إذا كانت محافظة الحسكة لا تزال تعيش أثر التحولات السياسية والاجتماعية والأمنية والاقتصادية العميقة منذ خمسة عشر عاماً، فإن المشكلة الأكبر تكمن في ترعرع جيل كامل في أتون الحرب، أسوة بجميع المحافظات السورية.
وخلافاً للأجيال السابقة التي عاصرت صراعات واضطرابات متعاقبة، نشأ الجيل الحالي في ظل تتالي السلطات وتغيّر القوى الفاعلة والخرائط. غير أنه بات أكثر وعياً بدلالات هذه التغيرات بفضل العولمة ووسائل التواصل الاجتماعي، ومشاركته المباشرة في الحراك الشعبي والتظاهراتK حتى أصبحت قضايا الإدارة والحكم والمستقبل جزءاً لا يتجزأ من تفاصيل حياته اليومية.
ومع التحولات السياسية الجارية والحديث المتصاعد عن مستقبل سوريا وشكلها السياسي، يبرز واقع الشباب في الحسكة ومدى انخراطهم في صناعة القرار. كل ذلك يدفع إلى طرح سؤال محوري: هل يلمس شباب الحسكة اليوم أفقاً سياسياً حقيقياً يتيح لهم التأثير في صنع القرار؟ أم أن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية ستستمر في تحجيم دورهم بالشأن العام؟
الحرب والسياسة: صوت الشباب في الشأن العام
تقول فريال حاجي، المُهجّرة من رأس العين (سري كانيه) والعاملة في أحد مراكز دراسة حالة النساء بالقامشلي: «دفعتني سنوات الحرب إلى الاهتمام بالسياسة، بعدما لمست التأثير المباشر للقرارات السياسية على الأمن والاقتصاد وأدق تفاصيل حياتنا اليومية من تعليم وصحة وهجرة».
وتضيف: أتابع التطورات السياسية باستمرار وأناقشها مع عائلتي وأصدقائي، فقد تحوّلت السياسة إلى محرّك رئيسي لكافة مفاصل حياتنا. عشتُ تغيرات أمنية وإدارية وديمغرافية ناتجة عن التهجير، كما انعكست الصراعات السياسية تدهوراً في الخدمات والاستقرار الاقتصادي».
وترى حاجي أن فئة الشباب هي الأكثر وصولاً للنقاشات السياسية بفضل وسائل التواصل الاجتماعي، وأكثر انشراحاً على وجهات النظر المختلفة، مؤكدة أن «التركيز على إشراكهم يصب في مصلحة القوى السياسية نفسها. فالأحزاب التي تخلو هياكلها القيادية من الشباب كتب عليها الفشل، وهو ما حدث بالفعل لكثير من الأحزاب الكردية نتيجة التصلب في فتح الطريق أمام الجيل الجديد».
خلقت الحرب وعياً سياسياً ناضجاً لدى الشباب يؤهلهم لقيادة المجتمعات، غير أن المساحة المتاحة لهم ظلت ضيقة
من جانبه، يعرب الناشط المدني والمدرس داوود العلي، عن أسفه لضياع صوت الشباب وضعف تأثيرهم، موضحاً: «رغم ظهور مساحات جديدة للنقاش والمشاركة خلال السنوات الأخيرة، فإن الفجوة لا تزال واسعة بين صوت الشباب ودوائر صنع القرار».
ويشير العلي إلى أن جيل الشباب طور وعياً سياسياً لافتاً بفعل تجارب الحرب والنزوح والانهيار الاقتصادي، مردفاً: «رغم انخراط الكثيرين في العمل المدني والإغاثي والمبادرات المحلية، فإن انطباعاً ساد لدى معظمهم بأن مشاركتهم تُستثمر شكليّاً لا أكثر».
وعن عوائق المشاركة، يوضح العلي أنها نتاج تراكمات طويلة، أبرزها الإرهاق الجمعي وفقدان الثقة، ويشرح ذلك بقوله: «تحوّل سؤال (كيف أشارك في القرار؟) لدى الشاب إلى (كيف أؤمن معيشتي؟). فالضغوط المادية، إلى جانب الهجرة والتجنيد الإجباري، حرمت الشباب من الاستقرار اللازم للمشاركة العامة، وزاد من ذلك ضعف القنوات المؤسسية المؤهلة للوصول إلى مواقع القرار».
