحتفظ اللهجة بقاموس من المفردات التراثية القديمة، يعرفه أهل سلمية باسم «الكلام السلموني القح». وفي الغربة، تحولت بالنسبة إلى كاتبة هذا النص من مجرد وسيلة للتواصل إلى شيفرة عاطفية متوارثة.
أفتح باب منزلي للخروج، وأدخل مباشرة في فقاعتي التي أقحمت فيها ولدي الصغير أيضاً. تتحرك هذه الفقاعة باتجاه الحديقة القريبة من المنزل، وتعزلنا عن كامل المحيط، رغم ابتسامتنا للجميع واستغلالنا أية فرصةٍ لتبادل أطراف الحديث: مع الخياطة من نابولي، وصاحب البار الذي يشجع، مثلي، فريق جوفنتوس، في حيّ مشجعو روما هم الأكثرية فيه، وأم الطفل الذي أراد بكل براءةٍ عابرةٍ للفقاعات أن يلعب قليلاً مع ولدي.
من صنع جدران هذه الفقاعة السميكة؟ أنا؟ الناس؟ معاً؟ بالتأكيد ليس ابني، فهو في الثانية من عمره. كانت الساعة الثامنة والنصف صباحاً. كنت وطفلي في الحديقة، نُصبّح على الأشجار، والألعاب، والغربان، عندما دخلت أم مع طفلها، الذي بدا أكبر بقليل من ابني. امرأةٌ شقراء طويلة، على عكسي أنا السمراء. لستُ قصيرةً، لكنها طويلة جداً.
قرأتُ في ابتسامتها أنها لطيفة، وأنها مثلي غريبة. أعني بـ«لطيفة» أن ابتسامتها تخطّت جدار فقاعتي السميك، وأخبرتني أنّ لها أيضاً فقاعتها.
اقتربت منها، وسمعت لغتها بينما تتحدث مع ابنها. هي أيضاً تتحدث معه بلغتها الأم، التي بدت قريبة من لغة صديقةٍ سلوفاكيةٍ أشتاق إليها كثيراً، وهي الآن بعيدة من هنا. اقتربت إحدانا من الأخرى لنقف تحت أكبر شجرةٍ في الحديقة، شجرة الزيزفون. تبادلنا السلام بالإيطالية، وتجرأت فقاعتي على الاقتراب من فقاعتها، لأقول لها: «أنتِ لستِ من هنا أيضاً، أليس كذلك؟» قالت مسرورةً: «نعم، أنا كريستينا من التشيك». عند هذه اللحظة، قفزت بسرعةٍ ابتسامةُ الاندماج الساذجة من أحد تلافيف عقلي الـلاواعية، تلك التي أحاول جاهدة قمع سذاجتها: «آه، لدي صديقة عزيزة من التشيك، اسمها لوتشيا بوتشكوفا». كنت للتو قد اعتبرت أن سلوفاكيا والتشيك ما زالتا تشيكوسلوفاكيا!
تابعنا حديثنا بفضول وفرح طفلين صغيرين قرّرا أنهما صديقان منذ اللقاء الأول. «من أين أنتِ؟». أجبتها: «من سوريا». فتابعت، بدهشة، أنّ لديها أيضاً صديقة من كشمير تتحدث العربية، وأنها طالما رغبت في تعلم العربية منها. هنا اتسعت حدقتاي أكثر من اتساعهما الطبيعي، وهو مخيف بما يكفي، وقلت لنفسي إن ابتسامة اندماجي الساذجة التي دمجت التشيك وسلوفاكيا معاً، أقل جهلاً من ابتسامة الاندماج الساذجة الخاصة بكريستينا، فتشيكوسلوفاكيا – على أي حال - أقرب إلى سوريا من كشمير.
عدت إلى منزلي وأنا أناقش فقاعتي: ما المشكلة في أن تكون كشمير في سوريا؟ وأن تكون لغة كشمير هي العربية؟ ما المشكلة في أن تتحد سلوفاكيا والتشيك مجدداً؟ كل ذلك كان يدور في فقاعتي، التي قررت مداعبتي ذلك اليوم، وجعلتني أرى أثناء حديثي مع كريستينا، جمال زهور الزيزفون وهي تتساقط على رأسينا كندف الثلج.
