× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

كيف نبني دولة قانونٍ تحترم حرية الرأي من غير أن تتحوّل هذه الحرية إلى غطاءٍ لإعادة تدوير خطاب الاستبداد؟ © الأناضول

«الحداد» على الطاغية: أين تنتهي حرية التعبير ويبدأ تمجيد الجريمة في سوريا؟

عقل بارد - على الطاولة 12-07-2026

كيف تحمي المجتمعات الخارجة من الكوارث ذاكرتها الجماعية دون السقوط في قمع الحريات؟ ننشر هذا المقال الذي يناقش معضلة قانونية وفلسفية شائكة تواجه المرحلة الانتقالية في سوريا. وفي حين يركز النص على إشكالية تمجيد إرث النظام السابق، نؤكد في «صوت سوري» أن بناء دولة القانون الحقيقية يستوجب رفض الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها كائناً من كان، في الماضي أو الحاضر، دون انتقائية أو تمييز.

من بين الأسئلة الكبرى التي تواجه سوريا اليوم، كإعادة الإعمار والدستور، ومصير المفقودين، يبرز سؤال أقل حضوراً في النقاش العام، لكنه لا يقل تعقيداً: كيف نتعامل مع من يبكي على بشار الأسد؟ يُطرح هذا السؤال في لحظةٍ بالغةِ الهشاشة، إذ تعيش البلاد حالةً من الفوضى والانتقال غير المستقر، ولا يزال المشهد السياسي بعيداً عن الاستقرار الذي يتطلّبه بناء دولة قانونٍ حقيقية، الأمر الذي يجعل أي حديث عن «عدالةٍ انتقاليةٍ» مسألةً بحاجةٍ إثباتٍ عملي، بعيداً عن الشعارات.

في خضم هذا الواقع المركّب، يعلو صوت هنا وآخر هناك، عبر منصات التواصل الاجتماعي، للدفاع عن «الرئيس» الذي فرّ من البلاد بعدما حكمها، هو وأبوه، خمسة عقود متتالية، مخلّفاً مئات آلاف القتلى والمعتقلين والمفقودين.

نمطٌ متكرر

ما يجدر التوقف عنده أنّ تعلّق هؤلاء برموز النظام السابق لا يشكّل حالةً فرديةً معزولةً، بل يكاد يشكّل نمطاً، ويرتبط غالباً بخوفٍ حقيقيٍّ من المستقبل، أو بشعورٍ عميقٍ بالخسارة، أو بموروثٍ من خطابٍ رسميٍّ استمرّ عقوداً، صوّر الأسدين «حماةَ الوطن" و«صمّامَ الأمان» في مواجهة الفوضى والتقسيم.

يستنسخ مَن يُردِّد هذا الخطاب اليوم سرديةً استُثمر فيها الكثير من الموارد، عبر أجهزةٍ إعلاميةٍ وتعليميةٍ وأمنيةٍ عملت، منذ سبعينيات القرن الماضي، على ترسيخ صورة «الأب القائد» في الوجدان الجمعي. ومع أنّ فهم هذه الخلفية ضروريٌّ لأيّة محاولةٍ جادّةٍ للتعامل مع الظاهرة، فإنّه يختلف تماماً عن تبريرها. السؤال الذي يُطرح هنا بإلحاح: هل رسّخت الانتهاكات التي ارتُكبت خلال الثورة والحرب، وما رافقها من خطابٍ انتقاميٍّ وطائفيٍّ من مختلف الأطراف، هذا التعلّق بدلاً من أن تفكّكه؟

يمكن القول: عندما يشعر جزءٌ من الشارع السوري بأنّ مظلوميته غابت عن الأسماع، وأنّ مظلومياتٍ جديدةً حلّت محلّ القديمة دون اعترافٍ متبادل، يسهل أن يلتبس عليه مَن يستحقّ الرثاء حقاً. ولعلّ هذا الفهم غير كافٍ لتبرئة مَن يُمجِّد القاتل، بقدر ما يفسِّر جزءاً من العوامل التي يستند إليها هذا التعلّق.

