× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

كلّما تمعّنتُ في هذه الصورة، تدفقت مشاعر مختلفة وذكريات لا أستطيع التأكد من صحتها © صوت سوري

من المقصّ إلى «السكرول»: تنقيبٌ في صورة

حكاياتنا - ملح 26-07-2026

ليست الصورة وحدها ما تغيّر، بل الطريقة التي ننظر بها إليها، ونحزن معها، ثم ننساها. بين مقصٍّ كان يعلن نهايةً، و«سكرول» يمحو من دون قرار، رحلةٌ في ذاكرة الصورة وتحوّلها من أثرٍ يُستعاد إلى لحظةٍ تُستهلك ثم تمضي.

مرّت قرابة ست ساعات، وأنا أَدُورُ في الغرفة وأنظر إلى هذه الصورة. التقطتُها في حمص، ولا أحتفظ بذكرى واضحةٍ عن الحديث الذي رافق التقاطها، لكنني أذكر وجود والدي ووالدتي في الخلفية، وأذكر أن الضوء كان أصفرَ باهتاً، كما لو أن عاصفةً مرّت في ذلك اليوم.

كلّما تمعّنتُ في هذه الصورة، تدفقت مشاعر مختلفة وذكريات لا أستطيع التأكد من صحتها. ولأعيد النظر إليها في حالتها الأولى، أقول لنفسي: في هذه الصورة ولدٌ يركب دراجة، وحاوية قمامة، وحائط ونوافذ مدرسة، وشجر.

خلال التحديق المتواصل، غابت حواف الصورة وزواياها وقياساتها، وبدأتُ أدّعي عودتها إلى الحياة، وأنني أسمع صوت شجر الزنزلخت، وأن الهواء كان قوياً حينها، وأن أصوات الأطفال، وهم يلعبون، تملأ المكان. جزءٌ من هذا الادعاء كان صحيحاً، وجزءٌ آخر جاء من سياقٍ آخر لم يحدث آنذاك.

اخترتُ هذه الصّورة، من بين ألف صورةٍ كانت في هاتفي، وكلما خَفَتَ ضوء الشاشة ضغطت كي تعود الإضاءة. بعد ذلك نقلتها إلى الحاسوب المحمول لأراها بوضوحٍ أكبر، وضبطتُ الإعدادات حتى لا يدخلَ في وضع الخمول. ومع كل تلك العمليات التي كنت أجريها للمحافظة على إمكانية التحديق في الصورة، عادت إلى ذهني كل تلك الصور المرتّبة داخل ألبوماتٍ، أو متناثرةً بدون ألبوماتٍ، ضمن درجٍ ما في منزلنا. حينها حضرت ذكرياتٌ واضحةٌ لصورٍ مقصوصة، لمن لم يعدن رفيقات والدتي، فاستخدمَت المقصّ لتبقي على صورتها وتنهي العلاقة مع إحدى الرفيقات. كانت تلك الصور مرتبةً حسب التاريخ بقلمٍ أزرق، ومبعثرةً تحت الألبومات.

بقيت الصورُ المبعثرة شاهدةً على اللحظات، وعلى صوت «تك» في الكاميرا، تلك النقرة الصغيرة التي كانت تحسم اللحظة وتغلقها إلى الأبد، فلا يعود في إمكان أحد التراجع عنها أو محوها بسهولة. لكن لماذا المقصّ؟

المقصّ: نهايةٌ نختارها

أتذكّر صورةً أخرى، فيها فراغٌ صغير على شكل نصف وجه، حيث كان يُفترض أن امرأة تقف إلى جانب والدتي. لم يخبرني أحدٌ القصة كاملة، كلّ ما عرفته أنّ خلافاً ما وقع بينهما. ضحكتُ لاحقاً، لأنّها زارتنا وعادتا صديقتين، لكنّ الصورة المقصوصة ظلّت شاهدةً على نهاية أمرٍ ما بينهما، وأنّ المقصَّ كان آخر كلمة في حوارٍ لم أسمعه.

في الغرفة، أتمدّد وأفكّر بصوتٍ مرتفع، كما لو كان مونولوجاً مسرحياً، وأبدأُ برمي الفرضيات في هواء الغرفة. المقصّ نهاية، نهايةٌ لعلاقةٍ بين شخصين. وبعد استخدام المقصّ الرمزي في الواقع، وقطع العلاقة، يأتي دور المقصّ الفعلي في الصور، وكأنّما لا سبيل للعودة، وكأنّ فعل القصّ توكيدٌ للذات، ومساعدةٌ للذاكرة على التخطّي.

لكنّ الصور المقصوصة لا تُلغي اللحظة. فقد جمعت بالفعل القاصَّ والمقصوص في مكانٍ واحدٍ وزمانٍ واحد. فالمقصّ لا يمحو الحضور، إنّما يقرّر فقط من يستحق أن يبقى في الإطار. أمّا الآن، فيُستخدم المقصّ لأنّ الصورة أصبحت ثقيلةً على صاحبها أو صاحبتها، وتغدو شاهداً على ما نريد نسيانه. ولإنهاء علاقتنا معها، يأتي المقصّ ليؤلّف قصّتنا التي نختار نحن أبطالها.

