مثّل اتفاق 29 كانون الثاني/يناير 2026 بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) خطوة مهمة على طريق تهدئة التوتر في شمال شرق سوريا، وإعادة دمج المنطقة ضمن مؤسسات الدولة. تضمّن الاتفاق أربعة عشر بنداً معلناً، شملت الجوانب العسكرية والأمنية والإدارية والاقتصادية والتعليمية، ورسم خريطة طريق سريعة لتنفيذها خلال شهر واحد، قبل الانتقال إلى مرحلة من الالتزامات الدائمة بين الطرفين.
مع مرور الوقت، بدا أن بعض البنود المتعلقة بالشق العسكري والأمني حققت تقدماً ملموساً، في حين تواجه البنود الإدارية والقضائية والمدنية عقبات تحول دون تنفيذها بالوتيرة نفسها. ويعود ذلك إلى طبيعة هذه الملفات وتعقيداتها السياسية والقانونية، فضلاً عن تباين الرؤى بين الطرفين بشأن مستقبل الإدارة المحلية وشكل الدولة السورية.
جدول زمني غير واقعي
منذ اللحظة الأولى لتوقيع الاتفاق، بدت المهلة الزمنية المحددة بشهر واحدٍ فقط طموحةً إلى حد بعيد. إذ ينطوي الأمر على ملفات عسكرية وإدارية وقضائية متشابكة، راكمت تعقيدات هائلة خلال أكثر من عقد من الزمن. فإعادة هيكلة المؤسسات المدنية، وتسوية أوضاع الموظفين، ومعالجة السجلات العقارية والقضائية، وحسم قضايا التعليم والإدارة المحلية، كلها ملفات تحتاج بطبيعتها إلى مراحل انتقالية متدرجة وآليات تنفيذ واضحة.
كما أن الاتفاق انتقل سريعاً من الترتيبات الأمنية إلى الملفات المدنية والسياسية الأكثر حساسية. بينما كانت المرحلة الأولى تركّز على وقف إطلاق النار وإعادة الانتشار، انتقلت المرحلة الثانية مباشرة إلى اندماج المؤسسات المدنية والإدارية، وهي قضايا تمسّ جوهر السلطة والنفوذ السياسي في المنطقة. أما المرحلتان الثالثة والرابعة فتناولتا الموارد الاستراتيجية والاندماج العسكري، ما جعل الاتفاق يجمع في إطار زمني واحد بين ملفات متفاوتة التعقيد تحتاج، في الظروف الطبيعية، إلى فترات أطول بكثير.
من هذه الزاوية، يمكن النظر إلى بطء تنفيذ الاتفاق حتى الآن بوصفه نتيجة متوقعة لجدول زمني غير واقعي أكثر منه فشلاً كاملاً للاتفاق. وربما كان من الأجدى تقسيم التنفيذ إلى مراحل انتقالية أطول، تبدأ بالترتيبات الأمنية، ثم تنتقل إلى الملفات الإدارية والخدمية، قبل الوصول إلى الملفات القضائية والسياسية التي تتطلب توافقات أعمق وأكثر استدامة.
سهولة نسبية في تنفيذ البنود العسكرية
لم يكن مستغرباً أن تتقدم البنود العسكرية والأمنية على غيرها. فوقف إطلاق النار، وإعادة انتشار القوات، واندماج بعض التشكيلات العسكرية ضمن وزارة الدفاع، كلها إجراءات يمكن تنفيذها بقرارات سياسية وعسكرية مباشرة إذا توافرت الإرادة لدى الطرفين.
كما أن الظروف الأمنية دفعت دمشق و«قسد» إلى إعطاء الأولوية لهذا المسار، لأن أي تأخير فيه كان ليهدد بعودة التوترات المسلحة وتقويض الاتفاق برمّته. لذلك حظيت إجراءات إعادة الانتشار العسكري وفتح قنوات التنسيق الأمني بأولوية تفوق الملفات الأخرى.
عقدة المؤسسات المدنية
في المقابل، اصطدم تنفيذ البند التاسع، المتعلق باندماج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة في محافظة الحسكة، بجملة من التعقيدات. فالإدارة الذاتية بَنت خلال سنوات الحرب، شبكة واسعة من المؤسسات الإدارية والخدمية والاقتصادية، يعمل فيها آلاف الموظفين والموظفات وفق أنظمة ولوائح مختلفة عن تلك المعمول بها في مؤسسات الدولة السورية.
