تعاني الأسواق السورية من أزمة في السيولة النقدية، ولا سيما في الفئات النقدية الصغيرة، مع انتهاء المهلة التي حددها مصرف سوريا المركزي للتعامل بالعملة القديمة، الأمر الذي تسبب بحالة إرباك واسعة، فيما يلتزم المصرف الصمت.
وكان مصرف سوريا المركزي قد أعلن أن الأوراق النقدية القديمة ستفقد اعتباراً من 31 تموز/يوليو 2026 قوتها الإبرائية، وتصبح غير صالحة قانوناً للتداول أو لإجراء أي معاملات مالية. وأوضح أن عمليات تبديل العملة القديمة ستستمر لمدة خمس سنوات في مقر المصرف المركزي بدمشق فقط، وفق شروط محددة، أبرزها ألا يقل عدد الأوراق النقدية المقدمة عن 100 ورقة من أي فئة.
وبدأت أزمة السيولة فعلياً قبل انتهاء المهلة التي حددها المصرف المركزي بنحو ثلاثة أسابيع، ثم تفاقمت بصورة كبيرة خلال الأيام الماضية، في ظل رفض عدد من التجار التعامل بالعملة القديمة من جهة، وعدم وجود بدائل كافية من الفئات الصغيرة للعملة الجديدة من جهة أخرى.
في نهاية العام 2025، أعلن مصرف سوريا المركزي إصدار عملة جديدة بعد حذف صفرين من القيمة الاسمية للعملة القديمة، وتضمن الإصدار الجديد ست فئات هي: 10، و25، و50، و100، و200، و500 ليرة سوريّة.
وفضلاً عن عدم وجود سيولة كافية في الأسواق لتغطية التعاملات، تسبب غياب فئة الخمس ليرات الجديدة في إرباك كبير، إذ باتت أصغر فئة متداولة هي 10 ليرات جديدة، أي ما يعادل 1000 ليرة قديمة. ويكتسب ذلك أهمية خاصة لأن مصرف سوريا المركزي كان قد أوضح، عند الإعلان عن العملة الجديدة، أن الفئات التي لم يُعلن عن استبدالها ستبقى متداولة خلال فترة التعايش النقدي إلى حين صدور إعلان لاحق بشأنها.
في هذا السياق، كان حاكم مصرف سوريا المركزي السابق عبد القادر الحصرية، قد نشر عبر حسابه على «فايسبوك» توضيحاً نقلته وكالة «سانا» الرسمية في مطلع العام الحالي، وجاء فيه: «أحكام القانون رقم 23 لعام 2002 المعدل وفق المرسوم 293 لعام 2025 نصّت على أن الوحدة القياسية للنقد السوري هي الليرة الجديدة، التي تنقسم إلى مئة قرش، وعليه يمكن استخدام أجزاء الليرة عند التسعير الفردي، بينما يتم تدوير المبلغ النهائي للدفع إلى أقرب فئة متداولة».
وأضاف: «فئات 1000 و2000 و5000 ليرة قديمة ستُسحب خلال المهلة الحالية، فيما تبقى باقي الفئات في التداول إلى إشعار آخر، بما يسمح باستخدامها خلال فترة التعايش النقدي إلى حين سحبها تدريجياً».
وللتوضيح العملي، أورد المثال الآتي: إذا كان سعر الوحدة 630 ليرة سورية قديمة، فإنه يصبح 6.3 ليرات سورية جديدة، وإذا اشترى الزبون قطعتين، يصبح الإجمالي 12.6 ليرة جديدة، ويُقرّب المبلغ النهائي إلى 13 ليرة جديدة، بحيث يتم الدفع على شكل 10 ليرات جديدة، إضافة إلى 300 ليرة قديمة تعادل 3 ليرات جديدة، طالما أن فئة الـ100 ليرة القديمة لا تزال متداولة، أو بدفع 1300 ليرة قديمة خلال فترة التعايش.
إلا أن الإعلان الأخير الصادر عن المصرف المركزي بشأن انتهاء مهلة استبدال العملة لم يأتِ على ذكر استمرار فترة التعايش للفئات الصغيرة، بل نص على أن «الأوراق النقدية القديمة تفقد قوتها الإبرائية»، وهو ما فُهم منه عملياً انتهاء صلاحية جميع فئات العملة القديمة، من دون الإعلان عن بدائل للفئات الصغيرة.
وأمام هذا الواقع، بدأ السوريون بابتكار وسائل للتغلب على المشكلة، فتارةً تُستخدم قطعة من البسكويت باعتبارها مقابلاً لفئة الخمس ليرات الجديدة، وتارةً أخرى يُستخدم «البلاستر» (لاصق الجروح)، فيما يفضّل بعض الباعة أو الزبائن التنازل عن قيمة الخمس ليرات، وهو ما يفتح الباب أمام إشكالات أوسع إذا استمرت الفجوة النقدية في الأسواق.