بعد أشهر طويلة من المفاوضات المعقدة بين قيادة قوات سوريا الديمقراطية «قسد» والحكومة السورية الانتقالية، دخل الملف الكوردي في سوريا مرحلة جديدة ومختلفة جذرياً، في تتويج لمسار التفاهمات الذي بدأ باتفاق 10 آذار/مارس 2025 وتطوّر إلى اتفاق 29 كانون الثاني/يناير 2026. وجاء إعلان رئيس هيئة أركان «قسد» مظلوم عبدي في 25 آب/أغسطس 2026، عن إنهاء مهمة القوات وحلّها رسمياً، مُمهّداً لطي صفحة العمل العسكري واستكمال دمج تشكيلاتها ضمن مؤسسات الدولة السورية.
يشكّل هذا القرار محطة مفصلية في مسار امتد لأكثر من عقد، أدّت خلاله «قسد» دوراً رئيساً في الحرب ضد تنظيم «داعش» المتطرف، وتحولت إلى القوة العسكرية والسياسية الأبرز في شمال وشرق سوريا. ويفتح هذا التحول مرحلة جديدة أمام «القضية الكوردية» في البلاد، تضع قدرة الفاعلين الكورد على المحك لنقل التضحيات والمكتسبات من الميدان العسكري إلى الفضاء السياسي والعمل المؤسساتي والدستوري.
من الميدان إلى الاتفاق: خريطة طريق الدمج
تبلورت عملية الانتقال الحالية عبر سلسلة من التفاهمات المتدرجة. فمنذ اتفاق 10 آذار/مارس 2025، اتجه المسار نحو التأسيس لدمج المؤسسات العسكرية والمدنية في هيكلية الدولة السورية، والاعتراف بالمجتمع الكوردي مكوّناً أصيلاً، مع التأكيد على حقوق المواطنة المتساوية وضمان عودة المهجرين.
وجاء اتفاق 29 كانون الثاني/يناير 2026 ليضع إطاراً تنفيذياً أكثر تفصيلاً، في أعقاب جولة من المواجهات المسلحة بين قوات «قسد» والأسايش من جهة، والقوات الحكومية والفصائل التابعة لها من جهة أخرى، وما خلّفته تلك المواجهات من خسائر وتوترات ومخاوف من اتساع رقعة الصراع. وركّز الاتفاق على حوكمة عملية الدمج العسكري والأمني، وتحديد خطوات تسليم المؤسسات والمناطق والموارد الحيوية.
وقد أفضى هذا الاتفاق عملياً إلى تشكيل أربعة ألوية ضمن الترتيبات العسكرية الجديدة التابعة لوزارة الدفاع (ثلاثة منها في محافظة الحسكة ولواء في كوباني/عين العرب)، بالتوازي مع ترتيبات دمج قوات الأمن الداخلي (الأسايش) ضمن وزارة الداخلية. وقد توّج مظلوم عبدي هذا المسار بإعلانه إنهاء مرحلة «ساحات المعارك»، مشيراً إلى الانفتاح الذي أبدته السلطات الانتقالية برئاسة أحمد الشرع في التعاطي مع الملف وتهيئة ظروف الاستقرار.
تحولات ومحطات رئيسية في تاريخ «قسد»
- التأسيس (10 أكتوبر/تشرين الأول 2015): أُعلنت «قوات سوريا الديمقراطية» كتحالف عسكري ضمّ وحدات حماية الشعب (YPG) ووحدات حماية المرأة (YPJ)، إلى جانب فصائل عربية وسريانية، بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.
- دحر «داعش» (2015–2019): خاضت معارك مفصلية ضد تنظيم «داعش» في شمال وشرق سوريا، انتهت بالسيطرة على الباغوز—آخر مناطق سيطرة التنظيم الجغرافية—في مارس/آذار 2019.
- النفوذ الجغرافي والإداري: بسطت سيطرتها على مناطق واسعة في الحسكة والرقة ودير الزور وحلب (تراوحت تقديراتها بين ربع وثلث مساحة سوريا)، وأدارتها عبر هياكل «الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا».
- مسار الدمج (2025–2026): انطلق رسميًا باتفاق 10 مارس/آذار 2025 لدمج المؤسسات العسكرية والمدنية في هيكلية الدولة، وتطوّر عبر تفاهمات وترتيبات 29 يناير/كانون الثاني 2026 التنفيذية.
- الحل (25 أغسطس/آب 2026): أعلن مظلوم عبدي إنهاء مهمة «قسد» وحلها بوصفها قوة مستقلة، إثر اندماج تشكيلاتها في ألوية الجيش السوري، وانتقال قوات الأمن الداخلي إلى وزارة الداخلية، واستكمال دمج المؤسسات المدنية.
بين التضحيات والمكاسب
أثار قرار حلّ «قسد» نقاشاً حاداً ومتبايناً داخل الشارع الكوردي. إذ برزت مخاوف جديّة لدى قطاعات واسعة بشأن حجم التنازلات المستجلبة؛ فقد امتلكت «قسد» لسنوات نفوذاً عسكرياً واقتصادياً واسعاً، ومساحات جغرافية شاسعة، ودعماً دولياً تقوده الولايات المتحدة. ومن الطبيعي أن يُحدث التفريط بهذه الأوراق والاندماج في مؤسسات مركزية قلقاً لدى من يرى أن الثمن الذي قُدّم خلال سنوات الحرب كان يتطلب ضمانات سياسية وحقوقية أكثر صلابة وتثبيتاً في نص دستوري ملزم.