ولهذا برزت أسئلة جوهرية: هل ستندمج هذه المؤسسات كما هي؟ أم ستُحلّ وتُعاد هيكلتها؟ وما مصير العاملين فيها؟ وكيف ستُوزَّع الصلاحيات بين السلطة المركزية والإدارات المحلية؟ هذه الأسئلة تمسّ طبيعة الحكم المحلي ومستقبل اللامركزية في سوريا، الأمر الذي جعل التوصل إلى حلول سريعة أمراً بالغ الصعوبة.
القضاء.. العقدة الأكثر تعقيداً
يُعدّ الملف القضائي أحد أبرز العوامل التي تؤخر إنجاز التنفيذ، رغم أنه لم يُذكر بصورة تفصيلية في بنود الاتفاق. كانت الإدارة الذاتية قد أنشأت منظومة قضائية متكاملة نسبياً تضم محاكم وهيئات ادعاء وسجلات مدنية وعقارية، وأصدرت آلاف الأحكام والقرارات في القضايا الجنائية والمدنية والتجارية وقضايا الأحوال الشخصية. ومع انتقال السلطة إلى مؤسسات الدولة السورية يبرز سؤال جوهري: ما هو الوضع القانوني لكل تلك الأحكام والقرارات؟ إلغاء هذه المنظومة بالكامل قد يفتح الباب أمام فوضى قانونية واسعة، ويعيد آلاف القضايا إلى نقطة الصفر، بينما الاعتراف الكامل بها قد يثير إشكالات تتعلق بمدى توافقها مع القوانين السورية النافذة. ولذلك تجد دمشق نفسها أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على استقرار المعاملات القانونية واحترام مبدأ وحدة السلطة القضائية في الدولة.
قد يشكل إصدار تشريع خاص ينظم آليات الاعتراف بالأحكام والوثائق الصادرة عن مؤسسات الإدارة الذاتية، مع إخضاعها لمراجعة قضائية مركزية، مدخلاً لتسوية تحافظ على الحقوق المكتسبة وتضمن انسجامها مع المنظومة القانونية السورية
تزداد التعقيدات في الملفات العقارية على وجه الخصوص، إذ شهدت المنطقة خلال السنوات الماضية عمليات بيع وشراء وتسجيل عقارات ومواريث وتوثيق عقود استندت إلى مؤسسات وسجلات خاصة بالإدارة الذاتية. كما أُبرمت عقود تجارية وشُكّلت شركات وسُوّيت نزاعات مالية أمام محاكمها. ويخشى كثير من المواطنين أن يؤدي أي تغيير قانوني غير مدروس إلى التشكيك في ملكياتهم أو حقوقهم المكتسبة.
لا تقلّ قضايا الأحوال الشخصية حساسية عن ذلك، إذ جرى تسجيل آلاف حالات الزواج والطلاق والولادة والوفاة عبر مؤسسات الإدارة الذاتية. وتحتاج هذه الوثائق إلى آليات قانونية واضحة تضمن الاعتراف بها ومنع نشوء نزاعات مستقبلية تتعلق بالنسب أو الميراث أو الوضع المدني للأفراد.
وفي الجانب الجزائي، تبرز أسئلة أكثر تعقيداً تتعلق بمصير الموقوفين والمحكومين بأحكام صادرة عن محاكم الإدارة الذاتية. فهل تُعتمد تلك الأحكام كما هي؟ أم تُعاد محاكمة أصحابها أمام القضاء السوري؟ وما مصير ملفات التحقيق والأدلة والشهادات التي جُمعت وفق إجراءات قانونية مختلفة؟ وهي أسئلة لا تمسّ الجوانب الإجرائية فحسب، بل ترتبط أيضاً بحقوق المتقاضين وضمانات المحاكمة العادلة.
ثمة عقبة أخرى تتعلق بالعاملين في السلك القضائي أنفسهم، من قضاة ووكلاء نيابة وموظفين جرى تعيينهم أو تأهيلهم ضمن مؤسسات الإدارة الذاتية. فالتعامل مع أوضاع هؤلاء يثير جملة من التساؤلات المهنية والقانونية، فدمجهم في المنظومة القضائية السورية أو استبعادهم منها لا يقل أهمية وتعقيداً عن معالجة وضع الأحكام والقرارات الصادرة خلال سنوات عملهم.
لهذا يرى كثير من المتابعين أن نجاح الاتفاق يتوقف على النجاح في معالجة الإرث القضائي المتراكم خلال السنوات الماضية عبر صيغة قانونية وقضائية متوافق عليها، بالتوازي مع تنفيذ بقية بنود الاندماج المؤسسي والعسكري. ذلك أن القضاء يمس حقوق الناس وممتلكاتهم وأوضاعهم الشخصية، وأي خلل في هذه المعالجة قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والثقة بعملية الاندماج بأكملها.
