× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

رسم مولد بالذكاء الاصطناعي

حين يغدو الخوف نمط حياة: كيف أُعيدت برمجة الوعي الجمعي في سوريا؟

حكاياتنا - خبز 11-08-2026

عندما تصبح الرصاصة صوتاً عابراً لا يقطع حديثك في الشارع، وحين يتحول الخوف من أداة للنجاة إلى نمط حياة يومي؛ هل يعني ذلك أننا ننجو أم أن أدمغتنا قد أُعيدت برمجتها؟ في سوريا، لم يختفِ الخوف طوال عقد ونصف، بل غيّر جلده وأعاد تعريف غريزة البقاء لدى شعبٍ أُجبر على التعايش مع ما لا يُطاق

لا يزال الإنسان، منذ وجوده الأول على الأرض، يحتفظ بغرائز فطرية بدائية، يأتي الخوف في مقدمتها بوصفه آلية دفاعية استباقية. ورغم بدائية هذه الغريزة، فإنها خضعت لمنطقي التطور والانتخاب الطبيعي عبر آلاف السنين، لتشكل لدى الإنسان أنماطاً دماغية راسخة تساعده على النجاة والابتعاد عن المخاطر، أو محاولة ذلك على الأقل.

يفترض أن تظل هذه الغريزة ثابتة في صورتها المتراكمة، لكن حين تطرأ عليها تغيرات استثنائية، يصبح الحديث عن إعادة تعريف الخوف نفسه، لا عن سبل مواجهته فقط. هذا ما تجمع عليه أبحاث عديدة في علمي النفس والاجتماع (مثل «نظرية إدارة الخوف» لشيلدون سولومون وجيف غرينبرغ، و«نظرية الحساسية للخوف» للباحث الأمريكي ستيفن ريس، و«نظرية ثقافة الخوف» لفرانك فيريدي وزيغمنت باومان).

قد تقدّم سوريا النموذج الأوضح لدراسة هذه التبدلات، بوصفها بلداً عايش حرباً امتدت زهاء عقد ونصف ولا تزال تبعاتها مستمرة بضراوة.

يقول المعالج السلوكي النفسي محمد وتّار لـ «صوت سوري» إن «المشكلة هنا هي الاعتياد على الحرب ومجرياتها. دماغ الفرد طوّر نفسه بسرعة قياسية ليتأقلم، ويمنح صاحبه سبل إتمام حياته، وهذا ما نسميه علمياً التكيف مع التهديد المزمن أو المستمر. الخوف هنا لم يختفِ، بل أعاد تعريف نفسه بقبول الأمر الواقع». ويضيف: «هل من سوري كان خارج دائرة القصف، والقتل، والاعتقال، والنزوح، والهجرة، والجوع، وغيرها؟ من أجل ذلك كله، أعاد الدماغ برمجة طريقة تعاطيه مع الخوف بوصفه أمراً طبيعياً. فالاستسلام للخوف هو الموت، أما التعايش معه، بوصفه أمراً طبيعياً، فهو الحل. وهذا مقلق، لأن البشر لم يُعجنوا لتكون طينتهم قبول الخوف والموت المجاني!».

البرمجة الجديدة

يتولى الطبيب النفسي السوري المقيم في مصر حالياً، رائد منصور، شرح كيفية إعادة البرمجة الذهنية والدماغية التي تعرض لها السوريون، مبيناً أن «الاعتياد والتبلد الانفعالي والتكيف القسري، هي مفاهيم أصبحت في صلب توليفة الأدمغة السورية اليوم، وفي الوقت ذاته لا تجعلهم عديمي الإحساس، أو أنهم لا يخافون بالمطلق.»

ويكمل: «لقد أُعيدت برمجة أدمغتهم وفق واقع طويل. فإذا سمع أحدهم صوت رصاصة قريبة، فلن ينام على الأرض، بل سيكمل سيره، والجميع يعرف ذلك. فمثلاً، هناك حالات خطف، لكن الجميع يمارس عمله، لأنهم دخلوا هنا في مرحلة التسليم القدري بالمصير. وتندرج هذه الأمور ضمن الاستجابات الانفعالية، بدءاً من لحظة اتخاذ قرار مغادرة المنزل، وصولاً إلى كل ما قد يحصل خارجه. وهذه البرمجة العصبية هي التي تمكنت من حماية الجهاز العصبي من البقاء في حالة استنفار دائم يفوق قدرته على التحمل، فينهار فجأة».