غير أن هذا القلق يتقاطع في الوقت ذاته مع مكاسب سياسية وقانونية تاريخية غير مسبوقة في التعامل الرسمي مع القضية الكوردية. ويأتي في مقدمة ذلك المرسوم الرئاسي رقم 13 للعام 2026، الذي أقرّ بأن السوريين الكورد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، وأقرّ بأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة. كما نص على حماية التنوع الثقافي واللغوي، وتطوير اللغة الكوردية، واعتبارها لغة وطنية والسماح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق ذات الحضور الكوردي.
والأهم أن المرسوم ألغى الآثار القانونية والتدابير الاستثنائية التي ترتبت على إحصاء 1962 في محافظة الحسكة، ونص على منح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين في سوريا، بمن فيهم مكتومو القيد، مع مساواتهم في الحقوق والواجبات بسائر السوريين والسوريات. وقد بدأت الإجراءات التنفيذية الخاصة بمنح الجنسية، كما أُقرّت التعليمات المتعلقة بتدريس اللغة الكوردية في المدارس، على أن يبدأ إدخالها رسمياً ضمن المسار التعليمي اعتباراً من العام الدراسي 2026-2027 بمعدل حصتين أسبوعياً بوصفها مادة اختيارية.
السياسة.. خيار المرحلة؟
تتعامل السياسة مع موازين القوى والظروف المحيطة، وتبحث عن المساحات الممكنة لتحقيق المكاسب وتثبيتها. وفي الحالة السورية الراهنة، يبدو أن قيادة «قسد» اختارت الانتقال من مرحلة القوة العسكرية والإدارة الذاتية إلى العمل ضمن مؤسسات الدولة، مع السعي إلى حماية الحقوق والمكاسب التي تحققت خلال السنوات الماضية.
تفرض المرحلة الجديدة على القوى السياسية الكوردية مسؤولية بناء إطار سياسي أكثر توحيداً، قادراً على تمثيل مطالب الشارع والتفاوض بشأنها والدفاع عنها ضمن المؤسسات والفضاء السياسي السوري. كما تتطلب توسيع الحضور المدني والمؤسساتي، وبناء علاقات وتحالفات مع القوى السورية المختلفة، والعمل من داخل المؤسسات من أجل تطوير القوانين والضمانات الدستورية التي تحمي الحقوق.
ويطرح هذا التحول سؤالاً أساسياً حول مستقبل التمثيل السياسي، ويضع الأحزاب والنخب المدنية الكوردية أمام ضرورة صياغة مشروع سياسي واقعي، يستند إلى أدوات ضغط جديدة، كالمشاركة الفاعلة في الانتخابات التشريعية، وتشكيل كتل برلمانية ضاغطة، وبناء تحالفات عابرة للمكونات مع القوى السورية المؤمنة باللامركزية والتعددية، واستخدام الأطر القانونية لحماية المكاسب الثقافية والاجتماعية.
على صعيد الإدارة، يبرز ملف المؤسسات الخدمية والمدنية التي أدارتها "الإدارة الذاتية" لسنوات. وسيتحدد شكل المرحلة المقبلة بناءً على طبيعة إعادة تنظيم قانون الإدارة المحلية السوري، ومقدار الصلاحيات التي ستُمنح للإدارات المحلية في إدارة شؤونها الخدمية، والتعليمية، والتنموية بعيداً عن المركزية الشديدة.
ويرتبط مستقبل هذا المسار أيضاً بالبيئة الإقليمية والدولية المحيطة بسوريا، ولا سيما الموقف التركي الذي ظل يتابع من كثب تطورات شمال وشرق سوريا، والدور الأميركي الذي أسهم خلال السنوات الماضية في دعم «قسد» عسكرياً وسياسياً. وستظل هذه العوامل حاضرة في حسابات المرحلة المقبلة، وإن كانت مسؤولية تثبيت التفاهمات وتنفيذها تقع بصورة أساسية على الأطراف السورية.
نحو نضال مؤسسي
تاريخياً، شهدت العديد من الحركات والمجموعات المسلحة تحولات مشابهة، فكان الانتقال من العمل المسلح إلى النضال السياسي والمؤسسي هو السبيل الوحيد لحماية المكتسبات التي تحققت في الحرب، وتحويلها إلى حقوق دستورية دائمة. فالقتال والسلاح أدّيا دورهما في مرحلة المواجهة ضد «داعش»، وحفظ الوجود، وراكمت الإدارة الذاتية و«قسد» تجربة سياسية وعسكرية لا يمكن تجاهلها بينما تتطلب المرحلة الراهنة أسلحة من نوع آخر: البناء الدستوري، والتطوير التشريعي، والعمل النيابي، والعمل المدني.
قد يكون من المبكر الحكم على قرار حل «قسد»، فالتاريخ يمنح الاتفاقات معناها الحقيقي من خلال نتائجها ومساراتها اللاحقة. وستبقى المرحلة المقبلة مرهونة بمدى التزام الطرفين بما جرى الاتفاق عليه، وبالقدرة على تحويل الحقوق الثقافية والمدنية والسياسية للكورد إلى واقع ملموس وضمانات دستورية راسخة. وعندها يمكن تقييم حصيلة هذا التحول وقياس مدى نجاحه في تأسيس مرحلة سياسية جديدة تستند إلى الشراكة والمواطنة والاعتراف بالتنوع السوري.