تشهد الأسواق السورية تحولاً اقتصادياً لافتاً يتمثل في تزايد ظاهرة التسعير بالدولار الأميركي عوضاً عن الليرة السورية، في استفحالٍ لـ «دولرة السوق». ظاهرة، ليست مجرد تغيير في وحدة التسعير، بل هي انعكاس لأزمة اقتصادية تلقي بظلالها على المجتمع. ورغم قبول الدفع بالعملة السورية، يجري حساب السلعة بالدولار وقبض سعرها بما يعادل القيمة حسب سعر السوق السوداء وليس سعر الصرف المفروض من البنك المركزي.
كيف ولماذا تغيّر التسعير؟
تغيرت آليات التسعير العلني في الأسواق بشكل تدريجي وظهرت هذه الحالة بعد الإطاحة بنظام الأسد في 08/12/2024، بدأت كتحوّط فردي من قبل التجار لحماية رؤوس أموالهم من بعض الخسائر، وساعد فيها توافر الدولار في الأسواق وبين يدي المستهلكين.
يشرح صاحب متجر الإكسسوارات في حي العزيزية بحلب الياس صعب لـ«صوت سوري» أن: «معظم البضائع تردُ من الصين بسعر الدولار، وتدخل السوق بعد دفع بعض الرسوم، فنحسب الكلفة بالدولار، ونبيع بالدولار». ويردف: «أقبل البيع بعملة أخرى غير الدولار سواء الليرة السورية أو التركية أو الريال السعودي واليورو».
من جهتها تقول ربة المنزل نسرين صلاحدار: «لا أرى أي مشكلة في تسعيرة الدولار» مؤكدةً أنها اعتادت ذلك، وأن سعر السلعة سيكون نفسه سواء بالدولار أو غيرها من العملات. وتضيف «نستلم الحوالات بالدولار، وكثير من الناس أصبحت معاملاتهم المالية بالدولار، لا بأس في الأمر».
أما الطالب في كلية الآداب أحمد ياسين فيعتقد أن للتعامل بالدولار أضراراً كبيرة ومخاطر، منها التزوير وعدم وجود فئات نقدية صغيرة. لكنه يرى فوائد في الوقت نفسه، فبعض السلع يرتفع سعرها بسبب تغيرات سعر الصرف، وفروق التحويل بين العملات، معتبراً ان تلك الفوارق الصغيرة مع بعضها تشكل مبلغاً لا بأس به.
ما وراء الظاهرة
تتعدد أسباب تفاقم الظاهرة. ترى المحللة الاقتصادية نجاح عبد الحليم أنها ترتبط بمجموعة من العوامل الاقتصادية المتراكمة، أبرزها ضعف الثقة بالليرة السورية، واستمرار تقلبات سعر الصرف، وارتباط جزء كبير من السلع المستوردة بالدولار.
وتضيف «التسعير بالدولار بات وسيلة دفاعية لحماية رأس المال من التآكل السريع»، مؤكدة على صعوبة إعادة تسعير البضائع المخزنة يومياً بالليرة، واتساع الفجوة أحياناً بين السعر الرسمي وسعر السوق.
تشدد عبد الحليم على أن استمرار التسعير بالدولار قد يعمّق ظاهرة الدولرة داخل الاقتصاد السوري حتى لو بقي الدفع الفعلي بالليرة، وتبين أن «الدولرة» لا تعني بالضرورة تداول الدولار نقداً، بل تعني أيضاً أن تصبح هذه العملة وحدة الحساب الأساسية التي تُقاس بها الأسعار والعقود والتوقعات وهذا يضعف وظيفة الليرة بوصفها مخزناً للقيمة (يحتفظ المال بقيمته الشرائية بمرور الوقت) ووحدة قياس، كما يحدّ من قدرة السياسة النقدية على التأثير في السوق.
وتردف «كلما زادت الدولرة، أصبحت أدوات المصرف المركزي أقل فعالية، لأن الأسعار لا تستجيب فقط للسيولة المحلية أو القرارات الرسمية، بل لتوقعات التجار والمستهلكين حول سعر الدولار القادم».
