× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

الرسم مولّد بالذكاء الاصطناعي

حين يغدو الجسد أرشيفاً للصدمة: هكذا تغيّرت علاقتنا بعد مجازر تموز

حكاياتنا - ملح 13-07-2026

نمشي، نتحدث، وننجز أعمالنا اليومية كأن كل شيء على ما يرام، لكن في الداخل ثمة معركة سرية تدور بين جسدين: واحد نجح في العبور، وآخر يقف في الخلف يراقب ويستعد ويتوقع.. أحدهما يهمس: «لقد نجونا»، فيسأله الآخر: «إذاً، لماذا ما زلت ترتجف؟». بعد مجازر تموز الأسود في السويداء، لم يتغيّر شكل أجسادنا، بل أُعيدت برمجتها بالكامل لتتحول من مساحة خاصة إلى أرشيف جماعي للصدمة والنجاة

بعد مجازر تموز/يوليو 2025، تغيّر الجسد. لم يتبدّل شكله بالضرورة، لكن طريقة استجابته للعالم تغيّرت بالكامل. كأن شيئاً غير مرئي أعاد برمجته من الداخل، ليتصرف لا كما يتصرف جسد كائن يعيش، بل كائن «يتوقع».

في الأيام الأولى، لم أكن أفكر فيه أصلاً. كنت أتعامل معه بوصفه وسيلةً اضطرارية للعبور. أن أنهض، أن أمشي، أن أنام إن استطعت، وأن أتنفس بطريقة لا تحتاج إلى تفكير. لكن، تدريجيّاً، صار يفرض نفسه موضوعاً يومياً لا يمكن تجاهله أو إسكاته. لم يعد محايداً، ولا بسيطاً، ولا «تابعاً» لي، كما كنت أظن. أصبح أقرب إلى مساحة ذاكرة مستقلة، تُدرك ما حدث حتى عندما أحاول أنا نسيانه.

في لحظة ما، بدأت أفكر أن علاقتنا بأجسادنا بعد تموز ليست تجربة فردية بالكامل، بقدر ما هي شكل من أشكال الذاكرة الجماعية التي تسكن الأجساد على نحوٍ غير معلن. هنا، يكفّ الجسد عن كونه مجرد مساحةٍ خاصة، ويتحول إلى نقطة التقاءٍ بين ما نعيشه نحن وما عاشه الآخرون معنا، كأن الذاكرة لا تخص فرداً واحداً، بل تُخزَّن في أجسادٍ متعددةٍ في الوقت نفسه، يحمل كل واحد منها النسخة نفسها من الارتباك، ولكن بصيغ مختلفة.

في هذا السياق، تذكّرت رواية «ذاكرة الجسد»، حيث الذاكرة ليست مجرد استعادةٍ شخصيّةٍ لما مضى، بل بنية أعمق تعيد تشكيل الإنسان من الداخل. هناك، لا يمكن فصل الجسد عن التاريخ، ولا الفرد عما تركه الزمن فيه من أثر. لكن ما يبدو في الرواية تجربةً فرديّةً للحب والغياب، يتّسع هنا ليصبح تجربةً جماعيةً للنجاة، كأنّ الأجساد جميعها باتت تحمل طبقةً واحدةً من الذاكرة، حتى لو اختلفت التفاصيل.

ما عاشه خالد، بطل الرواية، نعيشه نحن اليوم مع أجسادنا، لا عبر حكاياتٍ منفصلة، بل بوصفه إحساساً مشتركاً يتكرر بأشكالٍ مختلفة. ذاكرة لا تتوقف عن العمل داخل الفرد، لكنها في الوقت نفسه تتجاوزه لتتشكل في هيئة إيقاع جماعي خفي. الفرق هنا أن الجرح صار بنيةً يومية تعيش داخلنا جميعاً، في طريقة التنفس، وفي الانتباه، وفي هذا التيقّظ الذي لا يهدأ، بدلاً من أن يكون حدثاً يمكن وضعه في الماضي.

في «ذاكرة الجسد»، يمتزج الحبّ بالذاكرة حتى يصبح الفقد جزءاً من اللغة الشخصية. أما نحن، فصرنا نعيش امتزاجاً آخر أكثر اتساعاً، بين الحياة والخوف، وبين الاستمرار والارتجاف، وبين ما هو ذاتي وما هو مشترك. وكأن الجسد تحوّل من حاملٍ للذاكرة إلى وسيلتها في الانتقال من فرد إلى آخر، ومن تجربة إلى أخرى، حتى بات أشبه بأرشيفٍ غير مرئيٍّ لجماعةٍ كاملةٍ تحاول أن تفهم كيف تستمر.

ثمّة لحظات أشعر فيها أنني لست في جسد واحد، بل في جسدين: واحد يتحرك في الحياة اليومية، وآخر يقف خلفه، يراقب ويستعد ويتوقع

أكثر ما تغيّر هو فكرة الاستقرار. لم يعد مألوفاً كما كان سابقاً. هناك توتر خفيف دائم، لا يصل إلى الذروة، لكنه لا يغادر أيضاً. كأن العضلات تتذكر شيئاً لا يريد العقل استحضاره بالكامل. ألاحظ ذلك في أبسط التفاصيل: «طريقة الجلوس»، «حركة الرأس عند سماع صوت مفاجئ»، «التنفس الذي يتسارع أحياناً دون سبب واضح». في البداية، ظننت أن الأمر مؤقت، وأن الوقت كفيل بإعادة كل شيء إلى طبيعته. لكن ما اكتشفته لاحقاً أن الجسد لا يعمل وفق الزمن فقط، بل وفق التجربة. وما حدث لم يبقَ في الماضي، بل استقر داخله.

