كثيراً ما يُردد الكورد مقولة «ضرورة الاعتراف باللغة الكردية عملياً»، لكن ماذا يعني ذلك واقعياً؟ وهل يرتبط بمفهوم المواطنة المتساوية وفرض التعليم والتعامل بها دستورياً؟
يستعرض المترجم واللغوي عبدو شيخو، المقيم في ألمانيا، هذا التساؤل موضحاً: «في الدول التي تعترف بأكثر من لغة رسمية، يعني ذلك تحقيق المساواة التامة في الحقوق والامتيازات لجميع تلك اللغات. يتوجب التعامل بها باعتبارها لغة مخاطبة رسمية للدولة، ورصد ميزانيات عادلة لتطويرها ونمذجتها. هذا يعكس بالضرورة اعترافاً بالهوية القومية والثقافية والسياسية لأصحابها، وتوفير فرص حقيقية في المؤسسات لإعلاء شأنها عبر سائر الأدوات والإمكانيات الحكومية».
يرى شيخو أن الهدف الأسمى هو «دمج اللغة في التعامل الرسمي للحكومة مع مواطنيها واستخدامها في جميع الميادين التي تخلق التواصل المعرفي والتعليمي والرسمي وفي تعاملات المواطنين مع مؤسسات الدولة». كما يعترض على اقتصار الاعتراف بالجانب الرمزي فقط، قائلاً: «الاكتفاء بالرمزية يحمل غايات سياسية ضيقة وآنية تهدف لتلميع صورة السلطة الحاكمة والتظاهر بالعددية والتنوع، دون إرادة حقيقية بالإنصاف، ما يجرّد النص الدستوري من أدواته المؤسساتية والتطبيقية».
التعليم: معركة نقل اللغة إلى عصر العلوم
من المستحيل تقريباً أن تجد كورديَين يتحدثان بالعربية فيما بينهما، وهي عادة ربما تعود إلى تأكيد الهوية والتشبث باللغة في وجه محاولات الطمس. فالطفل الكوردي يتعلم لغته في المنزل، لكنه حين يصطدم بعدم قراءتها أو كتابتها في المدرسة يتسرب إليه الإحباط.
عن هذا التحدي، يتحدث الكاتب والصحفي عباس موسى، مؤكداً أن الكورد تجاوزوا مرحلة الخوف على لغتهم من الانقراض، وأن المطلب التعليمي اليوم يحمل أبعاداً أكبر: «التعليم باللغة الكوردية مطلوب ليس فقط لنقلها للأجيال، بل لأن للتعليم دوراً في نقل اللغة من مجرد أداة تواصل إلى انخراطها في العلوم وتعيين قواعدها، وبالتالي ربطها بالحياة المعاصرة».
ويطالب موسى بإدراج مناهج وتأهيل مدرسين واعتماد ومصطلحات حديثة، مشيراً إلى أن «أي عملية تعليمية ستكون منقوصة ما لم تتوازَ مع كوادر أُعدت وفق علوم التربية الحديثة». وعن الجانب التشريعي والسياسات، يضيف: «التشريعات والقرارات الرسمية ستظل حبراً على ورق إن لم تُوضع سياسات متماشية مع روحها، فما معنى تسمية اللغة بـ "الوطنية" وتدريسها في حصص محددة دون تهيئة الأرضية؟ ينبغي تغيير رواسب السياسات الماضية والتفكير باللغة في الإعلام، والسينما، والمؤتمرات، ودور الثقافة، ومخصصات المطبوعات الحكومية».
وحول مواكبة الحداثة، يرى موسى أن تجارب جهود فردية ومؤسسية أثبتت قدرة اللغة على التطور: «يجب التعامل مع المصطلحات الحديثة بطريقة براغماتية دون تقعير للغة، واقتراض المصطلحات العالمية اللاتينية عند الحاجة. هذا رهن بأهل الاختصاص، ومن هنا تبرز أهمية دعم السلطات لافتتاح مجمع للغة الكردية وإصدار معاجم تخصصية. فما دامت اللغة تملك قواعد مكتوبة وناطقين ومؤلفين، فهي قادرة حتماً على استيعاب العلوم والمعارف».
