× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

رسم مولّد بالذكاء الاصطناعي

أزمة الرمز الجامع في سوريا.. كيف قتلت الحرب شرعية البطل؟

عقل بارد - على الطاولة 06-09-2026

من الشعراء والساسة التاريخيين إلى نجوم الفن والرياضة، كيف قتلت الحرب السورية فكرة «الرمز الجامع»؟ في مجتمع شطّره الاستقطاب وأنهكته أزمة الثقة، لم يعد الخلاف متعلقاً بغياب الشخصيات الوازنة، بل باستحالة الاتفاق على ذاكرة مشتركة تحول دون محاسبة الماضي والحاضر بعيون الانقسام

درجت المجتمعات البشرية على أن تكون لها شخصيات تمثل رموزاً جامعة. قد تكون الشخصية نبياً أو رسولاً أو مرشداً أو هادياً أو قديساً أو شاعراً أو بطل حرب، إلخ. وحتى الشمس والقمر والصخرة والنار كانت رموزاً في حقب زمنية بعيدة، كما تخبرنا الميثولوجيا عن التفاف الناس حول شخصيات محورية في معتقداتهم، مثل عشتار عند الرافديين، وأفروديت وزيوس وأخيل وأوروبا، ذات الأصل الفينيقي، في الميثولوجيا الإغريقية، وغيرهم من الآلهة وأنصاف الآلهة والأبطال.

في عصرنا الحالي قد يكون الرمز فناناً أو رياضياً أو مثقفاً أو سياسياً أو مشتغلاً في الشأن العام. وهذه سمة مشتركة بين شعوب الأرض قاطبة، بل إن الرمز قد يتعدى محليته نحو العالمية، وهو ما أصبح أكثر سهولة في عصر تقانة المعلومات وسيل الأخبار الجارف في زمن العولمة.

من الرموز إلى الانقسام

لا يشترط أن تحظى شخصيات الرموز بإجماع كامل أو مطلق، وإن حدث هذا الأمر فسيكون نادراً للغاية. لكن القصد أن تنطلق الشخصية من ملامح القبول المجتمعي، لتكتسب صفة الرمز الجامع للفئة الأكبر. وفي سوريا، كان الحال مشابهاً، ولم يخرج عن إطار هذا العرف.

في التاريخ القريب، عرفت سوريا حالات من القبول الواسع لشخصيات سياسية، مثل فارس الخوري وشكري القوتلي وهاشم الأتاسي وسلطان باشا الأطرش وغيرهم. والأمر ذاته انسحب على الفن والرياضة والثقافة والأدب والشعر. لكن بعد 2011، بدا أن المفاهيم المتعارف عليها بدأت بالانهيار، ولم يعد هناك مجال للاتفاق على رموز مرحلية، بل انسحب الخلاف على الماضي أيضاً، ليطال شخصيات ورموزاً كانت تبدو لسنوات طويلة خارج دائرة النزاع.

لم يعد الخلاف إذاً متعلقاً بغياب الشخصيات الوازنة، بقدر ما بات مرتبطاً بالقدرة على النظر إليها بوصفها جزءاً من ذاكرة مشتركة. الحرب لم تنتج رموزاً جديدة فحسب، بل أعادت أيضاً تفسير الرموز القديمة من مواقع الانقسام نفسها.

بلا شك، أعادت الحرب السورية تشكيل الذاكرة الجمعية للناس، وصارت الروايات الفردية والجماعية أكثر من أن تُحصى. وفي هذا السياق، يقول الباحث في علوم التاريخ أمجد حسّان لـ«صوت سوري»: «من الطبيعي، حين نتحدث عن شرذمة فكرية كاملة لمجتمع، ألّا يعود معها قادراً على إنتاج رمز جماعي يحظى باعتراف. تحاول السلطة فرض رموزها بالقوة، فيما المجتمعات المناوئة لها ترفض الأمر وتتمسك برموزها، وحتى داخل المجتمعات نفسها قد يبرز انقسام على الرموز ذاتها».