في الليل، يصبح الأمر أوضح. ليس لأن الليل أخطر، بل لأن الضجيج الخارجي يختفي، فيبقى الداخل وحده مسموعاً. عندها فقط يظهر كل شيء: التنفس، الأرق، ذلك التيقظ الذي لا ينام تماماً حتى عندما تُغلَق العينان. صار النوم أقرب إلى انقطاعٍ جزئي في الوعي، من دون ضمانٍ للراحة، أكثر منه وسيلةً للانسحاب. أستيقظ أحياناً قبل أن أعي إن كنت قد نمت فعلاً. وكأن هذا الجزء مني لا يسمح لنفسه بالانفصال الكامل عن الحذر. وفي لحظات أخرى، يحدث العكس تماماً: تعب مفاجئ وكثيف، ليس خمولاً، إنّما إغلاق داخلي مؤقت، كأن شيئاً في داخلي يقول: «لا أستطيع الآن»، من دون تفسير.

في الخارج، لا يبدو كل هذا واضحاً. من بعيد، يبدو كل شيء طبيعياً. نمشي، نتحدث، وننجز ما يُطلب منا. لكن في الداخل، هناك طبقة أخرى تعمل باستمرار، لا تتوقف عن المسح والإنذار والتوقع.

بعد الهجوم، بدأت أفهم أن الذاكرة لا تعمل في العقل فقط. هناك ذاكرة أخرى أعمق، تحفظ اللحظة لا بوصفها ذكرى، بل احتمالاً دائماً. لذلك يصبح الانتباه جزءاً من الحياة اليومية، حتى من دون سبب واضح. هناك لحظات أشعر فيها أنني لست في جسد واحد، بل في جسدين: واحد يتحرك في الحياة اليومية، وآخر يقف خلفه، يراقب ويستعد ويتوقع. وبينهما تحدث كل المعارك الصغيرة غير المرئية. أحدهما يهمس: «لقد نجونا». والآخر يسأله: «إذاً لماذا ما زلت ترتجف؟». لا يجيب.

الرسم: عماد حجّاج - كارتون موفمينت

الحقيقة أن النجاة (الجسديّة) لم تكن باباً عبرناه وأغلقناه خلفنا. كانت شيئاً دخل معنا، وجلس في أجسادنا، وأعاد ترتيب علاقتنا بكل شيء. فتحول هذا المكان من مساحة ضعف إلى مساحة نجاة غير متوقعة أيضاً.

حين كنت أظن أنني لن أتمكن من فعل شيء، كان هو من يسبقني: ينهض، يمشي، يفتح باباً، يكتب جملة. أحياناً ينجز يومه بالكامل، من دون أن أشعر أنني «مستعدة» له نفسياً. هناك لحظات لم أكن أقرر فيها الاستمرار، بل كان الاستمرار يحدث عبره، كأنه قرار يُتخذ في طبقة أعمق من الوعي.

حتى الكتابة، التي تبدو فعلاً عقلياً، أصبحت مرتبطةً به. أكتب وأنا أشعر بثقلٍ في الكتفين، أو توترٍ في اليدين، أو ارتباكٍ في التنفس. وكأن الجملة تمر عبره قبل أن تصبح فكرة. وأحياناً، أثناء الكتابة، يحدث شيء غريب: يهدأ التنفس قليلاً. لا لأنني أصبحت بخير، بل لأن هذا الفعل يجد فجأة إيقاعاً داخلياً يخفف الفوضى مؤقتاً. وهنا يظهر التناقض: المكان الذي يحمل أثر الصدمة هو نفسه المكان الذي يسمح بالاستمرار.

أحياناً أسأل نفسي: هل هذه قوة؟ أم مجرد قدرة بيولوجية على الاحتمال؟ لكن السؤال لا يجد إجابةً واضحة. لأن ما يحدث ليس حالةً واحدة، إنه طبقات متداخلةً من القوة والهشاشة في الوقت نفسه. في لحظات معينة، يبدو الجسد هشّاً جداً، قابلاً للانهيار عند أول ضغط إضافي. وفي لحظات أخرى، يبدو أكثر صلابة مما توقعت. يستمر رغم كل شيء، وكأنه تعلّم طريقةً خاصةً للبقاء. هذا التناقض أصبح جزءاً من علاقتي به. تحول من شيء أملكه إلى شيء أتعامل معه. بدأت أتعلم قراءة إشاراته الصغيرة: «هذا توتر»، «هذا خوف»، «هذا تعب»، «هذا أثر متأخر لشيء لم يُهضم بعد.». ومع الوقت، بدأت أفهم أن التعافي ليس عودةً إلى ما كان، بقدر ما هو إعادة تفاوضٍ مع هذا الكيان الجديد. كيان يتذكر أكثر مما نريد، لكنه يواصل أكثر مما نتوقع.

في النهاية، تحولت العلاقة به من علاقة سيطرةٍ أو راحةٍ فقط إلى علاقةِ مرافقة. نحاول أن نعيش معه لا ضده، حتى عندما لا نفهمه بالكامل. وربما هذا هو الحد الممكن من النجاة: أن نستمر داخل أجسادٍ تعرف أكثر مما نقول، لكنها، رغم ذلك، ما زالت تسمح لنا بأن نكمل.

مجازر_السويداء اقتحام_السويداء تروما_السويداء

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0