تتفاقم أزمة المياه في محافظة الحسكة وأريافها. بقاء مركز المحافظة بلا مياه أمرٌ يلخّص حجم المعاناة التي يعيشها الأهالي منذ 2019، عقب سيطرة فصائل من المعارضة السورية على مدينة رأس العين/ سري كانيه، حيث تقع محطة علوك، المصدر الرئيس لتغذية الحسكة بالمياه. وخلال السنوات الماضية، تبادلت الإدارة الذاتية وتلك الفصائل الاتهامات بشأن أسباب انقطاع المياه.
فيما تؤكد مصادر خاصة لـ «صوت سوري» أن أبرز أسباب تكرار الانقطاعات تتمثل في «الاعتداءات المتكررة على خط المياه الرئيس، وجرّ المياه بطرق غير رسمية وغير قانونية، وإهمال المحطة على مدار السنوات الماضية وعدم صيانتها، وغياب الفرق المتخصصة، إضافة إلى تحويل المياه والمحطة إلى ورقة ابتزاز من أكثر من طرف، محلي وإقليمي»
في المقابل، تتكرر الوعود بتحسين واقع الكهرباء في محافظة الحسكة، وهو ما من شأنه أن ينعكس مباشرة على تغذية محطة علوك بالطاقة اللازمة لإعادتها إلى الخدمة. وفي هذا السياق، أجرى معاون وزير الطاقة لشؤون الكهرباء، عمر شقروق، جولة ميدانية في المحافظة للاطلاع على واقع الشبكة الكهربائية والتحديات التي تواجهها .
كما أفادت الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا)، عبر معرفاتها الرسمية، بـ تخصيص محطة كهرباء متنقلة لتأمين التغذية الكهربائية لمحطة مياه علوك وخدمات الدرباسية، على أن تُربط المحطة المتنقلة بمحطة علوك قريباً، ريثما تسمح الظروف الميدانية بإعادة الربط، ولا سيما في منطقة رأس العين، التي تمثل نقطة الربط الأساسية للمحطة. وأضافت أن هذه الخطوة تتزامن مع أعمال الصيانة والتجهيز الجارية في محطة توليد الدرباسية (66/20)، التي تعمل المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء على تجهيزها بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، تمهيداً لإعادتها إلى الخدمة في أقرب وقت ممكن.
سخط وشكوك شعبية
تواصل «صوت سوري» مع عدد من أهالي الحسكة، ونقل إليهم الأنباء المتداولة بشأن قرب التوصل إلى اتفاق يعيد ضخ المياه من محطة علوك. وجاءت ردود الفعل متباينة بين السخرية، والاستهزاء، واللامبالاة.
تقول ليندا حمو، وهي نازحة من أهالي رأس العين/سري كانيه وتقيم في حي المفتي: «مجرد حكي ووعود، وكلهم يكذبون. سمعنا كثيراً، وشبعنا ومللنا من هذه الوعود. نعتمد على مياه الصهاريج المليئة بالأتربة والأوساخ، ومصدرها الآبار الارتوازية، لتأمين احتياجاتنا اليومية، وسط ارتفاع مستمر في أسعارها.»
من جهته، يقول عصام السيد، وهو بائع في حي المشيرفة: «أحتاج يومياً نحو 10 دولارات لتأمين المياه للمنزل والمحل. عائلتي مؤلفة من سبعة أفراد، ومع ارتفاع درجات الحرارة نحتاج إلى الاستحمام مرتين يومياً». ويتابع مبتسماً بمرارة: «تعاقدنا مع صاحب صهريج مياه لتغذية الحي بأكمله. يدخل الحي وكأنه مالكه، ونحن مجرد موظفين لديه. يتحكم بالسعر، ويقول علناً: (اللي مو عاجبه لا يعبي)، ولا يكترث إن كان خزان المنزل فارغاً أو لا، بل يشترط دفع المبلغ كاملاً، سواء كان الخزان فارغاً أو يحتوي على أكثر من نصفه ماء» ويختتم حديثه قائلاً: «المشكلة ليست في شراء المياه فقط، بل في الأسعار التي تتغير باستمرار، بحجة ارتفاع سعر المازوت، وتراجع قيمة الليرة السورية أمام الدولار، وغلاء المياه التي يشترونها، وأجور العمال، وأعطال الصهاريج... في النهاية، كل شيء يُحمَّل للمواطن. لدي دخل جيد وأستطيع الشراء، لكن ماذا عن الآخرين الذين لا تتجاوز رواتبهم 100 دولار شهرياً؟ هل فكر بهم أحد؟».