ويتحدث حسّان عن قدرة الأحداث الكبرى على إعادة تشكيل صورة الأبطال في الذاكرة العامة، مستشهداً بنابليون بونابرت الذي انتقل، خلال حياته، من صورة البطل القومي إلى المنفى، وبالجدل الذي رافق إرث لينين وستالين بعد تفكك الاتحاد السوفييتي. ويقول: «أمثلة التاريخ لا تنتهي، وكلها ترتبط بتغيرات المزاج الشعبي التي تفرضها تقلبات الحروب والسياسة، بل والدين أحياناً. الرمز قد يتحطم سريعاً ضمن حيز زمني ضيق ويُنسى، وقد تحيا ذكراه بعد سنين طوال. وفي الحرب السورية، ينطلق تقييم الشخصية من دورها في الرواية لا من إنجازها الفعلي».

ما هي «الذاكرة الجمعية»؟

صاغ عالم الاجتماع الفرنسي موريس هالبفاكس مفهوم «الذاكرة الجمعية»، ويشير إلى مجموع الذكريات والتصورات والخبرات التي تتشاركها جماعة معينة، وتؤدي دوراً محورياً في تشكيل هويتها وصورتها عن ماضيها. وحين تتفكك هذه الذاكرة أو تنقسم رواياتها، يمكن أن تتحول الرموز والشخصيات والتراث المشترك من عناصر وصل إلى موضوع للنزاع وإعادة التأويل.

بدوره، يرى الأكاديمي في التاريخ موفق صوفان أن «الاستقطاب داخل سوريا اليوم هو ما يجعلها عاجزة عن صناعة رمز شعبي يرقى إلى مكانة البطل، وبالتالي، إنتاج شخصية عابرة للانقسام هو أمر شديد الصعوبة. اليوم، السياسي والعسكري والإعلامي والأديب والفنان والمثقف والأكاديمي، مهما بلغ علو شأنه انطلاقاً من جنسيته السورية، لن يُنظر إليه بصفته صاحب منجز بقدر ما سيُنظَر إليه كقطعة شطرنج في سردية أخرى».

ويعتقد صوفان أن المنطق السائد في سوريا اليوم لا يمكن أن ينتج إجماعاً، ويضيف: «لاعب كرة القدم ليونيل ميسي كاد يصير رمزاً أممياً كغيفارا، على اختلاف ما قدمه الاثنان، لكن في سوريا، يُنظر إلى لاعب كرة القدم بحسب مواقفه قبل سقوط نظام الأسد في 2024، بعيداً عن دوره المرتبط بإسعاد الجماهير لا توجهاتهم السياسية، وهذه عقدة سياسية تتكرر في التجارب الدولية المشابهة».

ضفة واحدة

يرى أستاذ العلوم السياسية بهجت المصري أن المشكلة مركبة، وأن تفكيكها شبه مستحيل طالما أن البلاد تمر بمرحلة انتقالية غاية في التعقيد، ويبرر رأيه بالقول: «لا توجد شخصية واحدة اليوم قادرة على القفز فوق الانقسامات، المجتمع السوري وصل إلى حالة تاريخية غير مسبوقة في خطاب الإقصاء والكراهية. حتى في زمن البعث القمعي، كان الفن رسالة جامعة نجحت في تأدية دورها، وأحياناً بخرق المحرمات، كما في مسرح دريد لحام وهمام حوت، أو في أدب سعد الله ونوس وممدوح عدوان ومحمد الماغوط، أما اليوم فقد تلاشت قدرته على مخاطبة الجميع لصالح التقوقع داخل العشيرة والطائفة والمنطقة، والخطاب الأحادي الذي ينظر للجميع بعين المجتمع الذي يجب أن يكون قهراً على ضفة واحدة».

الأزمة في سوريا اليوم لا ترتبط بغياب الشخصيات الفاعلة والوازنة في مختلف المجالات والأرجاء، بل بالاختلاف الواقع حولها وحول دورها في الفضاء العام نفسه. وهذا ما يحجب عنها، وسيظل يحجب، فكرة أن تكون «رمزاً جامعاً»، لأن الأيديولوجيات والدعاية الأحادية وتمجيد الإقصاء تمكنت من تكريس الانقسام إلى درجة بات فيها نزار قباني، الذي توفي قبل نحو ثلاثة عقود، شبه متهم لأنه كتب يتغزل بحرب تشرين 1973، وهي الحرب التي ألغت السلطات الحالية الاحتفال بذكراها واعتبارها مناسبة رسمية. وكذلك غابت قدسية شهداء السادس من أيار قبل قرن، حين أُلغي الاعتراف بعيدهم أيضاً. فمن أين سيجد السوري رمزاً قديماً أو جديداً يلتف حوله؟

