× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

حي مزة جبل 86 مطلع العام 2025 © الشرق الأوسط

خَارِجَ سياقِ الأمان العالمي: اقتصاد الإيجارات في العشوائيات السورية

حكاياتنا - خبز 04-09-2026

في ظل عجز سكني يبلغ 1.7 مليون وحدة وتضخم يتجاوز 30%، تحولت عشوائيات دمشق إلى سكن باهظ التكلفة يبتلع كامل الأجور، إذ يدفع أصحاب الدخل المحدود زهاء 80% من رواتبهم لإيجار شقق متهالكة، متجاوزين بأضعاف حد الأمان المعيشي العالمي المحدد بـ 30%

ثلاثة أشهر بتمامها وكمالها، وهناء العلي تدور بين الطرقات التي تعجّ بالقمامة، والحارات العشوائية، والبيوت التي تضيع حرماتها العقارية والاجتماعية بسبب العمار العشوائي في حي المزة 86 بالعاصمة السورية دمشق، لاهثةً وراء جدران فيها نوافذ تشقّها الشمس في الصباح والهواء في المساء، وتليق بأدنى درجات العيش البشري.

بعد جهدٍ مضنٍ، حصلت هناء على منزل مكوّن من غرفتين، بفرشٍ سيئ، وبدل إيجار يبلغ 250 دولاراً شهريّاً، في إحدى حارات المزة 86 / خزان، التي يعتبر تصنيفها، بحسب أهل الحارة، جيداً.\تتقاضى الشابة الثلاثينية راتباً قدره 300 دولار شهرياً، وتسكن منذ خمسة عشر عاماً في تلك المنطقة. بدأ الأمر بدفع مبلغ 30 ألف ليرة سورية في العام 2015، أي ما كانت قيمته بين نحو 75 و136 دولاراً، تبعاً لسعر صرف الدولار في السوق الموازية في دمشق (تراوح وقتذاك بين 220 و398 ليرة سورية للدولار الواحد).لا يقتصر هذا الحال على المزة 86 فحسب، بل يمتد إلى عشّ الورور، عشوائيات حي برزة، وشارع النسرين، عشوائيات حي التضامن، وحي الورود، عشوائيات قدسيا، وغيرها.

تجاوز خطير للمعدلات العالمية

يشير تقرير لبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية حول تحديات القدرة على تحمّل تكاليف السكن عالمياً، إلى أن الإنفاق على الإيجار يجب ألّا يتجاوز 30% من الدخل الشهري للفرد، فيما تذهب نسبة 70% من الدخل إلى مصاريف الحياة الأخرى. لا مكان لهذه القاعدة في سوريا، إذ تدفع هناء العلي، مثلاً، أكثر من ثلاثة أرباع راتبها للإيجار، ويشرح الدكتور في الاقتصاد علي محمد هذه القاعدة لـ صوت سوري قائلاً: «30% وأقل يُعتبر عبء الإيجار ضمن مستوى آمن للأسر، ومن 30% إلى 50% مستوى أمان متوسط لعبء الإيجار على الأسرة، وأكثر من 50% يُعتبر عبئاً مفرطاً، ما يؤدي إلى وجود فجوة كبيرة بين الدخل وتكلفة الإيجار لمنزل في العشوائيات، بمتوسط 200 دولار، أي ما يعادل تقريباً دخل موظف، وبالتالي يكاد الإيجار يبتلع كامل دخل المواطن السوري».

لم يحدد القانون السوري بدلاً موحداً أعلى أو أدنى للإيجارات بحسب المنطقة، بل أخضع القانون رقم 10 للعام 2006، عقود الإيجار الجديدة لإرادة المتعاقدين

وعن ارتفاع أسعار الإيجارات، يتحدث حيدر محمد، وهو صاحب مكتب عقاري منذ 25 عاماً في حي المزة 86، لـ صوت سوري، قائلاً: «لم تكن عشوائيات المزة 86 يوماً ذات إيجارات رخيصة للناس، بسبب قربها من مركز المدينة. في التسعينيات، كان إيجار الشقة بين 200 و700 ليرة سورية، حسب المنطقة، بينما كانت أفضل شقة في منطقة عشوائية أخرى بـ 300 ليرة سورية». وأشار إلى أن طلبات المؤجرين اختلفت اليوم، قائلاً: «يطلب المؤجرون اليوم إيجار ثلاثة أو ستة أشهر سلفاً في المناطق العشوائية، وهذا يجعلها مقبولة للبعض، خلافاً للمناطق النظامية التي يطلب فيها المؤجر 12 شهراً سلفاً، إضافة إلى الدفع للمكتب العقاري الذي يأخذ من المستأجر أجرة شهر كامل كونه وسيطاً. بالنتيجة، هذا عرف لا يمكن أن يتم تجاوزه، وإن لم يرضَ المستأجر، هناك الكثيرون ينتظرون على الدور».

