× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

رسم مولد بالذكاء الاصطناعي

محاكم التفتيش في سوريا.. إلى أن ترتدي جان دارك بنطال الجينز

حكاياتنا - ملح 18-07-2026

الأيديولوجيا العتيقة التي تخلت عن السيوف لتلتقط الـ «آيفون» لا تزال تدير محاكم التفتيش عبر منصات التواصل الاجتماعي بالآلية ذاتها: تشويه الجمال لشرعنة القبح. حين عجزت إنكلترا قديماً عن هزيمة شجاعة «جان دارك»، لم تجد مخرجاً سوى محاكمتها بتهمة ارتداء ملابس الرجال، مفارقة تاريخية تتكرر اليوم بحذافيرها في سوريا، حيث يشرع باعة مساحيق التشويه دكاكينهم المعاصرة


أن تتكرّر البيئة بكل مقتضياتها، يعني أن تتكرّر الأحداث والسيناريوهات والشخصيات، وكأنها «راكور» التاريخ، إذ يُعاد كلما جاء مخرج تقليدي وحاول بناء المشهدية القديمة ذاتها. ولعلّ قانون الفيزياء الشهير: إن إعادة التجربة بالظروف والمكوّنات نفسها تؤدي إلى النتائج نفسها، لا يصحّ فقط على تفاعل كلوريد البوتاسيوم مع الصودا الكاوية في مختبر المدرسة الثانوية.

تعاود السرديات الظهور، وكأنها أحد أشكال قوانين الطبيعة الأساسية. حاول أن تبني الآن خياماً، وتضع فيها بشراً عاديين من القرن الحادي والعشرين، قد يُنجب لك المكان الأشعري والأصمعي والصعاليك، والقرامطة وثورة الزنج والحجاج بن يوسف الثقفي، والمعري والغزالي ومالك بن الريب، والمتنبي وكافوراً والخوارزمي وابن العميد، والأهم من ذلك جحا وشعيباً، والحلاج ومعه أبا عمر المالكي أحد الّذين أفتوا بقتله.

فالأيديولوجيا لا يهمّها العمران ولا التكنولوجيا، ولا يعنيها إن كان في يدك سيف أم «آيفون»، أو إن كنت تسكن خيمة أو جزيرة صناعية. فالأيديولوجيا التي تتبناها هذه الآلات البشرية هي التي تحدد المسار الذي سيسلكه التاريخ. ولن يهمّها أين توجد هذه الآلات، لأنها قادرة ببساطة على أن تجعلك تعيش في القرون الوسطى من جديد.

قد تشهد محاكم التفتيش «أونلاين»، أو عبر شاشات beIN SPORTS، بكل بساطة. هذا هو الفارق فقط. عندها يمكنك أن تتخيل توركيمادا (الرئيس الأعلى لمحاكم التفتيش وأشهر وجوهها) يغرد على تويتر طالباً إعجاب الجمهور بآخر قضيةٍ أحرق من أجلها ساحرة ما.

قضاة العصور الوسطى الموجودون بيننا اليوم يحبون «لايكات» الجماهير وتعليقاتهم، كما كانوا يحبون المشاعل وصراخ الحشود قديماً، إلا أنهم باتوا أكثر حرصاً على ألا يظهروا قبيحي الهيئة والمضمون.

وحين لا يريد القضاة أن يكونوا قبيحين، وإن كانوا كذلك، وحين يكون المتهمون أجمل بكثير من قضاتهم، وتكون التهمة أكثر أخلاقيةً من المحكمة، وتغدو العدالة عوراء العين والقلب، فما الذي يستطيع القاضي أن يفعله ليمنح أفعاله مظهراً أخلاقياً؟ كيف يستطيع ألا يبدو قبيحاً؟

لا أحد يريد سمعة القبح، حتى لو مارسه. فما الذي سيفعله القاضي القبيح أمام التهمة الجميلة؟ أي أداة تشويه يستطيع أن يضعها على وجه تهمته؟ وأي مسحوق "تقبيح" يكفي لتغطية جمال وجه تلك التهمة؟

الأيديولوجيا لا يهمّها العمران ولا التكنولوجيا، ولا يعنيها إن كان في يدك سيف أم «آيفون»، أو إن كنت تسكن خيمة أو جزيرة صناعية

قد لا تبيعه الصين، بكل أسواقها الهائلة، هذه البضاعة. وقد لا تجدها في السفن المحمّلة بحاويات الرأسمالية العملاقة. لا «أمازون» ولا «علي بابا» ولا غيرهما سيقدمون لك مواد تجميل معكوسة لتشويه الآخرين. لكن لا تفقد الأمل، فثمّة بائع وحيد يستطيع أن يبيعك تلك المواد، بل وبأفخر أنواعها وبنتائج مضمونة. إنه بائع عابر للعصور والأزمنة والحضارات، يمكنك أن تجده كلما احتجته، واقفاً خلف دكّانه المفتوح منذ فجر الخليقة، مستنداً إلى دساتير لا تقبل الجدل، ومستعداً لتشويه أي شخص تريد تشويهه، خصوصاً إذا كانت الضحية امرأة.

