× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

غوطة بين جبلين: ذكريات سوريّة عن الفريز والبرتقال والبطيخ

حكاياتنا - ملح 13-07-2026

بين جبل الساحل وجبل العرب، تتوسّط الغوطة كهمزة وصل خضراء تخرم جدران الخوف السوري، هناك حيث لا تملي السياسة شروطها، بل تصنع الحواس والجغرافيا لغتها المشتركة. يختصر هذا النص سيرة جيل حاول بكل حواسه أن يكتشف بلاده الحقيقية خلف خطوط العزل الطائفي التي تستثمرها السلطات، ليؤكد أن الذاكرة المشتركة قد تتعثر أحياناً.. لكنها لا تُصاب بالعطب

ببساطة، قرر قائد المعسكر الترفيهي الصيفي لكلية الإعلام وجهةَ رحلتنا الأولى، أطلقت أسماءُ الأماكن أخيلةَ أغلبيّتنا لنتساءلَ كيف تبدو، في حين لم نكن، قبلاً، نرغب حتّى بذكرها. نعم، إلى هناك، حيث لم يكن حينها قد انتشر مقام "الحاصودي"، ولم نكن قد حلمنا بعد بتلك الفتاة السارحة في الحقول، المتلاعبة بالسلم الموسيقي.

وصلنا قبل الفجر، بواسطة حافلاتٍ شق هديرها سكون المزارع المتناثرة. كنا نحو ستين طالباً وطالبة، نحاول، إن استطعنا، أن نتخيل مكانة محمد حسنين هيكل، ونلامس كتابات الماغوط، وعذوبة أنسي الحاج، وشطحات طلال سلمان، وعبث نجيب الريس، ونرجسية غسان تويني.

لم نأكل السمك

إنه صيف العام 1993. لم نكن قد تعرفنا بعد إلى جيزيل خوري، ولا كنا نهتم بـنضال الأحمدية، وكان سقف الطموح الوطني عند البعض أن يصل، عبر (واسطةٍ) ما، إلى ساحة الأمويين، أو إلى مبنى مؤسسة الوحدة أو البعث، فيما كان آخرون يحلمون باقتناء عدد واحد من مجلة «الناقد».
الوقت الطويل حتّى شروق الشّمس، والنسمات الباردة، جعلا مجموعةً من العاشقين يطلقون العنان لحناجرهم، فأيقظت ما هو حيٌّ فينا، ولم تسكن إلا بعدما تباطأت الحافلة، وعلا صوت أحد المشرفين: «وصلنا... انزلوا.»

لم يكن ظلام الليل الحالك قد انقشع بعد. تدافعنا، اتّكأ واحدنا على الآخر، ونظرنا عالياً عبر الأسوار وقمم الأشجار، علّنا نستقرئ المكان ونشعر بالسكينة. فجأة، يشق الصمتَ صريرُ بوابةٍ عملاقة، فيخرج منها رجلٌ قصير القامة، يرتدي السواد، أو هكذا بدا لنا، قبل أن نكتشف أنه لا يشبه أولئك الذين نشاهدهم في التلفاز، أو الذين نتخيلهم في أفرع المخابرات. إنسان طبيعي يتكلم مثلنا، ويشبه إلى حد كبير جدي، أو ربما عمي، بل هو أقرب، بابتسامته ولهفته وترحابه، إلى والدي.

دخلنا عبر البوابة، وتذوقنا ثمار المزرعة وسط توسلات المضيف، الذي راح يحلف الأيمان المغلظة كي نتجول في المزرعة ونتذوق «فريزها» الناضج. «إنه من كدّي وتعبي، ولن يباركه الله إذا لم تتذوقوه».. لا شيء مختلف. أستمع إلى التعابير نفسها التي اعتدت سماعها في قريتي، ولكن بلهجة أخرى، وأتابع زملائي من أبناء المنطقة يرحبون بنا، ويتسابقون إلى خدمتنا، وكأنها مزرعتهم الخاصة أو بيتهم.

كانت خطواتنا كما هي، لم يتغير وقعها، فالأرجل لها ذاكرة أيضاً، تتخبط أحياناً وتخطئ أحياناً أخرى، لكنها لا تُصاب بالعطب

كانت نصف ساعة كفيلة بغسل جزء من الصور النمطية، وكسر صناديق الأفكار المغلقة، تماماً كما غسلت نسمات الصباح الرطبة وجوهنا، وجددت الخزين الرث في رئاتنا. لننطلق من جديد، مصطحبين صناديق من الفريز الطازج، ومشاعر مختلطة.

تنطلق الحافلة ببطء شديد وسط طرقٍ عابها الزفت الأسود المتشقق، واستوطنتها حفر المياه والانكسارات الطولية، لترسم عليها خريطةً للتاريخ السوري، أو ربما نذيراً لزمن آت. تستوقفنا صور المزارعين في طريقهم إلى الحقول، أعداد كبيرة من النساء والفتيات الجميلات، يمتطين الحمير أو يسرن أمامها.

الرحلة التي شملت ريف جبلة، والقرداحة، والبحر الواسع، غيّرت كثيراً مما حملناه في عقولنا، وخلقت لدينا أسئلةً كثيرة: هل كان خوفنا المتجذر منطقياً؟ هل هؤلاء الذين التقينا بهم أناس حقيقيون مثلنا؟ هل الفقر الذي عاينّاه بالعين المجردة موجود هنا؟

لم نأكل السمك، ولم نتذوق برتقال الساحل بأنواعه المدهشة، واختفى فريز العم المتواضع في معدة المسؤولين، كالعادة. لم نكتسب صداقات جديدة، لكننا عشنا تضاريس المكان كما يجب. كانت خطواتنا كما هي، لم يتغير وقعها ولا توقيتها، فالأرجل لها ذاكرة أيضاً، تتخبط أحياناً، وتخطئ أحياناً أخرى، لكنها لا تُصاب بالعطب.