بعد 2011، ازداد تكدّس الصور، وتراجع التعاطف بين السوريين والسوريات. فالصورة المُفجعة في صفحةٍ ما، قد تكون صورةً للتشفّي في صفحةٍ أخرى

فعلُ القصّ إذاً، فعلٌ بطيء. فعلٌ يحتاج إلى يدٍ تتردّد قبل أن تقرّر، وإلى عينٍ تنظر إلى الصورة مرّةً أخيرة قبل أن تفصل الوجه أو الجسد عن الإطار. هو قرار يحتاج إلى مسافة، إلى جلسة هادئة، وربّما إلى وقتٍ نخصّصه لهذا الإنهاء وحده.

بقي رونق الألبومات والصور الفوتوغرافية حاضراً، إلى أن جاء ضيفٌ اسمه «هاتفٌ بكاميرا»، فخطف الصدارة وترك ما صُوِّر حبيس الأدراج، تلك الأدراج التي كانت يوماً مكاناً مقدّساً، يحتاج فتحها إلى مناسبة، أو إلى حنينٍ مفاجئ.

من الوزن المادي إلى بياناتٍ في جهاز

كان إخراج ألبوم الصور يحتاج إلى موافقة أحد الوالدين، ومجرّد السماح لنا بتصفّحه كان يأتي مع تنبيهات أساسية عديدة، مثل فتح الألبوم بهدوء، وعدم إخراج الصور من تحت الجلاتين، ويُمنع تناول الطعام ونحن نتصفّحه. كانت هذه الطقوس الصغيرة جزءاً من معنى الصورة نفسها، فالاحترام الذي تستحقّه اللحظة كان يُترجم إلى حركاتٍ بطيئة، وأصابع حذرة، وصمتٍ يشبه صمت الكنائس.

للصورة، قديماً، طقسٌ خاص وواضح، يُعيد ضخّ الحياة فيها. ومع الهاتف، دخلت الصورة عصر الاستهلاك النفسي، فلم تعد تمتلك تلك القدرة على استحضار الماضي، أو حتى على إحداث صدمةٍ فينا. كان الفعل إرادياً حين كنّا نرغب رؤية ألبومات الصور، فنحن من يفتح الدرج، ونحن من يقرّر اللحظة. أمّا مع الهاتف، فقد نصطدم بصورةٍ تستحضر حالةً شعورية لا نريدها، فجأةً، بلا استئذان. وهنا يأتي «السكرول» الأول، فنمرّر إصبعنا عنها، أو نحذفها، أو نخفيها حتى لا تؤذي مشاعرنا.

«السكرول» الأول بريء، يبدو أشبه بدفاعٍ غريزي عن النفس، خطوة صغيرة لا تشبه قسوة المقصّ. لكنّه يُربّي فينا عادةً لا نلاحظها بسهولة: أن كلّ ما يُثقِل يمكن تجاوزه بحركة إصبع. لا نحتاج إلى مواجهة، ولا إلى مقصّ، فالإصبع يتحرّك أسرع من أن يسأل القلب إن كان جاهزاً.

إلى جانب ذلك، تُعرض الصورة على شاشةٍ صغيرة، لا ملمس حقيقياً لها. وعوضاً عن أن تستحوذَ علينا، أصبحنا نحن من يستحوذ عليها بكبسة زر، أو لمسة إصبع، ما أفقدها مع مرور الوقت تلك القدرة السحرية على هزّ كياننا، أو تغيير شيءٍ في داخلنا.

أفكّر أحياناً في طفلٍ يُولد اليوم، لن يعرف معنى «إخراج الألبوم»، ولن يحتاج إلى إذنٍ من أحد ليرى صوره الأولى، لأنّها موجودة كلّها في جهازٍ واحد، بلا درج، وبلا جلاتين، وبلا تلك المسافة التي كانت تجعل من النظر إلى الصورة فعلاً يستحقّ الانتظار. أتساءل: هل سيكبر هذا الطفل وهو يعرف كيف يحزن على صورة، أم أنّ السرعة ستُربّيه على أن يمرّ أمام كلّ شيء، حتى وجهه هو، ويمضي؟

..ثمّ أتى المجاني: فايسبوك

مع دخول الصورة إلى عالم فايسبوك، بدأت تتكدّس. تُشارك الصورة نفسها مع تعليقاتٍ مختلفة، وبمرور الوقت، تراجع معنى التعليق، ومعه معنى الصورة نفسها، لتتراكم الصور وتصبح سلطة التأويل لصاحب المنشور لا للصورة ذاتها، وهو ما يمنحها، كما يقول والتر بنيامين، قيمتها السياسية أو الاستهلاكية، لا قيمتها الجوهريّة.

يصبح المتلقّي في موضع «الإلهاء»، فلا يعود قادراً على معالجة الكمّ الهائل من الصور جرّاء التمرير المستمر. وهذا يخلق فتوراً في التعامل مع الفرح كما مع الألم، ويدفعنا نحو اللامبالاة والتبلّد تجاه معاناة الآخرين. الصورة التي كانت تحتاج يوماً إلى ألبومٍ كامل، وموافقة أحد الوالدين، وطقسٍ بطيء لرؤيتها، تحتاج اليوم إلى نصف ثانية فقط لتُمحى من الذاكرة، وتحل محلّها صورة أخرى لا تختلف عنها كثيراً.