تشير التقديرات إلى أن أكثر من 90% من سكان الحسكة يعانون من نقص في إمدادات المياه
فيما يقول علي أيو، وهو موظف لدى الإدارة الذاتية: «راتبي يقارب 100 دولار، وزوجتي معلمة لدى الحكومة السورية، تتأخر رواتبها باستمرار، وتتقاضى نحو 220 دولاراً. ندفع شهرياً 140 دولاراً لشراء المياه لمنزلي ومنزل والدتي وإخوتي. لدي ولدان، ومع مسؤوليتي عن مساعدة أهلي، لو فكّر أي مسؤول بحجم المأساة التي نعيشها، لأدرك حجم الفشل الذي أوصلونا إليه».
أزمات صحية متفاقمة
أفادت تقارير حقوقية عديدة بارتفاع أعداد الإصابات بحالات الإسهال والتسمم في مدينة الحسكة، نتيجة استخدام مياه غير صالحة للشرب . تواصل «صوت سوري» مع طبيب يعمل في مشفى الشعب بمدينة الحسكة، طلب عدم الكشف عن هويته لأسباب تتعلق بترشيحه لمنصب خلال عملية الدمج، إضافة إلى توجيهات تلقاها العاملون بالامتناع عن الإدلاء بتصريحات إعلامية. يؤكد الطبيب أن «مصادر مياه الشرب والاستخدام المنزلي في الحسكة غير موثوقة من حيث السلامة، وغالباً ما تكون المياه غير صحية، لونُها عَكِر، ورائحتها كريهة، ولا تصلح للشرب. كما تحتوي على أنواع عديدة من البكتيريا المسببة للأمراض، التي قد تؤدي إلى الإصابة بالتيفوئيد، والتهاب الكبد، والزحار. ولا أستبعد أيضاً وجود ملوثات كيميائية، منها الرصاص، وهو ما قد ينعكس على صحة الإنسان ويتسبب في مضاعفات خطيرة، منها الفشل الكلوي، وربما الوفاة.»
سبق أن حذّرت منظمة الصحة العالمية، العام 2023، من أن الاعتماد المتزايد على مصادر مياه غير آمنة يقلل من مستويات النظافة الشخصية، ويزيد من خطر الإصابة بالأمراض المنقولة بالمياه، ولا سيما في مخيمات النازحين، في حين أسهمت قلة البدائل وارتفاع تكلفتها في تفاقم الأزمة.
تقول أهين سيدو، من أهالي حي الصالحية: «نشتري الماء، ثم يمرض أبنائي. ننتظر مياه علوك، لكننا نعاني من الروائح الكريهة والأمراض، فيما يفرض فصل الصيف استهلاكاً أكبر للمياه.»، وتضيف: «أخبرنا أطباء في مشفى الشعب أن المياه تسببت بإصابة أولادي بإسهال حاد والتهاب في الأمعاء، واضطررنا إلى إبقائهم يومين في المشفى». وتختتم حديثها بالقول: «اشترينا جهازاً لتنقية وتحلية المياه مقابل 80 دولاراً، على أمل الحصول على مياه نظيفة، لكن بسبب كثرة الشوائب في مياه الصهاريج، نضطر إلى تبديل الفلاتر كل شهرين، بتكلفة تراوح بين 12 و25 دولاراً. والمفارقة أن صاحب الصهريج سأل زوجي: (بدك مي نظيفة، بس بسعر أغلى؟)، وكأنه يستهزئ بنا، مع أن الجميع يعرف أن مصدر هذه المياه هو الآبار ومناهل المياه غير الصالحة».
وعود بلا تنفيذ
أعلن نائب محافظ الحسكة والمتحدث باسم الفريق الرئاسي، أحمد الهلالي، أن الاجتماع المشترك الذي ضم رئيس اللجنة الوزارية المكلّفة بمتابعة واقع مياه الشرب والصرف الصحي، المهندس خالد الغازي، والمدير العام للشركة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي في الحسكة، المهندس فرحان العويس، ناقش واقع محطة مياه علوك والجهود المبذولة لمعالجة أسباب تأخر استئناف ضخ المياه. وأوضح أن من أبرز الإجراءات الجارية إزالة التعديات على خط الجر، بالتنسيق مع مديرية الأمن الداخلي، لضمان سلامة الشبكة قبل البدء بعملية الضخ التجريبي.
