في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، طوت سوريا صفحة نظام حكم البلاد لأكثر من خمسة عقود. كان ذلك اليوم لحظة فارقة حملت آمالاً واسعة ببدء مرحلة جديدة، وبناء دولة مختلفة، والتحرر من إرث ثقيل ترك أثره في السياسة والمجتمع ومؤسسات الدولة.
لكن سقوط السلطة، مهما كان مهماً، لا يعني أن ما تراكم خلال عقود طويلة يمكن أن يختفي في يوم واحد. فالنظام لم يبنِ مؤسسات وأجهزة وقوانين فحسب، بل ترك أثراً عميقاً في علاقة المواطن بالدولة والسلطة والقانون وبالآخر المختلف. ومع مرور الوقت، لم يعد الاستبداد مجرد نظام سياسي يمكن إسقاطه، بل تسللت بعض آثاره إلى طريقة الإدارة والتفكير والسلوك. لذلك فإن تغيير السلطة، بحد ذاته، لا يكفي لتغيير القواعد التي حكمت الحياة العامة طويلاً.
من هنا تبدو مقولة الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي «تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة» مناسبة للّحظة السورية. تشاؤم العقل يعني النظر إلى الواقع كما هو، من دون تجميل أو أوهام، وإدراك أن إرث عقود من الاستبداد لن ينتهي بسقوط النظام. أما تفاؤل الإرادة، فيعني ألا يتحول هذا الإدراك إلى يأس، بل إلى دافع للعمل وبناء شيء مختلف.
بحثاً عن جذر المشكلة
المشكلة إذاً ليست فقط في الأجهزة والقوانين التي تركها النظام، وإنما أيضاً في بعض الأنماط التي ترسخت داخل المجتمع والدولة. لذا، لا يتوقف السؤال عند: «ماذا فعل البعث بالدولة السورية؟»، بل يمتد إلى العمق: «ماذا غرس في عقول السوريين وسلوكهم تجاه مفهوم الدولة والسلطة؟»
قامت دولة البعث خلال عقود على مركزية شديدة، وربطت الوظيفة العامة بالولاء، وأضعفت استقلال المؤسسات، وجعلت القرار يتحرك غالباً من الأعلى إلى الأسفل. ومع الوقت، ترسخت لدى كثيرين قناعة بأن الوصول إلى المسؤول قد يكون أكثر فاعلية من الوصول إلى المؤسسة، وأن العلاقة الشخصية يمكن أن تكون أقوى من الحق، وأن إظهار الولاء أكثر أماناً من ممارسة الاختلاف. وهنا تظهر واحدة من أصعب مهام المرحلة الجديدة: أن يسقط النظام، من دون أن تبقى أدواته حاضرة في السلوك اليومي.
فالواسطة مثلاً، ليست مجرد فساد فردي لدى موظف أو مسؤول، بل تصبح أكثر رسوخاً عندما يفقد المواطن ثقته بأن المؤسسة قادرة على إنصافه. وعندما يتعلم الناس أن الطريق إلى حقهم يمر عبر شخص لا عبر القانون، تتحول الواسطة من استثناء إلى قاعدة. والأمر نفسه ينطبق على الخوف من النقد، وانتظار القرار من الأعلى، والحذر من الاختلاف، والبحث عن الحماية في العلاقات الشخصيّة.
إضاءة معرفية: الهيمنة الثقافية (Cultural Hegemony)
مفهوم ارتبط بصورة أساسية بالفيلسوف والمنظّر الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي، ويشير إلى الطريقة التي تحافظ بها الطبقة المهيمنة على موقعها ليس بالقوة والإكراه وحدهما، بل وعبر تحقيق قدر من القبول والموافقة على رؤيتها للعالم. يحصل ذلك من خلال مؤسسات المجتمع المدني وممارساته، مثل التعليم والإعلام والثقافة والدين والعلاقات الاجتماعية، بحيث تصبح أفكار وقيم معينة جزءاً من «الحسّ المشترك» وتبدو طبيعية أو بديهية بدل أن تُدرك بوصفها تعبيراً عن علاقات قوة محددة.
خطورة الهيمنة: أنها تجعل علاقات السلطة تبدو طبيعية ومشروعة، بحيث تُمكن إعادة إنتاجها في الحياة اليومية دون الحاجة إلى استخدام القوة بصورة مستمرة. ولذلك يرى غرامشي أن تغيير نظام الهيمنة لا يقتصر على الاستيلاء على مؤسسات الدولة أو إسقاط القيادة السياسية، وإنما يتطلب صراعاً طويلاً على مستوى الأفكار والثقافة والمجتمع المدني وبناء تصور بديل للعالم
لا يتوقف إرث الاستبداد عند هذه الممارسات. فبعض القيم السياسية والاجتماعية تتشكل تحت تأثير موازين القوة، وما يبدأ كاستجابة لظرف سياسي قد يتحول مع الوقت إلى سلوك مألوف، ثم إلى قناعة يصعب نقدها. وهنا تكمن صعوبة الانتقال، فما يترسخ طويلاً لا يبقى مجرد موقف سياسي، بل قد يتحول إلى عادة اجتماعية. لذلك فإن تفكيك إرث الاستبداد لا يعني فقط إزالة رموزه وأدواته المباشرة، وإنما مراجعة السلوكيات التي جعلها تبدو طبيعية: الخضوع بدل المشاركة، الولاء بدل الكفاءة، الصمت بدل النقد، والشخصنة بدل المؤسّسة.
