تختلف طرائق ملء وقت الأطفال في عموم محافظة الحسكة، تبعاً للوضع المادي والمستوى التعليمي للأسرة. ففي السابق، كانت بعض الأسر تفضّل إرسال أبنائها للعمل في المنطقة الصناعية، رغم المخاطر والصعاب. ومنهم من كان يُخضع أبناءه لدوراتٍ تدريبيّةٍ في السّباحة واللغات الأجنبية والموسيقى، وقسم ثالث كان يُرسل أبناءه في المرحلة الابتدائيّة إلى حلقات تعلم القرآن في الجوامع، وقسم يفضّل ترك المجال لأبنائه للعب في الشّوارع والملاعب، أو قضاء الوقت في المنزل أمام التلفاز أو أجهزة البلاي ستيشن. كل ذلك قبل سنوات الحرب، بل وقبل دخول وسائل التواصل الاجتماعي والألواح الرقمية والأجهزة الذكية، التي أثرت بدورها كثيراً على مجمل تفاصيل تنشئة الأجيال، عدا أنّ أطفال المخيمات يُشكّلون مجتمعاً خاصاً مليئاً بالمخاوف وضياع الطفولة.
أجساد غضة تحت عبء الإعالة
زيارة المنطقة الصناعية في الحسكة، تعني العودة بكمياتٍ من الزّيوت والشحوم والأتربة، وعموم المواد السامة، هذا حال الكبار، فما بالك بالصغار؟! لا حاجة لعناء البحث طويلاً، ففي معظم الورش هناك من هو دون سن الـ 18 عاماً، يحمل أوزاناً تفوق وزنه، ويتحمل مشاق العمل وصياح أقرانه، وحديث معلمه في العمل.
يقول طارق لـ صوت سوري: «بمجرد أن أتممت امتحانات الصف الخامس، قال لي والدي: اذهب إلى صديقي الميكانيكي وتعلّم الصنعة». مضيفاً: «تعلمت أسماء الأدوات المستعملة في فك وتركيب القطع، وبعض أسماء المحركات، أصل إلى البيت وما هي إلا لحظات حتى أغفو دون إرادتي. لا أعرف ما هو التلفاز، ولا المسبح، ولا اللعب. اشتقت كثيراً لكرة القدم، فقط أن أركل الكرة في أحد الشوارع، لكن والدي لا يسمح لي سوى بالعمل في هذا المكان الوسخ، وكل ذلك لقاء أجر أسبوعي يتراوح بين 8-10$».
عمالة الأطفال لا تقتصر على المنطقة الصناعية فحسب، فأسواق القامشلي تضج بأصواتهم، وهم ينادون المارة لشراء ما يُساهمون في بيعه. يقول أنس يونس (13 عاماً): «أحصل على 2$ في اليوم، أساعد به أهلي في مصروف المنزل». يغمض عينه ويتلعثم بالحديث قائلاً: «نسيت الألعاب وكل ما له علاقة بالراحة خلال الصيف».
دخلت معدّة التقرير إلى أحد المراكز الخاصة بالأطفال في القامشلي، حيث بدا المشهد مُغايراً: أجهزة تكييف، وأنشطة تطبيقية وترفيهية وغيرها. تقول ميادة عبدالله لـ صوت سوري: «يجتمع لدينا أطفال الأغنياء والطبقة الوسطى أيضاً. نتقاضى رسوماً تتيح استقبال أكثر من شريحة، يتلقون دروساً في الحساب الذهني، والإنكليزيّة والكوردية، وأحياناً نأخذهم إلى المسبح أو المطعم، لكن رسوم هذه الزيارات يتحملها الأهالي. قسم منهم لا يُرسل أبناءه، إذ يُطلب من كل طفل مبلغ يتراوح ما بين 5-8$، عدا عن الاشتراك الشهري البالغ 60$، يُضاف إليه مبلغ 30$ لمن يرغب أن يعتمد على مواصلات المركز». مضيفة: «توجد مراكز أخرى تصل رسوم الاشتراك فيها إلى 150$ ما بين المواصلات والتسجيل».
