منذ توصل دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلى توقيع اتفاقية الاندماج في 29 كانون الثاني/ يناير الماضي، أُحيي الأمل لدى ذوي مئات المقاتلين ضمن صفوف «قسد» في بقاء أبنائهم على قيد الحياة، بعد أن قطعت أخبارهم منذ التوترات الأمنية التي شهدتها مناطق شمال شرق البلاد نهاية العام الماضي؛ فكلما تم الإفراج عن عدد من المقاتلين المحتجزين اشتد الأمل عند ذوي البقية.
رحلة بحث بلا إجابات تقول فاطمة عبدو حنان (27 عاماً) إن آخر اتصال تلقته من زوجها كان في الساعة الثالثة مساء يوم 18 كانون الثاني/ يناير الماضي، قال لها فيه: «خرجنا من الرقة ووصلنا إلى حاجز مركدة، ولكننا وقعنا في كمين للعشائر».
وبحرقة تضيف حنان، المنحدرة من عفرين وتعيش في مدينة القامشلي، أنها لا تعلم اليوم، بعد مضيّ نحو ستة أشهر، أي شيء عن زوجها علي أحمد رحمن، وأخيها رشيد عبدو حنان، مشيرة إلى أن كليهما كانا معاً. وكُلّما أُعلن عن إطلاق دفعة جديدة من المحتجزين توجهت إلى مدينة الحسكة قاصدة مبنى المحافظة، على أمل أن تعرف شيئاً عنهما. حاولت السيدة التواصل مع كثير من المحتجزين الذين أُطلق سراحهم أخيراً، لكن، لم يفدها أحدٌ منهم بمعلومات.
حنان أم لأربعة أطفال، ثلاثة صبيان وفتاة، وليس لديها أقارب في القامشلي، فوالدتها متوفاة، ووالدها عاد إلى عفرين، حتى زوجها ليس لديه أحد، فبعد زواجهما في حلب منذ 13 عاماً قدما إلى مدينة القامشلي واستقرا فيها.
«زوجي وأخي لم يحملا السلاح، كان عملهما إدارياً»، تقول حنان، وتُطالب الحكومة بالإفراج عن بقية المحتجزين: «طالما توصلتم إلى اتفاق أفرجوا عن أسرانا».
إحصائيات واتفاقات رسمية
في كانون الثاني/ يناير الماضي أُعلن عن توقيع اتفاق وقف إطلاق نار شامل وفوري على جميع الجبهات ونقاط التماس بين القوات الحكومية السورية وقوات سوريا الديمقراطية. لكن الاتفاق لم يتطرق بشكل صريح إلى موضوع الأسرى والمحتجزين، لتفضي اجتماعات واتفاقيات لاحقة بين الجانبين إلى الإفراج عن عدد منهم.
تستعين عائلة حسن بتوأمه حسين لتقمص شخصيته والحديث مع أمه المريضة، في محاولة بائسة لإخفاء حقيقة أسره
وبحسب الإحصائيات الرسمية المعلنة، فقد جرى الإفراج عن خمس دفعات من مقاتلي «قسد» حتى إعداد هذا التقرير.
في 24 أيار/ مايو الماضي أعلن محافظ الحسكة، نور الدين أحمد، التوصل إلى اتّفاق للإفراج عن «دفعة جديدة من أسرى قسد»، مؤكداً أن العدد «نحو 100 شخص، بينهم مقاتلات في وحدات حماية المرأة (YPJ)».
وفي مطلع حزيران/ يونيو أعلن نائب محافظ الحسكة، أحمد الهلالي، «إخلاء سبيل 28 مقاتلة من قوات سوريا الديمقراطية وذلك في إطار متابعة الفريق الرئاسي لتنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني/ يناير». وأضاف الهلالي أن «عدد من أُخلي سبيلهم تجاوز 1200 شخص»، موضحاً أن «الجهات الحكومية المختصة ملتزمة بإنهاء ملف كل الموقوفين ضمن الاتفاق، مع تأكيدنا لاعتبار هذا الملف، إضافة إلى ملف النازحين والمهجرين، ملفات إنسانية غير تفاوضية»، وذلك بحسب ما نشرته مديرية إعلام الحسكة.
يُذكر أن قوات سوريا الديمقراطية، وهي الجناح العسكري للإدارة الذاتية شمال شرق سوريا، قد تشكلت في تشرين الأول/ أكتوبر 2015 من تحالف عسكري ضم فصائل كردية وعربية وسريانية وأرمنية، وبلغ قوامها 70 ألف مقاتل بحلول العام 2024، وفقاً لتقارير صحفية.
