لم يكن العدوان الإسرائيلي على مطار «أبو الظهور» العسكري حدثاً طارئاً في مسار السياسة الإسرائيلية تجاه سوريا، بل جاء امتداداً لاستراتيجية «التغول» العسكري والسياسي. وهي استراتيجية تنتهجها تل أبيب، عبر فرض واقع ميداني في الجنوب السوري المحتل، وتحديد «خطوط حمراء» متقدمة لحلفاء السلطات الانتقالية، وعلى رأسهم تركيا التي يراها الكيان «خطراً مستقبلياً».
استهدف القصف المباشر أقصى الشمال السوري الخاضع للنفوذ التركي، ملحقاً أضراراً بمدرج المطار وبنيته التحتية، وفق صور جوية نشرتها «جيروزاليم بوست»، في ظل صمت رسمي من السلطات الانتقالية حول حجم الخسائر.
ويأتي هذا الاستهداف استكمالاً لرسائل سابقة منع عبرها الاحتلال التمدد التركي نحو الوسط، حين قصف العام الماضي قاعدة «تي فور» ومطار حماة العسكري.
ورغم نفي أنقرة ودمشق وجود نية لتحويل «أبو الظهور» إلى قاعدة عسكرية، كشفت وسائل إعلام تركية، ومنها «صحيفة تركيا»، عن أعمال تأهيل كانت تُجرى، استعداداً لاستقبال أكثر من 200 جندي تركي، إلى جانب منظومات دفاع جوي وطائرات مسيّرة، قبل 13 ساعة فقط من الضربات.
على الصعيد الدبلوماسي، كشفت تسريبات، أكدتها وكالة «رويترز»، عن اتصالات سبقت العدوان بأربعة أيام بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس جهاز الموساد رومان جوفمان، لبحث الوجود التركي.
وفي حين تمسكت دمشق بسياستها غير الصدامية، في إطار سعيها لإبرام اتفاق أمني، أكد الشيباني لموقع «إكسيوس» الأميركي أن بلاده أوضحت لإسرائيل ولإدارة الرئيس ترامب ودول أخرى عدم وجود مخطط لقاعدة تركية دائمة، في محاولة لاحتواء التداعيات.
على الجانب الآخر، تجلت الأهداف الإسرائيلية عبر مستويين، إذ اعتبرت صحيفة «هآرتس» أن الضربات هدفت إلى منع أنقرة من تقييد حرية حركة سلاح الجو الإسرائيلي، فيما صرح السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل لايتر، بأن تل أبيب لا تبحث عن حرب، لكن «خطاً أحمر قد جرى تجاوزه».
وتزامن ذلك مع تحركات ميدانية لجيش الاحتلال في الجنوب، حيث زار رئيس الأركان إيال زامير، الشريط الحدودي رفقة قيادات عسكرية، مؤكداً من هناك أن تل أبيب «لن تسمح بتأسيس وجود معادٍ على حدودها».
في المقابل، جاء الرد الأميركي- الذي طالما راهنت عليه دمشق - مقتضباً ودون المأمول، إذ اكتفى المبعوث الخاص توماس براك بوصف الهجوم بـ «التصعيد غير الضروري»، معلناً عن إنشاء آلية لمنع الاحتكاك وتجنب المواجهة المباشرة بين الأطراف الثلاثة، رغم تقارير سابقة للقناة 13 الإسرائيلية تفيد برفض ترامب لطلبات ضربات إسرائيلية سابقة في العمق السوري.