هنا، في حديقة الحي سنتجمع غداً، بعض الأمهات من جنسيات مختلفة، لنروي حكايات شعبية من بلادنا الأم، وبلغاتنا المختلفة، في احتفاليةٍ بالتنوع الثقافي في «تشنتوتشلله»، بمناسبة مرور عشرة أعوام على إنشاء الحديقة.
ماذا سأروي أنا؟ نعم إنّها «أم الغيث»! لم أحتج وقتاً طويلاً للتفكير، فأم الغيث، ريّا، (طقس الاستسقاء) موجودة في كل زوايا فقاعتي. هي في طفولتي، وفي حكايات جدتي أم رياض. هي في صوت خالتي ثائرة، مدرسة الموسيقى، التي قررت إعادة توزيعها في سنوات الحرب على طلابها في مدرسة سلمية. وهي مع فريق «جوى» التطوعي، الذي رافق أهالي قرية «تل حسن باشا» في استرجاع هذا الطقس الذي يجمعهم، رغم كل تشظيات الحرب. وهي في محاولة خلود من السويداء، وإيمان من درعا، التأكيد على ما يجمع الناس بين السهل والجبل، وتدريب الشباب على جمع حكايات أم الغيث ممن يعرفون التاريخ، وعاشوه، ولم يُسمح لهم بكتابته.
طقس شعبي قديم للاستسقاء ما زال يمارس في بعض مناطق الجزيرة الفراتية، والبادية الشامية، وحوران الممتدة بين جنوب سوريا وشمال الأردن.
يقوم الطقس على صنع دمية قماشية تمثل «العروس»، تُحمل على عصا طويلة ويطوف بها الأطفال بين البيوت مرددين أهازيج تطلب المطر، وتُجمع خلال الجولة تبرعات بسيطة من الغذاء، في طقس جماعي دافئ يجسد رجاء نزول الغيث وتكافل المجتمع.
بينما أخيط العروس وأثبتها على رأس العصا الطويلة لأروي حكايتها للأطفال في الحديقة، كنت أعانق تفاصيل سوريا: أرضَها العطشى، وعمقَ حكاياتها وحيويتها، وكل ما حلّ ويحلّ بها من مصائب، وبناتِها وأبناءَها. ولأول مرة، أشعر بأنّ عليّ ألا ألوم نفسي على انغلاقي في فقاعتي وانفصالي عن المحيط، وأن الحل ليس في الخروج من الفقاعة، بل ربما في الاعتراف بها أمام الآخرين، ودعوتهم إلى زيارتها، إن أردت، وإن أرادوا وأردن.
على الأرجح، سيكون من الصعب على من يعيش في روما أن يفهم الغناء لطلب المطر. وإن حصل واستجابت «أم الغيث» للنداء، فقد تُضاف إلى قائمة الشّتائم الإيطالية الطويلة. لذلك حرّفت الرواية قليلاً، وجعلتها تحمل بعض السكاكر، في حال لم تكن هناك حاجةٌ إلى المطر.
في إيطاليا، وتحديداً في العاصمة روما، لا تُصنّف الشتائم اليومية والعفوية (Parolacce) دائماً كسلوك هابط، بل تُعامل كأداة تعبيرية حية، ومكمل لغوي لا غنى عنه للإيماءات الحركية الشهيرة لدى الإيطاليين.
يشتهر سكان روما بطبيعتهم «المتذمّرة» المحببة (Lamentatori) فهم يملكون قائمة شتائم مبتكرة وطويلة جداً، جاهزة للاستخدام الفوري للتنفيس عن الغضب تجاه أي تفصيل يومي يفسد مزاجهم: بدءاً من زحام السير وبيروقراطية المعاملات، وصولاً إلى هطول المطر المفاجئ الذي يربك حركة المدينة. تحولت هذه الكلمات بمرور الوقت إلى نوع من «الفولكلور الشفوي الشائع» الذي يعكس حيوية الشخصية الإيطالية وانفعالها العفوي مع مجريات الحياة.