حين يتغير معنى البطل

لا تبقى صورة البطل ثابتة في الذاكرة العامة. أظهر عالم الاجتماع الأميركي باري شوارتز، في دراسات عن صورة أبراهام لنكولن، كيف أعادت أجيال مختلفة تفسير الرجل نفسه واختيار صور مختلفة منه للاحتفاء بها، تبعاً لتحولات المجتمع وأسئلته السياسية والأخلاقية. وهكذا، لا تتغير الشخصيات وحدها، بل تتغير أيضاً المعاني التي يحمّلها المجتمع لهذه الشخصيات.

أزمة ثقة

هل المشكلة في الأشخاص أم في المجتمع نفسه؟ من هذا السؤال يجب الانطلاق فعلياً لفهم كيف يمكن لمجتمع ألّا ينجب أبطالاً يلتف حولهم، أو يحافظ على سيرة القدامى منهم ليفتخر بها.

في هذا السياق، يرى القاضي محمود سليمان أن «المجتمع الذي عاش حرباً طاحنة لسنوات طويلة سيخرج منها فاقداً للثقة بالآخر تماماً، وبالتالي ستهتز الثقة الاجتماعية بالشخصية المعروفة والمنجزة، مهما بلغت من أهمية. وحين توجد شخصية يمكن أن يكون الالتفاف حولها معقولاً، ينصب الاهتمام على منطقتها ومنطقها وطائفتها، حتى وإن كانت قد فارقت الحياة».

ويستعرض سليمان خلال حديثه ما وصفه بالأمر الغريب حول محاسبة فنانين، أو طلب محاسبتهم، أو تقديم شكاوى بحقهم، لأنهم مدحوا الأسد وجيشه في حفلاتهم، معتبراً أن ذلك كان ضرورة لمرحلة لم يكن يُسمح فيها بالقيام بغير ذلك، وإلا لكانت العواقب وخيمة عليهم. ويضيف: «فالولاء في عهد الأسدين كان بوابة الاستمرار قبل الامتياز. أصالة نفسها غنّت للأسد قبل أن تصير من أبرز معارضيه، والفنان الذي لم يغنِّ يوماً لرئيس يُنظر إليه بعين الشك، لأنه لم يغنِّ للثورة مثلاً، حتى لو لم يكن سورياً. وهذا الأمر بحد ذاته غريب، سمعت في أحد المجالس سؤالاً يتعلق بسبب عدم غناء فيروز للثورة السورية؟!».

هنا لا يعود المنجز وحده معياراً للحكم على الشخصية العامة، بل يصبح موقعها من الصراع جزءاً من تقييمها. وهكذا، يمكن أن يتحول الفنان من صوت يُنظر إليه بوصفه جزءاً من الذاكرة الثقافية السورية إلى شخصية تُستدعى مواقفها السياسية أولاً، ثم يُعاد النظر في كل ما قدمته على ضوء تلك المواقف.

ماذا تقول التجارب المشابهة؟

توضح التجارب الدولية في الحروب والنزاعات المشابهة للحرب السورية في العصر الحديث أن الأمر لا يختلف كثيراً، فكلما تقدمت كفة الحرب أو طال أمد الانقسام، تراجع إجماع الناس على شخصيات بطولية تحظى بمحبة وتأييد خارج نطاق الموقف السياسي المفروض، تبعاً للظرف الراهن، قبل أن تستتب الأمور بشكل أو بآخر، وهو ما يحتاج إلى سنوات تقصر أو تطول.

يقول الدكتور في التاريخ المقارن إلياس مخول لـ«صوت سوري»: «لننظر إلى السودان وأقوى رجالها، هل هناك أفضلية جامعة للبرهان أو حميدتي؟ وفي اليمن، هل نجح الحوثي أو خصومه في صناعة بطل جامع للطرفين؟ وفي ليبيا، هل نجح حفتر أو حكومة طرابلس في الأمر ذاته؟ هذه أشياء تحدث أمامنا اليوم وتطابق حالتنا».

