عقب سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، أصدرت السلطة الانتقالية قراراً بحلَّ المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية التابعة للنظام السابق، ما شكّل مقدمة لملف معقد يتعلق بمصير عشرات الآلاف من الضباط وصف الضباط والعناصر الذين خرجوا من الخدمة، إذ باتت هذه الشريحة بحاجة إلى إطار قانوني ينظم أوضاعها ويحدد حقوقها بعد إنهاء الخدمة العسكرية.
ولمعالجة هذا الواقع، أُطلق ما يُعرف بملف «التسوية»، بوصفه إجراءً يهدف إلى إنهاء الصفة العسكرية للعناصر والضباط السابقين، وتسليم أسلحتهم، وإخضاعهم لتدقيق أمني وقانوني تمهيداً لتحديد أوضاعهم القانونية والإدارية الجديدة. غير أن ما قُدِّم بوصفه إجراءً انتقالياً مؤقتاً، ما زال بعد أكثر من عام ونصف يثير تساؤلات حول حصيلته الفعلية. فهل بقيت التسوية ضمن حدود التدقيق القانوني، أم تحوّلت بالنسبة إلى آلاف المشمولين بها إلى انتظار مفتوح لا يعرفون متى ينتهي؟
ملف واسع.. وحجب للبيانات
يُعدّ هذا الملف من أكبر الملفات الأمنية والإدارية التي واجهتها السلطة الانتقالية، ومع ذلك لم تُنشر حتى الآن بيانات رسمية توضح عدد المشمولين بالتسوية، أو عدد الملفات التي أُنجزت، أو تلك التي ما تزال قيد المراجعة. وفي ظل هذا الغياب، بقيت التقديرات المتداولة تستند إلى ما نشرته وسائل إعلام ومنصات حقوقية تحدثت عن عشرات آلاف المشمولين، ولا سيما في الساحل السوري، من دون أن يصدر ما يؤكد هذه الأرقام أو ينفيها.
لا يمكن التعامل مع غياب الإحصاءات بوصفه مسألة ثانوية، لأن حجب البيانات يحول دون تقييم أي سياسة عامة، ويترك الرأي العام أمام ملف واسع تُدار تفاصيله بعيداً عن الحد الأدنى من الشفافية.
انتظار طويل وتداعيات معيشية
كان المشمولون بملف التسوية قد سلّموا أسلحتهم وبطاقاتهم العسكرية، وخضعوا لإجراءات التسجيل والتدقيق، تمهيداً لاستكمال أوضاعهم القانونية على أمل استعادة حياتهم الطبيعية خلال فترة وجيزة. إلا أن الإجراءات امتدت لأكثر من عام ونصف، في ظل غياب جدول زمني واضح لاستكمالها.
وأمام هذا التأخير، تأجلت خطط كثير منهم المتعلقة بالعمل والاستقرار وإعادة ترتيب حياتهم، فيما فقد عشرات الآلاف من الضباط وصف الضباط والعناصر مصدر دخلهم بعد توقف الرواتب المرتبطة بالخدمة العسكرية، التي كانت تمثل المورد الأساسي لإعالة أسرهم. ومع غياب بدائل واضحة، واجه كثير منهم ظروفاً معيشية متزايدة الصعوبة.
حجب البيانات يحول دون تقييم أي سياسة عامة، ويترك الرأي العام أمام ملف واسع تُدار تفاصيله بعيداً عن الحد الأدنى من الشفافية
لم تقتصر تداعيات هذا الملف على العسكريين السابقين، بل امتدت أيضاً إلى الشبان الذين كانوا قد استُدعوا لأداء الخدمة الإلزامية، إذ حالت أحداث الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024 دون مباشرتهم الخدمة بعد تسليم بطاقاتهم الشخصية إلى شُعب التجنيد، لتبقى أوضاعهم القانونية والإدارية معلقة بانتظار استكمال الإجراءات.
عندما تُحتجز البطاقة... تُجمّد الحياة
شكّل احتجاز البطاقة الشخصية لأشهر طويلة واحداً من أكثر الجوانب إرباكاً في ملف التسوية. إذ عجز كثير من أصحاب التسويات عن توثيق عقود البيع والشراء، أو تنظيم وكالة قانونية، أو تسجيل معاملة تتعلق بأملاكهم، أو استكمال إجراءات عمل، أو فتح حساب مصرفي، أو حتى التنقل والسفر.
وامتدت آثار ذلك إلى أسرهم التي بقيت مصالحها معلقة بإجراء إداري لا تعرف موعد انتهائه، ولا الأسباب التي تحول دون استكماله.
ورغم أن السلطات باشرت إعادة البطاقات الشخصية على دفعات في بعض المناطق، مطلع العام 2026، فإن هذه الخطوة لم تشمل جميع الحالات، كما لم ترافقها توضيحات رسمية تبيّن حجم ما أُنجز أو أسباب استمرار تأخّر آلاف الملفات الأخرى.
التأخير مفهوم... والغموض مشكلة
أرجعت السلطات بطء إنجاز هذا الملف إلى الحاجة لتدقيق الملفات والتحقق من المسؤوليات الجنائية الفردية، بالإضافة إلى الأعباء الكبيرة التي رافقت إعادة هيكلة مؤسسات الدولة. غير أن هذه المبررات لا تفسّر استمرار غياب المعلومات التي يحتاج إليها أصحاب التسويات لمعرفة مصير ملفاتهم. فطوال أشهر الانتظار، لم يعرف كثير منهم أين وصلت إجراءات التدقيق، ولا المدة المتوقعة لإنجازها، ولا الخطوات المتبقية لاستكمالها، الأمر الذي وسّع الفجوة بينهم وبين الجهات التي تدير هذا الملف، وزاد من شعورهم بأنهم عالقون في إجراءات مفتوحة بلا أفق زمني واضح.
ولو اقترنت إجراءات التسوية بقدر أكبر من الشفافية، لتراجع كثير من هذا الاحتقان، من خلال نشر مراحل الإنجاز، وبيان أسباب التأخير، وإتاحة وسيلة تمكّن أصحاب التسويات من متابعة ملفاتهم ومعرفة وضعها الفعلي.
استكمال التسوية.. مسؤولية الدولة
في ضوء ذلك، أصبح ملف التسوية اختباراً لقدرة الدولة على معالجة أوضاع آلاف المشمولين به قانونياً وإدارياً وإنسانياً، بعدما طال انتظارهم واستمر الغموض الذي يحيط بمصير ملفاتهم.
وبات من الضروري أن تنشر السلطات المختصة بيانات دورية حول تقدّم العمل، وتحدّد إطاراً زمنياً واقعياً لمعالجة الملفات، وأن تتيح آلية معلنة للتظلم ومراجعة القرارات وفق معايير واضحة.
من حقّ أصحاب التسويات أن يعرفوا أسباب استمرار تعليق ملفاتهم، وأن يتمكنوا من متابعة إجراءاتها، وأن تتاح لهم فرصة الاعتراض على القرارات التي يرون أنها لم تنصفهم. فهذه الضمانات ليست امتيازات استثنائية، بل من أبسط مقتضيات الإدارة الرشيدة وسيادة القانون في أي مرحلة انتقالية.