مفهوم نفسي: «التكيف مع التهديد المزمن»

حالة نفسية وعصبية يصل إليها الفرد عندما يستمر الخطر لفترات طويلة. في هذه المرحلة، يعيد الدماغ ضبط «نظام الإنذار المبكر» لديه، فيتوقف عن إفراز الأدرينالين بخصائص «المواجهة أو الهروب» (Fight or Flight) عند كل خطر، ويتحول إلى وضعية «التبلد الدفاعي» لحماية الجهاز العصبي من الانهيار الكامل

في هذا الجانب، يقول الباحث في علم الاجتماع المقارن أحمد جديد: «هذه البرمجة تراكمية. ففي السنوات الأولى من الحرب، كان كل حدث يثير عاصفة من الخوف، لكن الاعتياد غلب الخوف، وهذه حالة عامة في الدول التي تشهد نزاعاتٍ وحروباً. وقد أجرينا دراسات مقارنة كثيرة، وخلصنا إلى نتائج شبه متطابقة في هذا الجانب بين سوريا، واليمن، ولبنان، والسودان، مثلاً. وتاريخياً، كان الأمر مشابهاً، ولدينا أمثلة عن فارس قاوم عشرات المقاتلين وحيداً، ليس لأنه لم يخف، بل لأنه اعتاد خوض المعارك. والمشكلة الآن أن التخلص من هذا الاعتياد، وهو ما يجب أن يحصل، لأنّه لا يجوز لشعب أن يعيش خائفاً طوال عمره، سيستغرق وقتاً طويلاً، وعملاً مرهقاً للغاية، في ظل غياب الثقافة النفسية والاجتماعية والتربوية اللازمة».

بين خوفين

صحيح أن الخوف، في مرحلة ما، كان مقترناً بالقصف والقتل، لكن مصادره تنوعت لاحقاً وتشعبت. وشملت تلك المخاوف تأمين لقمة العيش، وتربية الأولاد، وصلاحية البلد نفسها للاستمرار بوصفها مكاناً صالحاً للحياة، وفرص العمل، والبطالة، والتعليم، وسيادة القانون، وعدالة المؤسسات، والمستقبل بأكمله. وهكذا تحول الخوف من اللحظة الراهنة إلى الغد، بقريبه وبعيده.

ومع الوقت، لم تعد النجاة اليومية هي الشغل الشاغل، بل صار الناس ينظرون إلى الغد بقدر ما ينظرون إلى خطر اليوم، وإلى إمكانية بناء حياة مستقرة بعد الحرب. واستمر الخوف بعد سقوط النظام، وما حملته المرحلة الانتقالية من مشكلات أمنية، وقانونية، ودستورية، وهو ما كرّس خوف الأمس كمتوالية رياضية في حيز من كتلة زمنية غير معلومة النهاية في مخاطرها.

من الاستثناء إلى القاعدة

يشير مفكرو علم الاجتماع منذ القرن التاسع عشر إلى ظاهرة اعتياد المجتمعات على الظروف الاستثنائية، وهو ما يُعبر عنه اليوم في الأدبيات الحديثة بـ «التطبيع مع العنف»، وهي آلية لا تعني فقدان الفرد لحساسيته الإنسانية، بقدر ما تعبر عن استجابة دفاعية لاستمرار الحياة، فيتعامل مع العنف بوصفه أقرب إلى القاعدة منه إلى الاستثناء. وبذلك تصبح تلك آلية دفاع ذاتية، لا موقفاً أخلاقياً، لأن الفرد، والمجتمع، والأمة، لا يمكن لهم، نفسياً وعلمياً، أن يظلوا يتعاملون مع كل صدمة كما لو أنها الأولى.

في هذا السياق، يوضح الباحث الأكاديمي في علم الاجتماع طريف سليمان أن «دراسات أوغست كونت، وماركس، ودوركايم، وفيبر، وابن خلدون، وغيرهم من رواد علم الاجتماع، تطرقت، بشكل أو بآخر، إلى التطبيع مع العنف، وخطورة تحول الاستثناء إلى قاعدة، كما في الحالة السورية. فالناس تسمع انفجاراً، أو تقرأ خبراً عنه، فإما ألا تهتم، أو تتابع عملها باعتياد. فمثلاً، بعد التفجيرات الأخيرة في دمشق، خلال زيارة ماكرون، ظل الناس يسيرون في الطرقات، وبقي ازدحام دمشق على حاله، وتلك مشكلة وليست ميزة».

أجيال الحرب

ولد سامي جميل في حمص في العام 2004، وبدأت الحرب حين كان عمره سبع سنوات، وقد تخرج للتو من كلية الحقوق. وينتمي، مع غيره، إلى جيل (Z)، وهو الجيل الذي دفع ضريبة كبرى خلال الحرب، وفي الوقت ذاته كان الأكثر اعتياداً عليها، لأنه واجهها في طفولته، خلال مرحلة تشكل الوعي الأولي. ولم يعرف هذا الجيل البلد قبل العام 2011، لذلك فإن مستوى الحنين إلى الماضي لديه يكاد يكون منعدماً.

