× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

يكتسب غياب التصفيق عن الجلسة الأولى للمجلس الجديد أهمية تتجاوز حدود البروتوكول © رويترز

مجلس الشعب بلا تصفيق.. هل يكفي هذا؟

عقل بارد - على الطاولة 16-07-2026

كسر مجلس الشعب السوري الجديد طقوس العقود الماضية بجلسة أولى خالية من التصفيق، في محاولة من السلطة الجديدة لتقديم مشهد سياسي مُطهّر بصرياً، لكن هل يكفي هذا «الإخراج الجديد» للاقتناع بأن مرحلة برلمانيّة جديدة قد انطلقت بالفعل؟

ليس من السهل العثور على ما يستحق الثناء في المشهد السياسي السوري الراهن. مجلس الشعب الذي انعقدت جلسته الأولى أخيراً تشكل بموجب آلية اختيار وتعيين أثارت اعتراضات واسعة لدى غالبية القوى السياسية السورية، بوصفها تفتقر إلى أبسط المعايير الديمقراطية التي يفترض أن تقوم عليها أي مؤسسة تشريعية تحترم شعبها.

كما أن شرائح من السوريين تنظر إلى السلطة القائمة بوصفها «سلطة أمر واقع»، وصلت إلى الحكم في ظروف إقليمية ودولية، تقاطعت فيها مصالح القوى الخارجية أكثر مما تجلت فيها إرادة السوريين أنفسهم. لذلك يصعب تناول مجلس الشعب الجديد بمعزل عن هذه الحقائق أو القفز فوق الأسئلة المتعلقة بشرعيته وتمثيله.

لكن وسط هذا المشهد المزدحم بالتحفظات والأسئلة، برز تفصيل صغير استرعى الانتباه: غياب التصفيق في الجلسة الأولى للمجلس.
قد يبدو الأمر هامشياً للوهلة الأولى، إلا أن السوريين الذين عاشوا عقوداً في ظل نظام جعل الولاء السياسي جزءاً من الحياة العامة يدركون حجم الدلالة الكامنة وراء هذا الغياب. التصفيق في الحياة السياسية السورية تحوّل مع الزمن إلى ثقافة سياسية كاملة.

في سوريا الأسد، كان الوزراء والنواب والطلاب والعمال والموظفون وأعضاء النقابات والمنظمات مطالبين بإظهار الولاء بالطريقة نفسها. واكتسب التصفيق معنى سياسياً يتجاوز التعبير عن التأييد، فأصبح بمثابة شهادة ولاء علنية، بينما أحاطت الشبهات والريبة بكل من يخرج عن هذا الإيقاع الجماعي.

لقد كان مجلس الشعب في عهد الأسدين أحد أكثر رموز الإفلاس السياسي فجاجة. مؤسسة يفترض أن تمثل الشعب وتمارس الرقابة على السلطة، تحولت إلى شاهد زور على تغوّلها. نواب يتنافسون في إظهار الولاء، وخطب تُقاطع بعواصف من التصفيق، وقرارات تمر بالإجماع، حتى بدا المجلس أقرب إلى فرقة كورال سياسية منه إلى هيئة تشريعية.

بمرور السنوات، اكتسب التصفيق وظيفة سياسية واضحة. إذ تحول إلى رمز لمرحلة كاملة من التبعية السياسية، وإلى أداة لإقصاء العقل النقدي وتحويل العمل العام إلى طقس من طقوس التمجيد. وترسخت صورة النائب الذي يصفق ويهتف ويبارك، فيما تراجعت صورة النائب الذي يسائل ويناقش ويدافع عن مصالح الناس.

لهذا السبب يكتسب غياب التصفيق عن الجلسة الأولى للمجلس الجديد أهمية تتجاوز حدود البروتوكول. الصمت الذي خيّم على القاعة حمل دلالة رمزية عميقة، لأنه كسر مشهداً ظل السوريون يشاهدونه لعقود طويلة حتى كاد يصبح جزءاً من تعريف السلطة نفسها.