الأسرة والشارع.. الحاضنة الشعبية والأولى
يلاحظ المتجول في الأسواق كيف تتحدث النساء الكورديات (خاصة من جيل الستينبات وما قبل ممن لم ينخرطن في التعليم) بلغتهن الأم مع الباعة سواء كانوا عرباً أو من قوميات أخرى. فهن يجاوبن بالكوردية أو بعربية مكسورة تطغى عليها الألفاظ الكردية، ويتواصلن بها حتى مع صديقاتهن العربيات.
«التشريعات والقرارات الرسمية ستظل حبراً على ورق إن لم تُوضع سياسات متماشية مع روحها، فما معنى تسمية اللغة بـ "الوطنية" وتدريسها في حصص محددة دون تهيئة الأرضية؟»
يقول عبد الحليم حجي، وهو مدرس لغة عربية من أهالي الحسكة: «اللغة لا تعيش في القوانين فقط، بل في العادات اليومية، زرعنا في الجيل الجديد أن اللغة هي مصدر فخر».
يفرد عبد الحليم صوراً لأحفاده المغتربين في النمسا متابعاً: «أوصيت أبنائي ألا تؤثر الهجرة على لغتهم، طلبت منهم إتقان لغة البلد المضيف، دون نسيان لغتهم الأصلية، والتحدث مع أطفالهم بالكوردية لتظل لغة معيشة وذاكرة ثقافية، إلى جانب إرسالهم لمدارس توفر تعليماً للكوردية».
الإعلام والثقافة والتحول الرقمي
حول دور الإعلام والأدب في تنشيط اللغة ومواكبة العالم الرقمي، تتحدث الناشطة والإعلامية أفين يوسف قائلة: «يجب أن يكون للإعلام دور في تحديث اللغة. في العقود الماضية حالت العوامل الأمنية دون ذلك، واليوم رغم زوال تلك العوامل، تقف عقبات أخرى مثل ضعف الكوادر المهنية والبرامج التي تهتم بنشر الثقافة الكردية».
وتتابع: «الأمر ينطبق على الأدب الذي لا يجد اهتماماً كافياً، وكذلك الموسيقا والمسرح، إذ يغلب التركيز على الكم لا النوع، والتقليد لا الابتكار، رغم وجود تجارب سينمائية وموسيقية ملهمة تركت أثراً عميقاً».
وتلفت أفين إلى مسألة المحتوى الرقمي: «معظم رواد وسائل التواصل الاجتماعي من الكورد يكتبون بالعربية، والجيل الجديد يبتعد عن المنشورات الطويلة ويتجه لنماذج الفيديو القصيرة. يجب إنتاج محتوى رقمي باللغة الكوردية ومواد تعليمية مبسطة لليافعين عبر هذه المنصات، لأن بقاء أي لغة مرهون بقدرتها على إنتاج محتوى معاصر يناسب شبابها».
إدارة التنوع.. مسؤولية وطنية مشتركة
يأمل الكورد ألا تبقى لغتهم قضية تخصهم فقط، بل تغدو جزءاً من سؤال أكبر حول كيفية إدارة التنوع اللغوي والثقافي في سوريا.
في هذا الصدد يستشهد المتخصص في قضايا الحوكمة وإدارة التنوع د.زيدون الزعبي، بمدينة بولسانو (Bolzano) شمال إيطاليا، حيث تتوزع اللغة بين الألمانية والإيطالية، ويقول: «هذه المدينة باختصار تحظى باقتصاد مزدهر جداَ، تستفيد منها كل إيطاليا. في المدينة سوقان أساسيان أحدهما إيطالي وآخر ألماني، وهي مقصد للسياح الناطقين بالإيطالية والألمانية».
ويضيف «التنوع ثراء اقتصادي قبل كل شي، وحق المواطنة ليس حكراً على مواطن دون آخر، والدفاع عن اللغة الأم هو واجب على الكل. هناك حاجة كبيرة لفهم أن التعلم باللغة الأم يزيد من إنتاجية الفرد مما يؤثر إيجاباً على إنتاجية البلاد، لذا فإن مطلب تعلم اللغة الأم مطلب عام ولا يخص طرفاً دون آخر».
الواضح أن النظام السابق، سعى إلى كبت اللغة الكردية عبر منعها من التداول وإهمالها، لكنه فشل في ذلك نتيجة تشبث الكورد بلغتهم، وتستمر مطالبهم الحالية في حمايتها فعلياً، الأمر الذي لن يتحقق عبر قرار قانوني وحده، وإنما عندما تُصبح اللغة في حالة طبيعية بالمدرسة، والبيت، والإعلام، والثقافة والحياة اليومية.