«عدت من تركيا وأنا لا أعرف من اللغة العربية سوى الكلام، أما عن الكتابة والقواعد فإنني دون المستوى»، يقول محمد صباغ، الطالب في الصف السابع. ويضيف شارحاً: «كنت أدرس جميع المواد باللغة التركية، وعندما عدت إلى سوريا احتجت وقتاً لأفهم المصطلحات العربية، حتى في المواد التي أعرفها»، مؤكداً على صعوبة مادة اللغة العربية، خاصة لعدم استخدامها في المدرسة، ناهيك عن صعوبة إيجاد معلمين في تركيا مختصين باللغة العربيّة.
هذه التجربة لا تخص محمد وحده، بل يعيشها اليوم مئات الطلاب السوريين العائدين من تركيا، مع تزايد عودة الأسر إلى البلاد. فبعد سنوات أمضوها ضمن نظام تعليمي مختلف، يواجه هؤلاء الطلاب تحديات تتجاوز اختلاف المناهج، لتشمل اللغة، والاندماج الاجتماعي، والتكيف النفسي مع بيئة مدرسية جديدة.
تقول صبا رزوق، وهي طالبة في الصف الخامس: «درست في تركيا، أردت تعلم اللغة العربية، لكنني لم أتعلمها بشكل جيد نظراً لصعوبة إيجاد معلم أو مدارس مختصة باللغة العربيّة». وتردف: «من الواضح أن هناك فرقاً كبيراً بين المدارس السورية والمدارس التركية في العديد من النواحي»، مشيرةً إلى فوارق في البنية التحتية بين المدارس من حيث البناء والخدمات وغيرها، فضلاً عن طرائق التعليم، وطبيعة الأنشطة، والتطبيقات العملية، وغيرها من الفعاليّات.
تحديات لغوية ونفسية
بالتوازي مع تصريحات الطلاب أعلاه، توضح معلمة الصف الرابع، ابتسام سواس، أن التحدي الأبرز أمام الطلاب العائدين من الدول الأجنبية هو اللغة العربية، خاصة لدى الأطفال الذين تلقوا تعليمهم لمدّة طويلة، بلغة غير لغتهم الأم. تؤكد سواس أن التحدث باللغة العربية لا يعني معرفة القواعد، فحتى الطلاب الذين درسوا في سوريا قد يواجهون صعوبات في اللغة العربية الفصحى، خاصة أثناء الدراسة.
من جهتها، ترى معلمة الصف السادس، خولة صابوني، أن تأقلم الطلبة العائدين لا يرتبط باللغة والمناهج فقط، وإنما يتطلب التكيف مع بيئة تعليمية جديدة وطرق مختلفة في التعليم والأنشطة والفعاليات، فقد يكون الطالب في مرحلة متقدمة في دول الإقامة السابقة، أو قد تكون لديه المعلومة في وقت سابق، لكنه يجد صعوبة في فهم السؤال أو الدرس. وتضيف: «يحتاجون إلى وقت للتأقلم في المدرسة الجديدة أو البيئة التعليمية الجديدة»، مؤكدةً على دعم جهود التربية لتكثيف عملية الدمج وتطوير التعليم الحالي بما يواكب التعليم في دول الجوار أو غيرها. وتختم كلامها مؤكدةً على ضرورة العمل لتحسين الآلية التعليمية ومواكبة التطور التعليمي بما يتناسب مع تجارب الدول الأخرى.
جهود رسميّة لدعم الطلبة
في حديث خاص، يؤكد المكتب الإعلامي لمديرية التربية في حلب استمرار جهود المديرية في استقبال الطلاب، وتأمين المستلزمات وصيانة المدارس والصفوف بما يتناسب مع حجم عودة الطلاب.