لم يحدد القانون السوري بدلاً موحداً أعلى أو أدنى للإيجارات بحسب المنطقة، بل أخضع القانون رقم 10 للعام 2006، عقود الإيجار الجديدة لإرادة المتعاقدين، ونظّم بعض أحكام العلاقة بين المؤجر والمستأجر.

دوْلَرة العقارات وفجوة السكن

تعاني سوريا عموماً من أزمة سكن، إذ بلغ عدد المنازل المدمرة والمتضررة ضرراً حاداً وكاملاً 1.3 مليون منزل، بينما يُقدر العجز الناجم عن معدلات النمو السكاني الطبيعي بـ 400 ألف وحدة سكنية، ليبلغ العجز السكني الإجمالي 1.7 مليون وحدة سكنية، حسب التصريحات الرسمية للمؤسسة العامة للإسكان. ويعتبر الدكتور علي محمد أن هذا العامل، إضافةً إلى عودة نحو 1.7 مليون لاجئ سوري وتوطّن 1.9 مليون نازح في أماكنهم الأصلية بعد سقوط النظام، زاد الطلب على الإيجارات بشكل كبير. وتوجد في سوريا 157 منطقة عشوائية تختلف عن المناطق المنظمة في مستوى الخدمات المقدمة، من مياه وكهرباء ومواصفات للمنازل، وبالتالي فإن المناطق العشوائية هي ملاذ الناس الذين أتوا ويريدون الاستقرار في البلاد في ظل هذا التضخم.

بلغ عدد المنازل المدمرة والمتضررة ضرراً حاداً وكاملاً 1.3 مليون منزل، بينما يُقدر العجز الناجم عن معدلات النمو السكاني الطبيعي بـ 400 ألف وحدة سكنية، ليبلغ العجز السكني الإجمالي 1.7 مليون وحدة سكنية

في هذا السياق، أصدر المركز السوري لبحوث السياسات في نيسان/أبريل الماضي دراسة ضمن النشرة الشهرية للرقم القياسي لأسعار المستهلك والتضخم، حدّد فيها مستويات خطوط الفقر للأسر السورية، ليبلغ خط الفقر الأعلى ما يزيد عن 7.26 مليون ليرة سورية للأسرة شهرياً، ويشمل الغذاء والطبابة والسكن والإيجارات والخدمات الأساسية. وأشارت الدراسة إلى أن أجور موظفي القطاع العام من حملة الشهادة الجامعية لا تغطي سوى 15.6% من خط الفقر الأعلى، بينما تغطي أجور القطاع الخاص 38.5% فقط، وبالتالي يحتاج جميع أفراد الأسرة إلى العمل ليستطيعوا العيش عند الحد الأعلى لخط الفقر.

يتابع الدكتور علي محمّد حديثه عن أسباب ارتفاع الإيجارات في المناطق العشوائية بدمشق، شارحاً أن تضخم أسعار المستوردات والمواد الداخلة في عملية التشييد والبناء يلعب دوراً كبيراً في ارتفاع أسعار الإيجارات، وخصوصاً أنها تنعكس على قيمة العقار، بغض النظر عن أماكن وجود العقارات في المناطق العشوائية أو النظامية، إضافةً إلى «دولرة القطاع»، قبل سقوط النظام وبعد سقوط النظام، أي إن القيمة كانت وما زالت تحدد بالقطع الأجنبي، وإن كانت بالمخفي قبل سقوط النظام، ودائماً ما كان يُحسب سعر الصرف على سعر السوق السوداء.

استقرار موهوم واستمرار للضغط

بين العامين 2020 و2022، شهدت المناطق العشوائية بدمشق ثباتاً في أسعار الإيجارات. وحسب صاحب المكتب العقاري، تراوحت بين 700 ألف ليرة سورية، أي 50 دولاراً، ومليون ونصف مليون ليرة سورية، أي ما يعادل 107 دولارات تقريباً، حسب سعر الصرف حينها، وذلك بسبب ضعف الطلب وتوافر المساكن، رغم وجود فجوة كبيرة بين الأجور والمصاريف الشهرية للناس. بينما يرى الدكتور علي محمد أن الثبات في تلك الفترة كان جزئياً وليس كلياً، استجابة لقوانين العرض والطلب، ولأن المناطق السورية كانت مقسمة، ومع ذلك كانت نسبة التضخم مرتفعة، إذ بلغت 59% كناتج كلّي.

يشير الخبير إلى أن نسبة التضخم اليوم، تبلغ 30%. ورغم النسب المرتفعة للتضخم والأجور العالية للمنازل التي لا تناسب الدخل، يعتبر البحث عن علبة كبريت قابلة للسكن في العشوائيات حلماً جعل هناء العلي تبحث عن ست ساعات عمل إضافية، لتكون لديها القدرة على الاستمرار في الدفع لمنزل لا تجلس فيه سوى أوقات النوم ويوم العطلة.

الإيجارات_في_سوريا أزمة_السكن_في_سوريا عشوائيات_دمشق

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0