الاقتصاد والسياسة: تأثيرات متقاطعة على المستقبل
تؤكد الناشطة رنا كوتي، أن خريجي الجامعات والشباب هم المحرك الأساسي للدورة الاقتصادية، قائلة: «الوقت الذي تُسخّر فيه معظم القطاعات للسياسة، يجب أن تكون السياسة هي الخادمة للاقتصاد. لذا فإن ربط الجانبين الاقتصادي والسياسي ودمج الشباب يمنحان فرص نجاح حقيقية على الصعيدين المهني والمجتمعي».
وترى كوتي أن التدهور الاقتصادي المترابط مع إبعاد الشباب عن القرار يوسع فجوة الثقة ويدفع الشباب نحو الإحباط، مضيفة: «صنع القرار السياسي لا يزال يدار بطرق تقليدية مغلقة أمام الشباب، مما يجعل تأثيرهم محدداً وشكلياً، ويضعهم أمام خيارين: إما الاستمرار في المبادرات رغم صعوبتها، أو الانكفاء والتراجع، وهو ما ينعكس سلباً على مجمل الحياة العامة».
بين المنظور البحثي والضغط الحزبي
يشرح الباحث الاجتماعي فاضل الكعود، طبيعة العلاقة بين الشباب والسياسة في الحسكة، لافتاً إلى وجود «ضعف ثقة متراكم تجاه المسارات الحزبية والسلطوية التي لم تلبّ طموحات هذا الجيل عبر سنوات من التجربة».
ويؤكد الكعود أن الحرب خلقت وعياً سياسياً ناضجاً لدى الشباب يؤهلهم لقيادة المجتمعات، غير أن المساحة المتاحة لهم ظلت ضيقة، مضيفاً: «هناك تهميش واضح لدور الشباب كفاعلين؛ إذ يُطالبون دائماً بالواجبات كالتجنيد والخدمة العسكرية، مقابل تغييب حقوقهم في المشاركة والتوظيف والفرص التنموية الحقيقية». ويختتم الكعود بالإشارة إلى تشابه التحديات بين شباب الريف والمدن في سوريا، حيث أدت الظروف ذاتها إلى ارتفاع معدلات الهجرة والبطالة والأمية، مشدداً على ضرورة «توفير بيئة تمكينية تتيح للشباب المشاركة من مرحلة التخطيط حتى التنفيذ».
النخب التقليدية وصدمة الواقع: لن يمد لكم أحد يده
في مقابل الطموحات الشبابية، تبرز عقبة النخب السياسية المتمسكة بمواقعها. وفي تصريح يعكس هذا الواقع، يقول قيادي في أحد الأحزاب الكردية (فضّل عدم الكشف عن اسمه): «أستغرب من الشباب الذين يعتقدون أن المجال سيُفسح لهم للوصول إلى القيادة بسهولة. نعم، يمتلكون مهارات وأفكاراً وطاقة نفتقدها نحن التقليديين، ولكن هل ينتظرون منا أن نتخلي عن مواقعنا ونلتزم منازلنا لنترك لهم القيادة؟».
ويتابع القيادي بصراحة بالغة: «الشباب والقواعد الحزبية بالنسبة للكثير من القيادات في الأحزاب العربية والكردية والسريانية الأشورية -على حد سواء- ليسوا سوى أدوات للاستغلال ووقود لصراعات الكبار».
ويختتم حديثه قائلاً: «رغم كل ما يُقال عن أهمية إشراك الشباب وضياع الأحزاب إن لم تتجدد، فإن البقاء في موقع القيادة -حتى وإن كان بلا فاعلية- يظل الخيار المفضل للكثيرين. ونصيحتي للشباب: لن يمد لكم أحدٌ يده لتصلوا إلى القيادة، وعليكم فرض أنفسكم بأنفسكم».