تقول لافا، وهي طفلة لم يتجاوز عمرها 10 سنوات: «والدي وفّر لي ولأخي الأصغر كل شيء، نأتي للمركز، ونذهب للمطعم والمسبح، نتعلم الموسيقى والرياضيات، وفي فترة المساء غالباً يأخذنا والدنا إلى الزيارات والأماكن المختلفة».
«لا أعرف ما هو التلفاز، ولا المسبح، ولا اللعب. اشتقت كثيراً لكرة القدم، أريد فقط أن أركل الكرة في أحد الشوارع»
من جهته، يقول عصام الدين بشار، من أهالي الحسكة ولديه ثلاثة طلاب في المرحلة الابتدائية: «التحديات تتشابه في أغلب الأماكن والمنازل، من انقطاع دائم للكهرباء، وضعف مستوى النخب التربوية، وضعف الرواتب التي تؤثر على مستويات التعليم». ويضيف: «لدي رغبة كبيرة في تسجيل أبنائي في المراكز الصيفية، لكن ضغوط الحياة تؤثر على نفسياتنا، وضعف المعيشة يجعل تسجيلهم من الكماليات. لهذا أصطحب أبنائي إلى مكان عملي في أحد محال الصرافة، يجلسون ويقرؤون بعض الكتب، ويُساعدونني في بعض الأمور، وفي ظل غياب مركبة خاصة وغلاء أسعار المواصلات، لا يمكن للآباء تسجيل أبنائهم في أي مكان. أعتقد أن الحسكة هي قرية وليست محافظة»، مختتماً حديثه بالقول: «أنصح كل أب يرغب في تعليم أبنائه أو زجّهم في سوق العمل، أن يرسلهم إلى أحد محال الصرافة، ليتعلموا البيع والشراء، وهي أشبه بالرياضيات والحاسوب، خاصة أن غياب الأنشطة الترفيهية مثل الرياضة وغيرها يؤثر على مستواهم وتنميتهم، ويجدون أنفسهم في أماكن غير التي يحلمون بها».
خارج نطاق التغطية والتعليم..
تكاد تتشابه حياة الأطفال في القرى، خاصة البعيدة منها عن مراكز المدن، حيث لا تعليم ولا مدارس ولا مراكز ترفيه. تقول حافظة علي، من أهالي قرى منطقة آليان في كركي لكي/ معبدة: «منذ أكثر من عامين والمدارس متوقفة، بسبب الصراع التعليمي بين الإدارة الذاتية والحكومة السورية، وأطفالنا ينتقلون للصفوف الأعلى، دون تعليم، ولا كتاب مدرسي، ولا مذاكرات، فقط يتقدمون شكلياً إلى الامتحانات النهائية في الفصل الثاني». تضيف: يمضي ابني غالب (9 أعوام)، الوقت في اللعب بالهاتف، رغم وجود الملاعب والساحات الكبيرة، لكنه يفضل الأجهزة الإلكترونية، حقيقة أخشى عليه». تؤكد حافظة أن القضية عامة وليست خاصة بفئة مُحددة: «تتشابه قصص الأطفال هنا كثيراً، الأغنياء والفقراء، من هاجر والده للعمل، أو من بقي يعمل في الأرض أو بوظيفة حكومية أو منظمة دولية، الجميع يعاني من انفصال أطفالهم عن التعليم والأنشطة، وانصرافهم إلى ألعاب البوبجي وما شابه. في الواقع نشعر أن أبناءنا مفصولون عن الواقع، والتعليم أصبح آخر اهتماماتهم».
«أطفالنا ينتقلون للصفوف الأعلى دون تعلّم، ولا كتاب مدرسي، ولا مذاكرات، فقط يتقدمون شكلياً إلى الامتحانات النهائية في الفصل الثاني»
في أحد المخيمات المخصصة للمُهجرين من رأس العين/سري كانيه، في الحسكة، نتعرف على حجم المآسي وغياب معنى الطفولة. تقول أم عبدالله: «أبنائي الثلاثة يلهون في الشارع، ليس لدينا المال الكافي لشراء الموبايلات الحديثة لهم، ويتحسرون على أجهزة بعض أقرانهم، لكن المخيم مهمش ومهمل من حيث صالات الرياضة والملاعب والحدائق، ولا توجد دورات رعاية للطفولة بالشكل المطلوب، رغم عمل بعض المنظمات المدنية المحلية والدولية، لكن بشكل عام نجتاح للمزيد والكثير من دعم الأطفال».