جان دارك

ما التهمة التي تعتقد أن جان دارك أُحرقت من أجلها في ساحة السوق القديم بمدينة روان؟

جان دارك ذاتها التي وضعت أخلاق شكسبير على المحك حين حاول تصويرها ساحرةً شمطاء في مسرحية «هنري السادس»، والتي أجبرت مارك توين على التخلي عن الكوميديا ليكتب قصتها، ثم يقول في مقدمتها: «أفضل كتبي هو ذكريات جان دارك». وهي نفسها التي حاول بريخت إعادة قراءتها، عبر شخصية مستوحاةٍ منها، من منظوره الفكري الماركسي، فيما سعى برنارد شو في مسرحيته «القديسة جان» إلى استعادتها بوصفها إنسانة قبل أن تكون أسطورة، وكانت أيضاً مصدر إلهام لكريستين دي بيزان، إحدى أوائل المدافعات عن حقوق النساء في الأدب الأوروبي.
كيف تستطيع إنكلترا ألا تبدو قبيحة وهي تضع هذه المعضلة الهائلة، المتمثلة بجان دارك، على محرقة مشتعلة؟ كيف تنجو من وجهها القبيح وهي تنتقم من امرأة أذلتها إلى أقصى ما يمكن للإذلال أن يبلغ؟

لم تجد إنكلترا حلاً إلا في ذلك الدكان العتيق الذي كان يبيع بضاعته آنذاك على هيئة تهم كَنَسيّة. استلزم الأمر عشرات رجال الدين، يتقدمهم الكاردينال هنري بوفورت، يلتفون حولها في محاولة بائسة لتقبيحها. نعم، هذا ما احتاجته غرفة عمليات «تقبيح» جان دارك، ولست أعلم ما تكلفه عمليات التجميل هذه الأيام، لكنني أعتقد أنها تحتاج إلى عدد أقل بكثير من العاملين.

ذلك الدكان المزدحم بالتهم لم يجد إثماً واضحاً يدينها به. فماذا فعل؟ بعد كل اتهامات الهرطقة والسحر وادّعاء تلقّي الوحي، جاءه الإنقاذ من سفر التثنية في العهد القديم. لقد ارتدت جان ملابس الرجال، وهو ما عُدَّ مخالفة للنص القائل: «لا يكن متاع رجل على امرأة، ولا يلبس رجل ثوب امرأة.» خصوصاً حين ارتدته بعد تعهّدها بالامتناع عن ذلك.

وهكذا، لا الحرب ولا القتال ولا الشجاعة، ولا تغيير مسار الحرب، ولا محاضر الاتهام الطويلة، ولا محاولات انتزاع اعتراف بالكفر منها، استطاعت أن تنال من جان دارك كما فعل... بنطالها.

جان دارك في سوريا

يفتح الدكان أبوابه في سوريا الآن، و(البناطيل) كثيرة. ليس أسهل من العثور على مئات الـ«هنري بوفورت»، ولكل واحدٍ منهم ما يزيد عن ستين خبيراً في «التقبيح». 

بلادي التي تحوّلت إلى مركزٍ لتوزيع مساحيق التشويه، ولم تعدم الدكاكين التي تروّج لها، تبدأ الحكاية فيها من أيديولوجيا تبدو آخذةً في الترسّخ، ولا تنتهي عند مؤسساتٍ بدأت ملامحها الأولى بالظهور.

جان دارك أصبحت قديسةً في النهاية. وها هو نصبها التذكاري، في كنيسة وينشيستر، بالقرب من قبر بوفورت، ولكن بقداسةٍ أكبر.

أمّا أنا، فأريد الآن تمثالاً لجان دارك في وسط بلادي. وحبذا لو كان إلى جوار السيف الدمشقي، وهي ترتدي بنطال الجينز. لا أريد أن أنتظر خمسمئة عام حتى يحدث ذلك، كما احتاجت أوروبا لتدرك أن المشكلة لم تكن في المرأة التي ارتدت بنطالاً، بل في الذين احتاجوا محكمة كاملة كي يحاكموها بسببه.

جان_دارك نصب_السيف_الدمشقي

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0