لكن الاعتراف بهذا الإرث لا يعني تحميل المجتمع مسؤولية الاستبداد. السوريون والسوريات لم يكونوا كتلة واحدة، ولم يقبلوا جميعاً ما فُرض عليهم. كان بينهم من رفض وانتقد وقاوم ودفع أثماناً باهظة. كما أن كثيراً من السلوكيات التي ترسخت لم تكن خيارات حرة، وإنما وسائل للتكيف مع نظام ضيّق مساحة الاختيار. لذلك لا ينبغي محاكمة المجتمع على ما اضطر إلى اكتسابه، الأجدر محاولة فهم هذه الآليات حتى لا يعاد إنتاجها. ومن هنا يصبح نقد البعث أوسع من نقد حزب أو أشخاص أو مرحلة سياسية بعينها. إنه نقد لنمط حكم جعل الدولة مجالاً للسيطرة بدلاً من أن تكون مؤسسة عامة، وربط الوطنية بالولاء السياسي، وجعل الاختلاف موضع شك، والنقد تهديداً، والمعارضة خروجاً على الجماعة. والخطر الحقيقي في المرحلة الجديدة هو أن تتغير الأسماء والوجوه والشعارات، بينما يبقى المنطق نفسه: شخص في المركز، ومؤسسات تدور حوله، وولاء يسبق الكفاءة، وسلطة ترى في النقد تهديداً لها. وإذا حدث ذلك، فلن تكون سوريا قد انتقلت فعلاً من الاستبداد إلى الدولة، وإنما من سلطة إلى سلطة أخرى.
بأي «بارومتر» نقيس؟
لا يقاس التغيير الحقيقي بعدد المسؤولين الذين تغيروا، ولا بعدد المؤسسات التي أعيد تشكيلها، بل بتغير العلاقة بين المواطن والدولة: أن يصبح القانون أقوى من الواسطة، والمؤسسة أقوى من الشخص، والكفاءة أهم من الولاء، والمساءلة قاعدة لا استثناء، والاختلاف السياسي حقاً لا خيانة، والمواطن صاحب حق لا متلقياً لمِنَح السلطة.
سقوط البعث ينبغي أن يكون البداية. فالتحدي الحقيقي ليس فقط التخلص من رموزه، وإنما تفكيك المنطق الذي جعل الدولة ملكاً للسلطة والمواطن تابعاً لها، ومنع إعادة إنتاجه بأسماء وأدوات جديدة
يبدأ الاختبار الأصعب عندما تمتلك السلطة الجديدة القوة. فمن السهل أن نرفض استبداد الماضي ونحن خارجه، لكن السؤال الحقيقي يبدأ عندما نصبح نحن أصحاب القرار: هل نقبل بالنقد عندما يوجه إلينا؟ هل نقبل بالمعارضة عندما تختلف معنا؟ هل نحتكم إلى القانون عندما لا تكون نتائجه في مصلحتنا؟ وهل نقبل بأن تكون المؤسسات قادرة على تقييد سلطتنا نحن أيضاً؟
هنا يبدأ الانتقال من «عقلية السلطة» إلى «عقلية الدولة». فالمسؤول ليس مالكاً للسلطة، إنه مؤتمن عليها. والمؤسسة ليست أداة لخدمة الحاكم، والقانون ليس سلاحاً ضد الخصوم، بل قاعدة تنطبق على الجميع، بمن فيهم أصحاب القرار.
من الواضح أن تحولاً كهذا لن يحدث بمرسوم. فالثقافة السياسية التي تشكلت خلال عقود تحتاج إلى سنوات حتى تتغير، وهي لا تتغير داخل مؤسسات الدولة وحدها، بل في المدرسة والجامعة والقضاء والإدارة والإعلام، وفي طريقة التعيين، وفي علاقة المركز بالمحافظات، وحتى في تفاصيل الحياة اليومية التي يتعامل فيها المواطن مع الدولة.
بدايةٌ أم نهاية؟
سقوط البعث لا ينبغي أن يكون نهاية النقاش، بل بدايته. فالتحدي الحقيقي ليس فقط التخلص من رموزه، وإنما تفكيك المنطق الذي جعل الدولة ملكاً للسلطة والمواطن تابعاً لها، ومنع إعادة إنتاجه بأسماء وأدوات جديدة. وهنا يعود «تشاؤم العقل» ليقول إن الطريق طويل، وإن آثار الاستبداد أعمق من أن تزول سريعاً. لكن «تفاؤل الإرادة» يرفض أن يجعل صعوبة الطريق ذريعة لعدم السير فيه. على الأرجح، ليس السؤال الأهم في سوريا الجديدة: هل انتهى البعث؟ وإنما: هل انتهت العوامل التي جعلت الطريقة التي حكم بها البعث ممكنةً؟
إذا استطاعت سوريا أن تجيب عن هذا السؤال بالفعل، فإن سقوط النظام لن يكون مجرد نهاية لمرحلة سياسية، بل بداية لتحول أعمق: من دولة الشخص إلى دولة المؤسسة، ومن الولاء إلى المواطنة، ومن الخوف إلى المساءلة، ومن السلطة التي تطلب الطاعة إلى الدولة التي يحكمها القانون.