رقص وغناء تحت أنظار الجبل الثالث

لم تكن الهزّة الأولى للوعي محصورة بين جبل الساحل وجبل العرب، ففي غوطة دمشق، وتحت أنظار جبل قاسيون الذي يربض كشاهد صامت على تفاصيل خوفنا السوري، كان علينا أن نخرم جداراً آخر. قرر قائد المعسكر الإعلامي زيارة قرية صغيرة هناك، مشدداً على أن الهدف هو كسر الحواجز في مجتمعٍ أُريد له ألا يعرف الاختلاط.

كانت الوجهة مزرعة زميل لنا، لكن اللقاء مع أهله وجيرانه حمل صدمة اكتشاف من نوع آخر للجميع. هناك، ملأ الشباب والشابات المكان غناءً ورقصاً وأحاديث خارجة عن المألوف الراكد. رقص زميلنا لأول مرة في حياته بصحبة زميلة جميلة، وسط ملامح دهشة واعتراض بدت على وجوه أهله، قبل أن تذوب الفوارق في حلقة الدبكة الجماعية. في المقابل، كان بعض أهالي القرية يتعرفون للمرة الأولى إلى بشر يشبهونهم، لكنهم ينتمون إلى طائفة ودين مختلفين. كان لقاءً صادماً في دقائقه الأولى، كاد يقوض كل شيء، لكنه انتهى وسط مساحة لا تتجاوز أربعين متراً مربعاً بالخروج إلى الطبيعة، نأكل البطيخ البارد الذي غمرته مياه «البحرة»، ونغني معاً بكل اللهجات السورية. 

«طمنونا عنكم»

«مات القائد الخالد»، هكذا قالوا في عاجل التلفزيون المحلي يوم 10 حزيران/يونيو 2000، وكان لزاماً علينا أن نحج إلى القرداحة بحكم الوظيفة الحكومية. قررت عدم الذهاب، وعشت ليلةً من الخوف والرعب لن أنساها ما حييت. هل سيكتشفون أمري؟ هل سأُفصل من عملي وأُحال إلى التحقيق والسجن؟ مضى ذلك اليوم ثقيلاً، ثم الذي يليه بالأفكار السوداء والندم الذي أكل قلبي لعنادي غير المبرر، لكنني نجوت. فقد اكتشفت زميلتي في العمل، وهي ابنة الساحل، غيابي، وسجلت اسمي مع الذاهبين، فماتت هواجسي.

«بين الساحل والغوطة والجبل، ظل رابط مادي واحد يقطع الفضاء السوري متجاوزاً خطوط النار وكل خطابات الموت: «طمّنونا عنكم... وصلوا الوحدات؟»»

على امداد سنوات، تعرفت إلى عدد كبير من الزملاء والزميلات من أماكن سورية شتى، بأسمائهم الحقيقية. كانت أول هدية تصلني من ريف جبلة طرداً من برتقال «أبو صرة»، من ذلك البرتقال الذي لا نعرفه في السويداء بحجمه وطعمه ورائحته. هدية تذوق طعمها كثير من الجيران والأصدقاء، لكن رائحتها ما زالت عابقة في روحي. وتكرر الأمر مرات عدة، حتى جاءني طرد من السمك المغلف بالثلج الكثيف، سمكات صغيرة قطعن مئات الكيلومترات حتى وصلن إلى الجبل.

بعد الثورة، كتبت، ومعي عدد كبير من أصدقائي في الساحل، بأسماء مستعارة لسنوات طويلة، نخفي هوياتنا حتى عن أقرب الناس إلينا. لكنني، بحكم الخبرة، اكتشفت بعضهم، وانكشفْتُ، بالمقابل، لبعضهم في مقالات عديدة. 

وحين ضرب الزلزال مناطق واسعة من سوريا في شباط/فبراير 2023، رحت أتابع بقلق وخوف مصير أصدقائي. وأكثر ما علق بذاكرتي قصة روتها لي صديقتي الجبلاوية عن جارهم المسن، القاطن في الريف، وهو يجلس على أنقاض بيته، وبيده ثلاثة أنواع من المعلبات الإغاثية.

أكثر ما آلمني في أواخر سنوات حكم الأسد الابن تلك الحرائق التي لا تنطفئ في «جبال العلويين». لا أعرف من أطلق هذه التسمية على تلك الجبال التي التهمتها الحرائق، واستمرت في الاشتعال حتى بعد أن هرب الأسد، تاركاً خلفه كثيراً من الأسئلة التي لا تنتهي.

في تموز/يوليو 2025 اشتعلت الحرائق في جبل الدروز، والتهمت البشر والشجر والحجر، ومساحات واسعة من تلك الجغرافيا. وكما جرى هناك، حصل هنا، مع تغيرات بسيطة في أعداد الضحايا، والمغتصبات، والمختطفين، و«الترندات».

بين هنا وهناك، ومنذ آذار/مارس حتى تموز/يوليو 2025، ظل رابط مادي واحد يقطع الفضاء السوري، متجاوزاً الأرتال ومسيرات الدراجات النارية وكل خطابات الموت، ويتلخص في جملة واحدة: «طمّنونا عنكم... وصلوا الوحدات؟».

مجازر_السويداء اقتحام_السويداء

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0