خلال السنوات الماضية كانت الإدارة الذاتية تقطع الكهرباء عن رأس العين، فيما كانت فصائل «الجيش الوطني» توقف ضخ المياه إلى الحسكة
وفي السياق ذاته، قال الإداري في محطة العزيزية للمياه، محمود سليمان كنوش، في تصريحات لوسائل إعلام محلية، إن إدارة المياه في مدينة الحسكة باشرت، عقب قرار تشغيل محطة علوك والبدء بأعمال صيانتها، تنفيذ أعمال صيانة في محطتي الحمة والعزيزية استعداداً لاستقبال المياه. وأوضح أن محطة الحمة، التي تبلغ سعتها 30000 متر مكعب، «شهدت أعمال صيانة شملت السكورات بقياسات 900 و1000، إضافة إلى السكورات بقياسات 200 و400، إلى جانب تنفيذ صيانة كاملة للسكورات داخل المحطة، وتنظيف خزانات المياه وتعقيمها، وتجهيز قسم الكيمياء بالمواد اللازمة، بما فيها مادة الكلور. وأكد أن محطتي العزيزية والحمة أصبحتا جاهزتين، وأنه فور وصول المياه من محطة علوك ستبدأ عملية استقبالها وتوزيعها على أحياء مدينة الحسكة» .
ورغم هذه الاستعدادات، لم تنعكس الوعود الرسمية على أرض الواقع حتى الآن. فبحسب ما أفادت به مصادر متعددة، كان من المقرر أن يبدأ ضخ المياه من محطة علوك إلى مدينة الحسكة مطلع تموز/ يوليو الجاري، إلا أن ذلك لم يحدث. وتتحدث مصادر محلية عن وجود عقبات سياسية وأمنية حالت دون استئناف الضخ، إلى جانب الأضرار التي لحقت بالمحطة نتيجة عمليات سرقة ونهب وتخريب خلال الفترة الماضية. وفي المقابل، تتواصل أعمال صيانة خط المياه وتنظيفه وإصلاح الأضرار التي تعرض لها، بالتوازي مع اتخاذ إجراءات أمنية لحماية فرق العمل ، فيما تؤكد المؤسسة العامة للمياه أن هذه الخطوات تهدف إلى ضمان استقرار خدمة المياه واستدامتها، ولا سيما في ظل الظروف الراهنة.
حلول إسعافية لا تعالج أصل الأزمة
في حديثها مع «صوت سوري»، قالت ميساء الفهش، مسؤولة قطاع المياه والنظافة في إحدى المنظمات الدولية العاملة في الحسكة، إن المنظمات الإنسانية استنفدت معظم أدوات الاستجابة الطارئة خلال السنوات الماضية. وأضافت: «قدمنا ما استطعنا، من توزيع خزانات مياه في الأحياء، وتأمين صهاريج مياه مجانية لفترات محددة، وتوفير مواد لتعقيم المياه وتحليتها، إضافة إلى تقديم أدوية مجانية، والمساهمة في حفر بعض الآبار. لكن مع تفاقم الجفاف خلال الأعوام الماضية، انخفض منسوب المياه الجوفية إلى مستويات غير مسبوقة، علماً أننا لا نشجع الاعتماد على مياه الآبار للشرب أو الطهو».
وأضافت، استناداً إلى ملاحظات الفرق الميدانية: «تضطر كثير من الأسر في الحسكة إلى تقليل استهلاكها للمياه بسبب اعتمادها على شرائها من الصهاريج المتنقلة. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 90% من السكان يعانون من نقص في إمدادات المياه، ما يجبرهم على خفض استهلاكهم إلى ما دون احتياجاتهم الأساسية، الأمر الذي ينعكس على الصحة العامة ويزيد من مخاطر الإصابة بالأمراض، ولا سيما بين الأطفال والنساء».
وبينما لم يتلقَّ معدّ التقرير أي ردّ على استفساراته من القائمين على محطة علوك حتى موعد النشر، قالت هبة (اسم مستعار)، وهي مسؤولة في مؤسسة المياه التابعة للإدارة الذاتية، لـ صوت سوري: «الجميع يتحمل جزءاً من المسؤولية. خلال السنوات الماضية كانت الإدارة الذاتية تقطع الكهرباء عن سري كانيه، فيما كان الطرف الآخر يوقف ضخ المياه إلى الحسكة. أما اليوم فنحن في مرحلة دمج بين مؤسسة المياه التابعة للحكومة السورية وهيئة المياه في الإدارة الذاتية، ولا تزال آليات العمل المستقبلية غير واضحة. هناك وعود متكررة باستئناف ضخ المياه، لكن الخلافات السياسية، وعدم التوافق على ملفات لا نعرف تفاصيلها، ما تزال تؤخر إنهاء معاناة السكان.» وأضافت: «لا نملك حلولاً بديلة حقيقية، ولم تكن مطروحة خلال السنوات الماضية، لذلك يبقى الأمل معلقاً على التوصل إلى اتفاق سياسي بين الأطراف يضمن استقرار خدمة المياه».