ويقول أحمد المصطفى، مدير المكتب الإعلامي، لـ صوت سوري: «استقبلت مدارس محافظة حلب خلال العام الدراسي السابق أعداداً كبيرة من الطلاب العائدين من خارج القطر، فبلغ عدد طلاب التعليم الأساسي الوافدين أكثر من 27 ألف طالب وطالبة، من الصف الأول حتى الصف التاسع، فيما بلغ عدد طلاب المرحلة الثانوية الوافدين نحو 1074 طالباً وطالبة، إضافة إلى 792 طالباً وطالبة حصلوا على الموافقة النهائية ومعادلة الشهادة»، مؤكداً على قبول طلاب الحلقة الأولى والثانية الذين يمتلكون وثائق دراسية رسمية صادرة عن تركيا أو غيرها من الدول، بعد تصديقها أصولاً، ومن ثم تحديد الصف المناسب لهم وفقاً لهذه الوثائق. أما الطلاب الذين لا يمتلكون وثائق دراسية، فيُجرى لهم سبر معلومات في بداية العام الدراسي لتحديد مستواهم العلمي والعقلي والعمري، بما يضمن وضع كل طالب في الصف الذي يتناسب مع مستواه.
وعن المرحلة الثانوية، أكد المصطفى قبول الطلاب الذين يحملون أوراقاً ثبوتية رسمية في ثانويات المحافظة لاستكمال تعليمهم، وفق تعليمات القيد والقبول الوزارية، كما يمكن قبول الطالب قبولاً شرطياً ريثما يستكمل أوراقه الثبوتيّة. وأردف قائلاً: «في مرحلة التعليم الأساسي، توجد شُعب الفئة (ب) المخصصة للتلاميذ الأميين والمتسربين من الدراسة لأكثر من عام، حيث يُقبل الطلاب فيها من المستوى الأول وحتى المستوى الرابع، ويُنجز الطالب في كل مستوى دراسي عامين دراسيين خلال عام واحد». أما في المرحلة الثانوية، فأكد على وجود مراكز تقوية مجانية في مادة اللغة العربية، تستهدف الطلاب العائدين من خارج القطر، إلى جانب الطلاب الراسبين، بهدف دعم مستواهم وتمكينهم من متابعة تحصيلهم الدراسي، مشيراً إلى صدور تعميم وزاري بتاريخ 8/4 بشأن افتتاح مراكز تقوية في اللغة العربيّة.

ترميم المدارس ومواجهة الاكتظاظ
يؤكد المصطفى دعم مديرية التربية والتعليم في حلب، خلال العام الدراسي الماضي، المدارس التي تعاني من نقص في المقاعد الدراسية، من خلال تزويدها بمقاعد جديدة، إلى جانب تنفيذ أعمال ترميم وتأهيل لعدد من المدارس في الأحياء والمناطق التي تشهد كثافة سكانية وارتفاعاً في أعداد الطلاب، بهدف تخفيف الاكتظاظ وتأمين بيئة تعليمية مناسبة للطلاب. ويضيف: «تواصل المديرية متابعة واقع أعداد الطلاب وتوزعهم، والعمل على إجراء التسويات اللازمة للطلاب في المدارس المكتظة، ونقلهم عند الحاجة إلى مدارس أخرى قريبة من أماكن سكنهم، أو إحداث فوج ثانٍ في المدرسة نفسها»، مؤكداً السعي مع مؤسسات المجتمع المدني والجهات المعنية لترميم أكبر عدد من المدارس، بما يضمن استيعاب الأعداد المتزايدة واستمرار العملية التعليمية بصورة منتظمة. ويشير أيضاً إلى وجود خطة طويلة الأمد لضمان عدم تسرب الطلاب العائدين أو تأخرهم دراسياً، ويشرح: «تركز الخطة على الحد من التسرب واختصار سنوات التأخر الدراسي من خلال التوسع في افتتاح شعب الفئة (ب)، التي تتيح للطلاب المتأخرين أو المنقطعين عن الدراسة استكمال تعليمهم ضمن مسار تعليمي مكثف يختصر سنوات الانقطاع»، مؤكداً على وجود برامج دعم مقدمة لأسر الطلاب تتضمن قسائم مخصصة لأولياء الأمور، بهدف تشجيع الأسر على إعادة أبنائها إلى التعليم والاستمرار فيه، بما يعزز فرص عودتهم إلى المسار التعليمي الطبيعي.