بين حرية الرأي وتمجيد الجريمة

تكمن نقطة الخلاف الأهم في سؤال: أين تنتهي حرية التعبير، ومتى يبدأ التحريض أو تمجيد جرائم موثّقة بحقّ الإنسانية؟ تقدّم التجربة الأوروبية نموذجاً واضحاً يمكن الاستفادة منه. ففي ألمانيا، يُجرِّم القانون الترويج للنازية أو رموزها، لأنّ المجتمع خرج من تجربة إبادةٍ قرّر أن يمنع تكرارها إلى الأبد. كذلك فعلت إسبانيا عبر «قانون الذاكرة التاريخية»، الذي قيّد تمجيد الديكتاتورية ورموزها في الفضاء العام.

كيف يميّز القانون الألماني بين «الرأي» و«الجريمة»؟
يستند القانون الجنائي الألماني في تعامله مع إرث النازية إلى مفهوم «الديمقراطية الحصينة» (Streitbare Demokratie)، وهي الديمقراطية التي تملك أدوات قانونية لحماية نفسها من الهدم باستخدام الحريات المتاحة. ويُعد المبدأ الأساسي في هذا الإطار نموذجاً لكيفية معاقبة الترويج للجريمة دون مصادرة حرية الضمير:

  • تجريم الإنكار والمجاهرة (المادة 130): يعاقب القانون الألماني (بالمادة 130 من قانون العقوبات) بالسجن أو الغرامة كل من «يؤيّد، أو ينكر، أو يقلل علناً» من شأن جرائم الإبادة الجماعية (المحرقة) التي ارتكبها النظام النازي. الجريمة هنا ليست الفكرة الدفينة، بل المجاهرة بها في الفضاء العام لما تسببه من إخلال بالسلم الأهلي وإهانة لكرامة الضحايا.
  • عدم التفتيش في الضمائر والنوايا: لا يمنح القانون الشرطة أو القضاء الحق في معاقبة الأفراد على قناعاتهم الشخصية، أو حنينهم الداخلي، أو أفكارهم التي يحتفظون بها في منازلهم؛ إذ تظل «حرية الاعتقاد والضمير» مكفولة دستورياً (بموجب المادة 4 من القانون الأساسي الألماني) ما لم تتحول إلى سلوك علني، أو تحريض، أو ترويج منظم لرموز محظورة.

الخلاصة: المحاسبة القانونية في النماذج الديمقراطية الخارجة من الفاشية لا تستهدف «تطهير الضمائر» بقوة الدولة، بل تستهدف حماية المجال العام من إعادة إنتاج خطاب الجريمة وتأمين السلم المجتمعي.

تبتعد هذه القوانين كليّاً عن تجريم انتقاد الحكومات الحالية أو معارضتها، وتركّز حصراً على تجريم الاحتفاء بمَن ثبتت مسؤوليته عن انتهاكاتٍ جماعيةٍ موثّقة. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ هذا التمييز جوهريٌّ في السياق السوري، فنقد الحكومة الانتقالية الحالية، أو حتى معارضتها بشدّة، حقٌّ دستوريٌّ مكفول، ويجب أن يبقى بمنأى عن أيّ مساس، تحت أيّ ذريعة. أمّا تمجيد مَن قاد آلة القتل والاعتقال والتغييب، التي طاولت عشرات آلاف العائلات، فهو أمرٌ مختلف، إذ يمسّ كرامة الضحايا وأسرهم الذين ما زالوا يبحثون عن مصير أبنائهم في السجون والمقابر الجماعية، أكثر ممّا يمسّ حرية الرأي.
معضلةٌ تخصّ المجتمع كلّه