ملف الشهادات التعليمية: انفراج جزئي وجمود مستمر
التقدم المحرز في بعض الملفات المدنية لم يكن متساوياً في جميع المجالات، ويُعدّ ملف الشهادات التعليمية مثالاً واضحاً على ذلك. في هذا السياق، أصدرت وزارة التربية والتعليم في دمشق قرارات سمحت بالاعتراف بشهادتي التعليم الأساسي (الإعدادية) والثانوية الصادرتين عن مناطق الإدارة الذاتية، وفتحت المجال أمام الطلبة للتقدم إلى الامتحانات الرسمية ومتابعة مسيرتهم التعليمية ضمن المنظومة التربوية السورية، الأمر الذي خفف من حالة القلق التي كانت تسيطر على آلاف الطلبة وأسرهم.
لكن هذا التقدم بقي محصوراً إلى حدّ كبير في مرحلتي التعليم الأساسي والثانوي، فيما يواجه ملف الشهادات الجامعية وشهادات المعاهد عقبات قانونية وإدارية تحول دون تسويته بصورة نهائية. فهذه الشهادات ترتبط بمؤسسات تعليم عالٍ نشأت خارج إطار وزارة التعليم العالي السورية، الأمر الذي يثير تساؤلات حول المناهج المعتمدة، والاعتماد الأكاديمي، ومعايير القبول والتخرج، وآليات المعادلة والاعتراف الرسمي.
تأخُّر حسم هذا الملف ينعكس بصورة مباشرة على آلاف الخريجين والخريجات، فيجدون أنفسهم أمام حالة من الضبابية بشأن مستقبلهم المهني والأكاديمي، سواء ما يتعلق بالتوظيف داخل مؤسسات الدولة أو بمتابعة الدراسات العليا. استمرار هذا التعثّر يكشف أن الطريق لا يزال طويلاً أمام الوصول إلى تسوية تعليمية شاملة تنهي آثار الانقسام المؤسسي الذي شهدته المنطقة خلال السنوات الماضية.
المجالس المحلية: صراع على التمثيل السياسي
لا تقتصر الصعوبات التي تواجه تنفيذ البنود المدنية على الجوانب الإدارية والفنية، بل ترتبط أيضاً بمسألة التمثيل السياسي. فإعادة تشكيل المجالس المحلية أو إعادة توزيع الصلاحيات الإدارية لا تعني مجرد تغيير أسماء المسؤولين أو تبعية المؤسسات، وإنما تمسّ بصورة مباشرة البنية السياسية التي نشأت خلال سنوات الإدارة الذاتية.
قد يوفر توسيع نطاق اللامركزية الإدارية أرضيّة مشتركة تجمع بين متطلبات وحدة الدولة وتطلعات المجتمعات المحلية إلى المشاركة في إدارة شؤونها، مع بقاء المرجعيات السيادية ضمن إطار الدولة
ترى العديد من القوى المرتبطة بالإدارة الذاتية أن نقل الصلاحيات إلى مجالس جديدة أو مؤسسات مرتبطة بالحكومة المركزية قد يؤدي عملياً إلى تقليص الدور السياسي الذي يمثّله مجلس سوريا الديمقراطية والهياكل المدنية المنبثقة عنه. ولذلك تحوّل ملف الإدارة المحلية إلى ساحة صراع سياسي تتجاوز أبعاده الجوانب الخدمية والتنظيمية.
فبينما تنظر دمشق إلى هذه الخطوات بوصفها جزءاً من إعادة توحيد مؤسسات الدولة، تنظر إليها قوى داخل الإدارة الذاتية على أنها مسألة تتصل بمستقبل المشروع السياسي الذي تأسس في المنطقة خلال سنوات الحرب. ولهذا السبب اكتسبت ملفات المجالس المحلية والتمثيل الإداري حساسية كبيرة، وأسهمت في إبطاء تنفيذ البنود المدنية من الاتفاق.
الخلاف حول مفهوم الاندماج
أحد الأسباب الرئيسة لعدم إحراز تقدم في التنفيذ يتمثل في اختلاف فهم الطرفين لمفهوم «الاندماج». دمشق تنظر إلى الاتفاق بوصفه خطوة لإعادة بسط سلطة الدولة المركزية على كامل المؤسسات والإدارات، أما «قسد» والإدارة الذاتية فترغبان في الحفاظ على قدر من الخصوصية الإدارية والثقافية التي نشأت خلال السنوات الماضية، لا سيما في المجالات التعليمية والثقافية والخدمية.