الفاتورة النفسية للحروب
تتحدث سلالة عيسى، وهي مرشدة اجتماعية متخصصة في دعم وحماية الطفولة لدى عدة منظمات دولية ومحلية، ومديرة مركز تنموي وترفيهي للأطفال في القامشلي، عن الأبعاد النفسية والتعليمية المؤثرة في بنية الطفل وصحته العقلية. تؤكد أن «غياب الأنشطة الترفيهية وحرمان الطفل من مساحات اللعب الحرة يؤثران بشكل مباشر على النمو المعرفي وتطور خلايا الدماغ في المراحل المبكرة». وتوضح: «إن غياب هذه المحفزات يُضعف قدرة الطفل على حل المشكلات واتخاذ القرارات المستقلة. كما أن حرمان الطفل من الدعم العاطفي والوجداني ينعكس سلباً على سلوكه، فيعاني من القلق والتردد، وتظهر لديه اضطرابات حركية - سواء بالخمول أو بنشاط مفرط وغير موجه - فضلاً عن تراجع مهارات التواصل الاجتماعي وبناء الصداقات مع أقرانه».
وعن أثر الحرب وتحديات الصحة النفسية وانعكاسها على واقع الطفولة والتعليم، تشير عيسى إلى أن «الأزمات المستمرة تخلق جيلاً يفتقر إلى الأمان النفسي، ويعجز عن بناء تواصل صحي مع المجتمع»، مضيفةً: «تُجبر الحروب الأطفال على دخول مرحلة النضج قبل أوانهم، فيعيشون في حالة تأهب واستنفار نفسي دائم ترقباً للأزمات، مما يسلبهم عفوية الطفولة، نتيجة لذلك، يقع الكثير منهم ضحية لاضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD)، وما يرافقها من أعراض نفسية وسلوكية حادة».
أما على الصعيد التعليمي والتربوي، فترى عيسى أن «المنظومة التعليمية لا تقتصر على التلقين، بل هي أداة لضبط إيقاع حياة الطفل، يمنح التعليم الطفل شعوراً بالانضباط والروتين اليومي المستقر، وفقدان هذا النظام يزيد من حالة التشتت والضياع، ويفقد الطفل قدرته على السيطرة على مجريات حياته. هذا الانقطاع يدفع بالأطفال نحو العزلة الاجتماعية، ويُضعف تقديرهم لذواتهم، والأخطر من ذلك كله هو تبدد فرصهم في بناء مستقبل واعد مقارنة بغيرهم، الأمر الذي ينتهي بالكثير منهم في سوق عمالة الأطفال المبكرة».
وتتوجه عيسى، عبر صوت سوري، بنصيحة تربوية حول الحماية المفرطة وجدول الأعمال المزدحم، قائلةً: «إن الخوف الزائد على الأطفال، وإقحامهم في جدول مزدحم بالدورات والتدريبات والأنشطة المنظمة طوال الوقت لملء فراغهم، يحرمهم من تطوير مهارات اللعب الابتكاري والاعتماد على الذات. يحتاج الطفل إلى مساحة من الفراغ المحفز ليشغّل دماغه ويبتكر». وتضرب مثالاً من الذاكرة قائلةً: «حين كنا أطفالاً، كنا نلعب في المساحات المفتوحة ونخترع ألعابنا بأبسط الأدوات المتاحة، كأعواد المثلجات وبقايا الأقمشة لنصنع منها دمى. هذا النوع من اللعب الحر والابتكاري هو ما يحفز الدماغ على النمو، ويصقل الذكاء الاجتماعي، ويبني شخصية مرنة قادرة على مواجهة الحياة».