يقول سامي: «كبرت خلال الحرب، ولكن على ماذا؟ على أصوات القصف، والرصاص، والمدافع، والطيران، والتفجيرات، وأخبار الغارقين في طرق الهجرة عبر البحر. لكنني لم أمت، وعرفت أن عليّ أن أكمل ما دمت لم أمت. هكذا فعل جيلنا كله، لكنه اشترك في حلم السفر، لأن اليقين كان مطلقاً بأن المستقبل هنا منعدم. ليست القصة أنني خائف أو غير خائف مما جرى أو يجري الآن، بل إنني لم أعد آبه. أعيش يومي، واعتدت ما يحصل وما سيحصل».

جيل (Z) السوري والحرب.. ملامح من الواقع

السياق: جيل تشكل وعيه الأولي بالتزامن مع أحداث عام 2011 دون معايشة للبلاد قبل الحرب.
الحنين للماضي: غائب تماماً لدى شريحة واسعة من هذا الجيل لعدم امتلاكهم ذاكرة لما قبل 2011.
الرؤية للواقع: الانتقال من شعور الخوف المفاجئ إلى «فقدان الاكتراث» والتسليم بالقدرية كآلية للتأقلم اليومي.

أمّا سما وسوف، وهي طالبة في كلية الهندسة المدنية بجامعة تشرين، وتقيم في طرطوس، فتقول إنه كان عليها السفر إلى جامعتها في اللاذقية، قبل أيام، لاستخراج ورقة رسمية ضرورية. وتضيف: «في يوم سفري نفسه، ضجت مواقع التواصل بخبر اختطاف فتاتين قرب الجامعة. ماذا فعلت؟ سافرت ببساطة، ليس لأنني لست خائفة، ولكن لأنه ليس في كل دقيقة تُختطف طالبة. هي أحداث تخضع لظروف لا أعلمها. لا أدري إن كنت خائفة أم لا، لكننا جميعاً صرنا نقول فقط: سيحصل المكتوب علينا. هكذا نطمئن أنفسنا ونمضي. قد أحبس نفسي سنوات في منزلي ثم أُختطف من داخله، وقد أقضي حياتي كلها في الخارج ولا يزعجني أحد. هذه هي القصة، وهكذا يراها جيلنا».

ماذا بعد الحرب؟

من البديهي أنه لا أفق واضحاً لانتهاء التوتر أو المخاطر في سوريا والإقليم عموماً. لكن، وبالبناء على افتراض انتهاء الحرب دفعة واحدة، أجمع عدد من المختصين النفسيين، خلال أحاديث متفرقة مع صوت سوري، على أن الصدمة لا تزول، وأن توقف العنف لا يعني انتهاء تأثيراته. فالاعتياد الذي تكوَّن سابقاً بفعل التراكم المستمر للمخاطر، سيحتاج إلى تراكم أكثر فاعلية، يتمثل في سنوات طويلة من العيش الآمن والمستقر، حتى تبدأ آثاره بالتراجع. وحينها، تتباين الشخصيات البشرية بطبيعة الحال. فبعضها سيستمر في التبلد الانفعالي، بينما سيطوّر آخرون مرونة نفسية تساعدهم على استعادة التوازن، والنسيان، وبناء حياة جديدة فوق ماضٍ عصيب. لكن، وبحسب المختصين، سيحتاج الأمر زمناً ليس بالقصير أبداً.

هل يزول الخوف بانتهاء الحرب؟

يجيب علم النفس الاجتماعي بأن توقف مصدر العنف لا يعني تعافي المجتمع فوراً، فالاستجابات الدفاعية المخزنة في الوعي الجمعي تستمر كـ «ذاكرة جرح»، وتحتاج إلى سنوات متواصلة من الأمان المستقر حتى يبدأ الدماغ في «إلغاء برمجة» الاعتياد على الخوف.

لا يمكن القول إن كل السوريين والسوريات يتشاركون الدرجة نفسها في التعامل مع الخوف. فمن البديهي أن تكون هناك تباينات هائلة، لكن تحول الاستثناء إلى قاعدة هو ما يلفت أنظار الأكاديميين إلى هذه الظاهرة، لأن الخوف، في الظروف الطبيعية، يفترض أن يكون استجابة مؤقتة للمخاطر، وهي القاعدة، لا أن يصبح التعايش معه هو القاعدة. وفي خضم ذلك، وبعيداً عن أولئك الذين تمكنوا من العيش معه أو التعايش معه، لا شك أن ثمة شريحة أخرى لا تزال تخاف بصورة ربما مضاعفة، لأن الحرب السورية، في تتالي مراحلها وحقبها، كانت كفيلة بخلق مظلوميات مستمرة، ونقل مجتمعات، بصورة متبادلة، بين ضفتي الخوف والأمان.

الخوف_في_سوريا الصحة_النفسية_في_سوريا التطبيع_مع_العنف

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0