كثيرون يتساءلون: ما دام هناك شخصٌ ما قد عبّر عن رأيه فقط، ويداه بعيدتان عن أيّة جريمةٍ مباشرة، فلماذا يُحاسَب على كلمة؟ وهنا لا بدّ من القول إنّ التعافي الجماعي بعد الاستبداد لا يُبنى على الاكتفاء بمحاسبة مَن ارتكب الجريمة المباشرة، بل على صياغة إجماعٍ اجتماعيٍّ بأنّ ما حدث كان جريمةً فعليةً، لا مجرّد «مرحلةٍ اختلف عليها الناس». فأيّ مجتمعٍ يحاول إعادة بناء نفسه بعد كارثةٍ جماعية، من رواندا إلى جنوب أفريقيا إلى ألمانيا، يحتاج إلى حدٍّ أدنى من التوافق على تسمية الأشياء بأسمائها: مَن كان ضحيّةً ومَن كان جلّاداً. ومن دون هذا الحدّ الأدنى، سيبقى السلم الأهلي هشّاً، وتظلّ كلّ محاولةٍ للمصالحة تسويةً مؤجّلةً، ومرشّحةً للانفجار عند أوّل أزمة.

لا شكّ في أنّ هذا الطرح لا يعني حصر الحلّ في زجّ كلّ مَن يعبّر عن هذا الموقف في السجن، فالتجارب الدولية تُظهر أنّ العقاب وحده، حين يغيب عنه فهم الأسباب الجذرية، قد يعمّق الشرخ بدلاً من أن يرأبه. ولهذا تبرز الحاجة إلى مسارين متوازيين: إطار قانونيٍّ واضح يجرّم تمجيد جرائم موثّقةٍ بحقّ الإنسانية، بما يتّسق مع الإعلان الدستوري السوري، ومسار مواز من ورش الحوار، تُعنى بفهم جذور المسألة ومعالجتها، بدلاً من الاكتفاء بتجريمها.

بين الفهم والتبرير

يمثّل الخلط بين «فهم الظاهرة» و«تبريرها» أكبر فخٍّ في هذا النقاش. إذ يمكن للمرء أن يدرس أسباب تعلّق بعض السوريين بصورة الحاكم القوي، من غير أن يعني ذلك تبرئتهم من مسؤولية تبنّي خطابٍ يمجّد سفّاحاً. وينبع بعض هذا التعلّق من خوفٍ حقيقيٍّ على المصير، وبعضه من عصبيّةٍ موروثة، أو ببساطة من نظامٍ تربويٍّ وإعلاميٍّ استمرّ عقوداً في تخدير الوعي الجمعي.

جميع هذه الأسباب تستحقّ الدراسة والمعالجة، غير أنّ أيّاً منها لا يمكنه تحويل الجلّاد إلى ضحيّة، أو منح «الرأي» حصانةً حين يتحوّل إلى تمجيدٍ لآلة قتلٍ ما زالت عائلات الضحايا تعيش تحت وطأتها كلّ يوم.

سوريا اليوم أمام امتحانٍ دقيقٍ يقوم على سؤالٍ مهمّ: كيف تبني دولة قانونٍ تحترم حرية الرأي من غير أن تتحوّل هذه الحرية إلى غطاءٍ لإعادة تدوير خطاب الاستبداد؟ والإجابة لا تكمن في القمع وحده، ولا في التجاهل الكامل أيضاً، وإنّما في مساحةٍ صعبةٍ بين قانونٍ واضحٍ يحمي كرامة الضحايا، ومجتمعٍ مدنيٍّ قادرٍ على مواجهة هذا الخطاب بالحجّة وكشف الحقائق بدلاً من العنف، وبرامج حوارٍ تعالج الجذور بدلاً من الاكتفاء بمعاقبة الأعراض.
وهذا المطلب، حتى يحتفظ بمصداقيّته، عليه أن يبقى بمنأى عن أيّ انتقائيّة. فالعدالة التي يطالب بها ضحايا النظام السابق تفقد قيمتها إذا اقتصرت على محاسبة أنصار الأسد وحدهم، وتغاضت عن أي انتهاكاتٍ حصلت من بعدها.

العدالة_الانتقالية_في_سوريا السلم_الأهلي_في_سوريا

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0