التصفيق.. لغة سياسية أقدم من البرلمانات

لم يكن التصفيق عبر التاريخ مجرد استجابة عفوية للإعجاب. ففي كتابه Gestures and Acclamations in Ancient Rome (1999)، يبين المؤرخ الأمريكي غريغوري و. ألدريت (Gregory W. Aldrete) أن التصفيق والهتافات في روما القديمة شكّلا جزءاً من التواصل السياسي بين الحاكم والجمهور، حتى إن بعض الأباطرة استعانوا بمجموعات منظمة لقيادة الاستحسان في المناسبات العامة.
ويفسر عالم النفس الاجتماعي روبرت تشالديني (Robert B. Cialdini)، في كتابه Influence: Science and Practice، جانباً من هذه الظاهرة بمبدأ «الدليل الاجتماعي» (Social Proof)، إذ يميل الأفراد إلى محاكاة سلوك الجماعة في المواقف العامة. وأظهرت دراسة Richard Mann وزملائه (The dynamics of applause، 2013) أن بدء التصفيق واستمراره يخضعان لتأثير متبادل بين الحاضرين، بحيث يصبح التصفيق سلوكاً جماعياً ينتشر بالعدوى أكثر من كونه قراراً فردياً مستقلاً.

أما عندما يقترن التصفيق بالخوف، فتتغير وظيفته السياسية بالكامل. في «أرخبيل غولاغ»، يروي ألكسندر سولجينتسين قصة تصفيق استمر إحدى عشرة دقيقة لستالين، لأن أحداً لم يجرؤ على أن يكون أول من يتوقف. وهنا يغدو التصفيق مؤشراً على ميزان القوة داخل المجتمع، أكثر منه تعبيراً عن الاقتناع أو التأييد.

يرجح أن الامتناع عن التصفيق لم يكن عفوياً، وليس صحوة ديمقراطية مفاجئة تحت القبة، ولا ثمرة اقتناع جماعي لدى النواب بفضائل العمل البرلماني. فمجلس جرى تعيين أعضائه من فوق لا يملك ترف صناعة تقاليده السياسية من تلقاء نفسه. المنطق يقول إن تعليمات واضحة صدرت للأعضاء بعدم التصفيق، في إطار محاولة واعية للتخلص من الصورة الكاريكاتورية التي التصقت بمجالس الشعب في العهد السابق.

غير أن هذه الحقيقة لا تنتقص من دلالة ما حدث. صدور تعليمات تمنع التصفيق أمرٌ يحمل دلالته الخاصة أيضاً. كما أن السلطة الجديدة تدرك أن التصفيق والهتاف والتزكية الجماعية تحولت في الوعي السوري إلى أحد رموز الحقبة السابقة، وأن إعادة إنتاج تلك المشاهد منذ الجلسة الأولى كانت لتشكل هدية مجانية لمنتقديها.

لقد صفق مجلس الشعب السابق - بمختلف نسخه - لكل شيء: للتوريث، وللقمع، وللقوانين الاستثنائية، وللسياسات التي أوصلت البلاد إلى الانفجار. تراكم التصفيق فوق التصفيق، فيما كانت البلاد تتجه نحو مزيد من الأزمات والانقسامات والكوارث. ولم يسجل التاريخ لذلك المجلس موقفاً يوازي حجم الولاء الذي أظهره أو حجم التصفيق الذي ملأ قاعاته.

من هنا تأتي قيمة ما جرى في الجلسة الأولى. الإشادة بغياب التصفيق لا تعني منح المجلس صك براءة، ولا التغاضي عن العيوب الجوهرية التي رافقت تشكيله، وإنما تعني الترحيب بسقوط واحدة من أكثر الممارسات السياسية ابتذالاً في تاريخ الحياة العامة السورية.

لهذا السبب، لا يبدو منطقياً تحميل هذه الواقعة أكثر مما تحتمل، ولا تحويل غياب التصفيق إلى بشارة سياسية أو مقدمة لتفاؤل مجاني. غياب التصفيق لا يكفي وحده لإضفاء صفة التمثيل الشعبي على أي مؤسسة، كما أن التخلص من أحد طقوس الاستبداد لا يعني التخلص من الاستبداد نفسه.

نعم، من حق الشارع السوري أن يرحب باختفاء مشهد التصفيق الذي رافق خراب البلاد لعقود. لكن من حقه أيضاً ألا يكون ساذجاً إلى درجة الخلط بين تغيير في الإخراج السياسي وتغيير في جوهر السياسة.

بعد نصف قرن من التصفيق، تعلم السوريون درساً قاسياً: الكارثة لا تصبح أقل خطورة عندما تُستقبل بالصمت بدلاً من التصفيق. أما المجلس الذي يُشكَّل بالتعيين لا بالانتخاب، فلا توجد – حتى الآن - أسباب تدعو للاعتقاد بأنه سينتج حياة سياسية مختلفة عن تلك التي عرفها السوريون لعقود. ذلك أن أزمة التمثيل لا تُحل بإسكات الأيدي المصفّقة، وإنما بإعطاء الناس حق اختيار من يتحدث باسمهم.

مجلس_الشعب_السوري المرحلة_الانتقالية_في_سوريا

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0