ويضيف: «في جنوب أفريقيا نجح مانديلا في أن يكون أسطورة شعبه، ولكن بعد ماذا وكم قدم في سبيل ذلك؟ وذلك لم يكن عن عبث بطبيعة الحال، لأن المرحلة التي تلت وصوله إلى الحكم ارتبطت بمحاولة معالجة إرث الانقسام والمظالم. وفي فلسطين التي تعاني الاحتلال منذ عقود، يجدر السؤال: كم تمكنت من أن تنجب رموزاً تحظى بإجماع بعد غسان كنفاني وناجي العلي وليلى خالد وغيرهم؟ ثم بعد ذلك ماذا حصل؟ صارت كل فئة تنتج بطلاً أيديولوجياً لا يتفق عليه الفلسطينيون عامةً».

لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا

تُعد تجربة جنوب أفريقيا واحدة من أبرز أمثلة العدالة الانتقالية بعد نزاع طويل وانقسام مجتمعي عميق. ارتبط الانتقال الديمقراطي بقيادة نيلسون مانديلا، وبإنشاء «لجنة الحقيقة والمصالحة» التي اعتمدت جلسات استماع علنية وشهادات للضحايا والجناة، إلى جانب مقاربة هدفت إلى كشف الانتهاكات ومعالجة إرثها.
ولا يمكن اختزال رمزية مانديلا في هذه اللجنة وحدها، لكن التجربة تشير إلى أن بناء مساحة مشتركة لمواجهة الماضي ومعالجة المظالم قد يساعد المجتمع على إعادة إنتاج رواية وطنية أقل انقساماً، ويفتح المجال أمام رموز تتجاوز الاصطفافات التي خلّفها النزاع.

وبالعودة إلى سوريا، فالحل يكمن، بحسب مخول، في أن يتصالح الشعب بعضه مع بعضه الآخر، وحينها ينتج أبطاله بيسر شديد، «ولكن ذلك يتطلب إطفاء كل هذه الحرائق في البلاد أولاً».

هل يعود «البطل»؟

لا تبقى المجتمعات البشرية على حال واحدة، فهي تخضع لتحولات تغير في شكلها ووظيفتها وذاكرتها ومعرفتها تبعاً لظرفها العام. ومن هذا المنطلق، يمكن أن تنجب سوريا، بدل البطل الواحد، أبطالاً، وليس شرطاً أن تنجبهم من رحم السياسة والمعارك، فالمجالات الأخرى كثيرة، وكل ذلك لا يزال مقروناً باتساع المساحات المشتركة بين القوميات والطوائف على كثرتها.

في هذا المقام، لا ينبغي أن يكون السؤال: أين اختفى الأبطال؟ بل: متى سيظهرون؟ وهل أصبح إنتاجهم صعباً أو مستحيلاً؟ خاصة أن لا بطل يُصنع بقرار، بل بقيمة عليا يقدمها في شأنه ومجاله ومكانه.

وفي الحالة السورية، يرتبط ذلك أولاً باستعادة مساحات الفضاء العام، ورأب الصدع وفتح المجال لحوار لا يقوم على الإقصاء. فالرمز الجامع لا يحتاج إلى إجماع مطلق، بقدر ما يحتاج إلى حد أدنى من الاتفاق على أن منجزه أكبر من موقعه في الاصطفاف السياسي أو الهوياتي. وحين تتوافر هذه المساحة، يصبح الاختلاف حول الشخص أمراً طبيعياً، لا دليلاً على استحالة الاجتماع حوله.

قد يولد البطل تلقائياً في لحظة اصطفاء مؤاتية، لا لأنه الأكثر استثنائية في زمانه أو أزمنة مضت، بل لأن المجتمع صار جاهزاً لتلقفه والالتفاف حوله. وعندها، ربما لا يكون السؤال من هو البطل، بقدر ما يكون: هل صار المجتمع نفسه مستعداً لأن يعترف به بطلاً؟

الرموز_الجامعة_في_سوريا الأعياد_الوطنية_في_سوريا

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0