تؤكد الخبيرة أن للأمر مخاطر عديدة، تتمثل بضعف الثقة بالليرة السورية، مع زيادة عدم اليقين في السوق، واتساع هامش التسعير الاحتياطي، إذ يضيف التجار علاوة تحسباً لأي تراجع جديد في سعر الصرف، لأن المستهلك سيدفع الكلفة، بينما تتضرر المنافسة العادلة بين التجار الملتزمين وغير الملتزمين.
من جهته يقول المحلل الاقتصادي منهل العثمان إن اللجوء إلى عملة أخرى يحصل غالباً حين «تفقد أي عملة محلية إحدى وظائفها الأساسية التي تؤديها وهي مخزن القيمة وأساس التسعير (أن تكون العملة هي المقياس الموحد) ووسيط التبادل (أن يتقبلها الجميع لإتمام عمليات البيع والشراء بسلاسة دون الحاجة للمقايضة)».
ويبين العثمان أن تقلبات سعر الصرف الآنية والسابقة الممتدة على مدى أكثر من 10 سنوات أفقدتها قيمتها مما دفع العديد لاستخدام الدولار بديلاً آمناً. ويرى أن «جشع بعض التجار واتجاههم نحو التسعير الفوري بما يناسب الدولار بغاية تحقيق هامش ربحي، خلق ظاهرة تسعير بعض المنتجات في الأسواق بالدولار بدلاً من الليرة السورية»، محملاً المسؤولية للجهات المسؤولة وغياب الرقابة الحقيقة في الأسواق.
يؤكد العثمان أن عمليات تمديد تبديل الليرة القديمة بالجديدة أثّرت بشكل كبير على السوق، لأن قانون الاقتصاد يقول إن العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة، وبالتالي تمديد استبدال العملة دفع المواطن إلى ادخار العملة الجديدة وتداول القديمة، مشدداً على ضرورة اتخاذ مصرف سوريا المركزي قراراً بإيقاف التعامل بالعملة القديمة لإعطاء الثقة للجديدة.
قانون اقتصادي صاغه المستشار المالي الإنجليزي "توماس غريشام" في القرن السادس عشر.
كيف يعمل في علم النفس البشري؟
عندما يوجد في السوق نوعان من العملة لهما القيمة الرسمية ذاتها ولكن يختلفان في «الجودة» أو «الثقة» (مثل الأوراق النقدية القديمة والمتهالكة مقابل الطبعات الجديدة النظيفة، أو الليرة المحلية المترنحة مقابل الدولار المستقر) يحصل التالي:
الاكتناز والادخار: يميل الناس تلقائياً إلى الاحتفاظ بالعملة «الجيدة» واكتنازها في منازلهم لثقتهم بقيمتها أو لسهولة حفظها وتداولها مستقبلاً.
التخلص والإنفاق: يسرع الجميع إلى التخلص من العملة «الرديئة» (القديمة أو المنهارة) وإنفاقها سريعاً في الأسواق اليومية لتجنبخسارتها.
النتيجة: تختفي العملة القوية تماماً من التداول اليومي وتصبح نادرة، بينما تفيض الأسواق وتغرق بالعملة الضعيفة والمتهالكة.
كيف تُستعاد الدفّة؟
يؤكد المحلل الاقتصادي منهل العثمان أن غياب الرقابة وعدم حل مشكلة ازدواجية العملة سيؤدي في المحصلة إلى استخدام الدولار في التداول اليومي.
من جهتها تقول المحللة الاقتصادية نجاح عبد الحليم: «للحد من هذه الظاهرة، لا يكفي التعامل معها بطريقة رقابية فقط، بل ضبط المخالفات مهم»، مؤكدةً على ضرورة إلزام المتاجر بإعلان الأسعار بوضوح بالليرة السورية. وترى أن الحلول تتمثل بإجراءات عاجلة تشمل توحيد مرجعية التسعير، ومراقبة الأسواق بانتظام، ومنع التسعير المزدوج المضلل، وتفعيل قنوات الشكاوى والعقوبات ضد الاستغلال، خصوصاً في السلع الأساسية.
وتختتم حديثها بالتأكيد على ضرورة العمل على تقليص تكاليف الإنتاج والنقل والطاقة، لأن جزءاً كبيراً من ارتفاع الأسعار لا ينتج فقط عن سعر الصرف، بل عن بنية إنتاج تحمل كلفة مرتفعة ومضطربة.