ويتجلى هذا التباين بوضوح في البنود المتعلقة بالتعليم، والشهادات الدراسية، وترخيص المؤسسات الثقافية والإعلامية، وتعيين المسؤولين المحليين. فهذه الملفات أقرب إلى قضايا الهوية والإدارة المحلية منها إلى المسائل الأمنية، ولذلك أصبحت موضع نقاشات مطولة ومساومات سياسية مستمرة.
العامل الاقتصادي والإداري
كذلك، تطرح البنود (10،9،8،7) من الاتفاق تحديات مالية وإدارية كبيرة، إذ تتعلق بملفات حساسة: الحقول النفطية والمعابر الحدودية واندماج الموظفين المدنيين. فعلى امتداد سنوات شكلت إدارة الموارد النفطية والمعابر أحد أهم مصادر التمويل للإدارة الذاتية. وبالتالي، يتطلّب نقل هذه الصلاحيات إلى الحكومة المركزية اتفاقات تفصيلية بشأن الإيرادات والرواتب وآليات الإدارة والتشغيل، وهي مسائل لم يكن من السهل حسمها خلال المدة الزمنية القصيرة التي حددها الاتفاق.
معضلة الثقة والتعقيدات الإقليمية
يتأثر مسار التنفيذ بصورة مباشرة بحسابات قوى إقليمية ودولية تمتلك نفوذاً عسكرياً وسياسياً على الأرض؛ فالوجود الأمريكي في محيط الحقول النفطية الرئيسة يجعل نقل إدارة الموارد إلى دمشق مرتبطاً بمعادلات دولية تتجاوز إرادة الطرفين. وفي المقابل، فإن الضغوط التركية المستمرة ضد "قسد" تدفع قوى داخل الإدارة الذاتية إلى التمسّك بهياكلها العسكرية والإدارية كورقة حماية.
وفي ظل هذا الضغط الخارجي، برزت أزمة ثقة محلية حادة؛ حيث يتعامل كل طرف بحذر مع الخطوات التي قد تؤدي إلى خسارة أوراق نفوذه قبل الحصول على ضمانات مقابلة. وما زاد الطين بلة هو غياب جهة ضامنة أو وسيط دولي قادر على تقديم حلول قانونية ومؤسساتية متوافق عليها، إذ حددت وثيقة الاتفاق أهدافاً طموحة دون صياغة آليات تفصيلية لمعالجة القضايا الخلافية.
مخارج محتملة من المأزق الحالي
الصعوبات التي تواجه تنفيذ الاتفاق، لا تعني استحالة الوصول إلى تسويات عملية. إذ تمكن معالجة بعض الملفات عبر مراحل انتقالية مدروسة تسمح ببناء الثقة تدريجياً بين الأطراف المعنية.
في الملف القضائي، قد يشكل إصدار تشريع خاص ينظم آليات الاعتراف بالأحكام والوثائق الصادرة عن مؤسسات الإدارة الذاتية، مع إخضاعها لمراجعة قضائية مركزية، مدخلاً لتسوية تحافظ على الحقوق المكتسبة وتضمن انسجامها مع المنظومة القانونية السورية.
وفي ملف الموظفين المدنيين، قد يساهم اعتماد برامج اندماج تدريجية تحافظ على الاستقرار الوظيفي والمالي خلال مرحلة انتقالية، وتوفر مسارات للتأهيل الإداري والقانوني، في تسهيل انتقال المؤسسات إلى إطار الدولة وتخفيف المخاوف المرتبطة بمصير العاملين فيها.
أما في مجال الإدارة المحلية، فقد يوفر توسيع نطاق اللامركزية الإدارية ومنح المجالس المحلية المنتخبة صلاحيات خدمية وتنموية أوسع أرضية مشتركة تجمع بين متطلبات وحدة الدولة وتطلعات المجتمعات المحلية إلى المشاركة في إدارة شؤونها، مع بقاء المرجعيات السيادية والأمنية ضمن إطار الدولة السورية.
كما أن نجاح أي تسوية مستدامة يتطلب توفير ضمانات سياسية وقانونية متبادلة، وتوافر إرادة حقيقية لدى جميع الأطراف للانتقال من إدارة الخلافات إلى بناء تفاهمات طويلة الأمد قادرة على الصمود أمام التحديات الداخلية والضغوط الإقليمية.