هذا «المجاني» استبدل بالمقصّ «السكرول»، وجعلنا نهرب ممّا يزعجنا ويُنغّص استمتاعنا الوهمي بهذا الفضاء الافتراضي. كان المقصّ يحتاج إلى قرار، أمّا السكرول فلا يحتاج إلى شيء، سوى الاستمرار. هو نسيانٌ لا يُشْعِرُ صاحبَه بأنّه نسي، لأنّه لم يقرّر شيئاً، إنّما استمرّ فقط، وهذا الاستمرار وحده كافٍ لمحو ما لا يريد أن يراه.

«كنت أعتقد أنني لن أفقد أحداً أبداً إذا صوّرتهم بما فيه الكفاية. في الواقع، تُظهر لي صوري حجم ما فقدته»

بعد العام 2011، ازداد تكدّس الصور، وتراجع التعاطف بين السوريين والسوريات. فالصورة المُفجعة في صفحةٍ ما، قد تكون صورةً للتشفّي في صفحةٍ أخرى، ولا يزال هذا مستمراً حتى اليوم، ولا يبدو أنه سينتهي قريباً. صارت الصورة الواحدة تحمل معنيين متناقضين بحسب الصفحة التي تستقبلها: حدادٌ هنا، وشفاءُ غليلٍ هناك. وكلا الطرفين يُمرّر إصبعه على الشاشة بعد ثانيتين، لينتقل إلى صورةٍ أخرى، كأنّ شيئاً لم يكن. لم يعد للصورة وقتٌ كافٍ لتُحدث أثرها، فهي تُستهلك بسرعة، لتلحقها الصورة التي تليها، ثم التي تليها، في طابورٍ لا ينتهي من الوجوه والأماكن والأخبار.

ربّما هذا أقسى ما فعله «المجاني»، أنّه جعل الحزن نفسه يحتاج إلى منافسة على الانتباه. صورةٌ لطفلٍ تحت الردم تتزاحم مع صورةٍ لوجبة طعام، ومع مقطعٍ كوميدي، ومع إعلان، في تتابعٍ واحد لا يفرّق بينها السكرول. وحين يتساوى كلّ شيء أمام الإصبع، يخسر الألم مكانته، ويخسر الحزن وقته.

تنقيبٌ، لا مرور

هذا الأمر جعلني أشعر أن ما يجري على الأرض أخذ شيئاً من لا معنى تلك الصور المكدّسة، وأننا جميعاً، حتى لو أمسكنا ألبوم الصور وأعدنا استحضار مشاعرنا مع كل صورة، فلن يتغيّر شيء، لأن المشكلة لم تعد في الصورة. كل ما في الأمر أن طريقتنا تغيّرت، وأصبحت تشبه المرور من دون إلقاء السلام حتى. تمريرٌ مستمر لا ينتهي لمشكلاتنا، وأحلامنا، وما كنّا نريده حقاً، وما كنّا لا نريده أن يحدث.

أدركت أنني أحتاج إلى التنقيب، تنقيب يشبه عمل من يحفر طبقاتٍ من التراب ببطءٍ وعناية، لأن ما تحت هذا التراب يحمل معنى كبيراً. والتحديق تنقيبٌ في ما خسرناه إن أردنا تعويضه. على الحزن أن يأتي ويأخذ وقته، وعلى الألم أن يخرج، وعلى التعاطف الحقيقي أن يظهر.

أعود إلى الصورة التي التقطتها في حمص، وأنظر إليها نظرةً أخيرة. سقطت دمعةٌ لم أجبرها على النزول، ولأول مرة منذ زمن، جاءت نوبة هلعٍ خفيفة، كأن جدار التبلّد قد انكسر قليلاً. لم يكن الأمر سهلاً إطلاقاً. كانت يداي ترتجفان قليلاً، وصار تنفّسي أثقل من المعتاد، وكأن جسدي نفسه لم يتذكّر آخر مرة سمح لنفسه بهذا القدر من الشعور.

خلال بحثي عن التصوير ومعناه، علقت في ذهني جملة للمصوّرة الأميركية نان غولدين: «كنت أعتقد أنني لن أفقد أحداً أبداً إذا صوّرتهم بما فيه الكفاية. في الواقع، تُظهر لي صوري حجم ما فقدته»، ففي النهاية سيأتي الواقع، سواء قبلنا به أم لم نقبل، وسيُظهر لنا جميعاً حجم ما فقدناه، وما سمحنا له، من دون انتباه، بالرحيل. سيطفئ شاشاتنا يوماً، ويجلسنا وحيدين أمام صورةٍ واحدة، قد تكون صورة الطفل الذي كنّاه، في البلد الذي أتعَبَنَا معه وأتعبْناه.

الصور_الفوتوغرافية ألبوم_الصور عالم_السكرول

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0