تنبع أهمية التجربة الأوروبية بالنسبة للنقاش السوري من أنها تُظهر أن استقرار المجتمعات المتنوعة لا يرتبط بانتصار هوية على أخرى، بقدر ما يرتبط بوجود قواعد ومؤسسات تضمن المساواة بين المواطنين والمواطنات وتوفر إطاراً سلمياً لإدارة الخلافات. ومن هذه الزاوية، تبدو التجربة مصدرَ إلهام وتأمل أكثر من كونها نموذجاً جاهزاً للاستنساخ.
شهدت أوروبا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر سلسلة من الحروب والصراعات الدينية ترافقت مع تحولات سياسية وفكرية عميقة. دفعت الكلفة البشرية والسياسية الباهظة كثيراً من المفكرين ورجال السياسة إلى البحث عن صيغ جديدة لتنظيم العلاقة بين السلطة والدين.
غير أن العلمانية الأوروبية لم تكن نتيجة تلك الحروب وحدها، إذ أسهمت في نشأتها عوامل أخرى، من بينها الإصلاح الديني، وصعود أفكار التنوير، وتطور الاقتصاد، وظهور الدولة القومية الحديثة.
مع مرور الوقت، اتجهت دول أوروبية عدة إلى بناء مؤسسات عامة تقوم على مبدأ المواطنة والقانون، مع تقليص تأثير الانقسامات الدينية على إدارة الدولة. وساعد ذلك في تخفيف حدة الانقسامات الداخلية وتهيئة بيئة أكثر استقراراً للنمو الاقتصادي والعلمي.
لكن أوروبا لم تتبع مساراً واحداً. فقد اختلفت العلاقة بين الدين والدولة من بلد إلى آخر، وعرفت القارة لاحقاً أزمات كبرى وحربين عالميتين. ويؤكد ذلك أن أي نموذج سياسي يظل خاضعاً للتطوير والمراجعة المستمرة.
أما في الشرق الأوسط، فقد تشكلت الدولة الحديثة في سياقات مختلفة تأثرت بالإرث العثماني ومرحلة الانتدابات الأوروبية والصراعات الإقليمية اللاحقة. وفي أكثر من بلد، أصبحت الانتماءات الدينية والطائفية والقومية جزءاً من المعادلات السياسية وآليات تقاسم السلطة. كما وجدت بعض النخب المحلية والقوى الخارجية في هذه الانقسامات أدوات لإدارة النفوذ وترتيب موازين القوة.
وتبرز تجربتا لبنان والعراق مثالين على ذلك، إذ تكرّست فيهما صيغ سياسية استندت إلى تمثيل المكونات الدينية والقومية ضمن مؤسسات الدولة بهدف الحد من التوترات وضمان المشاركة. غير أن الجدل استمر حول قدرة هذه الصيغ على بناء مواطنة جامعة، وحول ما إذا كانت تسهم في إدارة الانقسامات أم في إعادة إنتاجها بأشكال جديدة.
ترتبط الاستفادة من التجربة الأوروبية بفهم الدروس العامة التي أفرزتها أكثر من ارتباطها باستنساخ نماذجها
في سوريا، يتجاوز النقاش المطروح اليوم مسألة اختيار نموذج دستوري بعينه. فالسؤال الأوسع يتعلق بكيفية بناء دولة يشعر جميع مواطنيها بأنهم شركاء فيها على قدم المساواة، بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية أو القومية أو السياسية.
لا تنبع أهمية هذا النقاش من الاعتبارات الدستورية وحدها. فالسوريون عاشوا لعقود طويلة في مدن وبلدات وجامعات وأماكن عمل جمعت بينهم رغم اختلاف انتماءاتهم. وقد تعرض هذا النسيج خلال سنوات الحرب لاختبارات قاسية تركت آثاراً عميقة على الثقة المتبادلة. لذلك تبدو إعادة بناء الروابط الوطنية جزءاً أساسياً من أي عملية سياسية ناجحة.
يضعنا استعراض تجارب الدول الخارجة من النزاعات أمام مجموعة مبادئ تتكرر في النماذج الناجحة: المساواة القانونية بين المواطنين، واستقلال القضاء، وضمان الحريات العامة، وتداول السلطة سلمياً، وخضوع الجميع للقانون نفسه. فالنصوص الدستورية تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تترجم إلى مؤسسات وقواعد تحكم الممارسة السياسية اليومية.
ولا يقل البعد الاقتصادي أهمية عن الجوانب السياسية والدستورية. فإعادة الإعمار، وتوفير فرص العمل، والحد من التفاوتات الاجتماعية، تمثل عناصر أساسية في ترسيخ الاستقرار. وكثيراً ما أظهرت تجارب ما بعد النزاعات أن الهشاشة الاقتصادية قادرة على إعادة إنتاج الانقسامات والهويات المتصارعة، حتى في ظل أفضل النصوص القانونية.
يبقى التحدي الأكبر في قدرة الفاعلين السياسيين على الانتقال من منطق الغلبة إلى منطق الشراكة، ومن التنافس على احتكار السلطة إلى التنافس على إدارة الشأن العام ضمن قواعد متفق عليها. لذلك يشكل بناء الثقة بين المكونات المختلفة شرطاً لا يقل أهمية عن أي ترتيبات دستورية أو قانونية.
ترتبط الاستفادة من التجربة الأوروبية بفهم الدروس العامة التي أفرزتها أكثر من ارتباطها باستنساخ نماذجها. فالتاريخ لا يقدم وصفات جاهزة، لكنه يتيح فرصة للتأمل في تجارب الشعوب وكيفية تعاملها مع تحديات مشابهة.
ولعل التحدي الأهم أمام السوريين اليوم يتمثل في بناء دولة تقوم على مبدأ المواطنة المتساوية، وتحمي حقوق جميع المواطنين والمواطنات ومكونات المجتمع ضمن إطار قانوني واحد، وتفتح المجال أمام التنافس السياسي السلمي بعيداً عن منطق الإقصاء أو الامتيازات الموروثة. وسواء حملت هذه الصيغة اسم العلمانية أو الدولة المدنية أو دولة المواطنة، فإن جوهرها يبقى في قدرة المؤسسات العامة والقانون على تحقيق العدالة بين مواطنيها وتحويل التنوع من مصدر للتنافس والصراع إلى مصدر للغنى والاستقرار.
قد تكون سوريا اليوم أمام فرصة نادرة لصياغة نموذجها الخاص، مستفيدة من تجارب الآخرين ومن أخطائهم، من دون أن تتخلى عن خصوصيتها أو تعيد إنتاج انقسامات الماضي في ثوب جديد.