وقفات احتجاجية ومصير مجهول
ينتظر ياسر عبد الوهاب العلي عودة أخته عائشة، المقاتلة ضمن صفوف «وحدات حماية المرأة (YPJ)» شأن المئات من ذوي الأسرى. يقول العلي: «أختي كانت في مدينة الشدادي ثم انتقلت إلى الشيخ مقصود بحلب، ومع بدء الأحداث هناك قُطِع الاتصال بها».
يشارك العلي في الوقفات الاحتجاجية التي ينظمها ذوو الأسرى بشكل دوري في مدينة القامشلي للمطالبة بالكشف عن مصير أبنائهم، والإفراج عنهم. وتشهد العديد من مدن وبلدات مناطق الجزيرة وقفات احتجاجية لذوي الأسرى في الحسكة، وعامودا، والقامشلي، ومعبدو (كركي لكي)، والدرباسية.
يشير عبد الوهاب إلى أنهم حاولوا التواصل مع القيادة العسكرية في وحدات حماية المرأة: «قالوا لنا إن ست مقاتلات بينهنّ عائشة فُقِد الاتصال بهنّ في الشيخ مقصود ولا معلومات حتى الآن»، ويضيف: «لا نعلم حتى إذا كانت على قيد الحياة».
- 29 كانون الثاني / يناير: توقيع اتفاقية الاندماج بين دمشق وقسد.
- 5 دفعات: عدد الدفعات التي جرى الإفراج عنها حتى الآن.
- 1200 شخص: إجمالي عدد الذين أُخلي سبيلهم وفقاً للتصريحات الرسمية.
- 70 ألف مقاتل: قوام قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بحلول 2024.
- لا يزال المأت مجهولي المصير
المئات في الأسر
يقول دليار عبد المجيد حسين، وهو أحد الذين خرجوا من الأسر ضمن الدفعة الرابعة: «أُسِرتُ مع رفاقي في دير حافر بريف حلب، واقتادونا إلى سجن حلب. لا يزال هناك أسرى من رفاقنا في السجون»، ويأمل أن يُفرَج عنهم قريباً.
ويضيف الشاب واصفاً مرارة الموقف بعد خروجه: «شعور لا يوصف عندما تقصدك أم أو أب لمعرفة ولو معلومة صغيرة عن ابنهم أو ابنتهم، ولا يكون لديك رد، أو يكون ردك بأنه أو بأنها قد فقدت حياتها؛ الموقف قاسٍ جداً ولا يمكن لكلماتي وصفه».
غصّة الأخ البديل
في مقلب آخر من المعاناة، تقول يسرى نواف عمي (25 عاماً)، وهي أخت أحد الأسرى ومن سكان مدينة القامشلي: «قبل أيام التقينا بالجنرال مظلوم عبدي وطمأننا مؤكداً أن جميع الأسرى سيُفرَج عنهم»، وتضيف بحسرة: «لكننا تعبنا ولم تعد لدينا قدرة على التحمل».
تشير عمي إلى أن شقيقها أُسر على جبهة دير حافر في ريف حلب الشرقي، موضحة: «آخر اتصال كان بيننا في الساعة الثامنة والنصف من صباح يوم السابع عشر من شهر كانون الثاني/ يناير الماضي».
تمضي الفتاة العشرينية في سرد قصة معاناتها وعائلتها في غياب أخيها حسن بصوت يشوبه حزن كبير: «مرت ستة أشهر وجميع رفاقه الذين كانوا معه حين أُسر عادوا إلى أهلهم، مع كل دفعة كان يُفرَج عنها كنا نأمل أن يكون بينهم ولكن كنا نعود دونه».
وتذكر يسرى أنهم كانوا يضطرون إلى إخفاء موضوع أسر حسن خلال التوترات عن والدتها المريضة خوفاً من تدهور صحتها؛ فكانوا يلجؤون في كل مرة تصر فيها الأم على محادثة ابنها إلى الاتصال بالأخ التوأم لحسن، وهو حسين. وتختم الفتاة بحزن يختصر ألم العائلة: «في كل مرة كانت والدتي تقول بعد المكالمة: هناك شيء غريب فصوت حسن متغير، إلا أننا كنا نبتلع غصتنا ونحاول طمأنتها».