× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

من مراسم تشييع سامي شيخموس (سيبان) في الحسكة © Arta fm

أبعد من مقتل سيبان: حين تتحول جريمة جنائية إلى وقود للفتنة القومية

عقل بارد - على الطاولة 13-09-2026

بينما تنشغل بعض شاشات الهواتف بصناعة الفتنة وتوزيع الاتهامات القومية، تتحول قضية مقتل سيبان حلقة جديدة في مسلسل استنزاف النسيج المجتمعي بالحسكة. لكن هل الشارع الحقيقي هناك يشبه ضجيج منصات التواصل؟ مقال يفكك خيوط الجريمة والتوتر، ويدعو إلى فصل الهوية عن الجريمة قبل أن تحرق نار الشائعات ما تبقى من عيش مشترك

لا تحتاج جريمة كبيرة في محافظة الحسكة إلى أكثر من ساعاتٍ حتى تتحول من حادثةٍ جنائية إلى قضيةٍ عربية كوردية، وبدلاً من أن ينشغل الناس بالسؤال عن القاتل ومن يقف وراء الجريمة، يبدأ البحث عن شيء آخر: ما هي قوميته؟ عربي أم كوردي؟ ومع انتشار الروايات على مواقع التواصل، تصبح قوميّة القاتل أحياناً أهم من الجريمة نفسها، وكأنّها تكفي لفهم ما حدث.

هذا ما ظهر بعد مقتل سيبان. وهو الاسم الذي يعرف به سامي شيخموس حسو، المقاتل في لواء الحسكة التابع للجيش السوري الجديد، بعدما اختُطف يوم الخميس 10 أيلول/ سبتمبر، ليُعثر على جثّته لاحقاً، وقد قُتلَ بالرصاص. الجريمة بحد ذاتها خطيرة، والمطلوب معرفة من خطفه ومن قتله ومن شارك في ذلك، ثم محاسبته. لكن ما رافق الجريمةَ من ردود فعلٍ، نقل النقاش إلى مكان آخر. أصواتٌ تشمت بمقتله لأنه كوردي، وأصوات مقابلة ذهبت إلى تحميل المسؤولية للعرب والتحريض عليهم. وظهرت على صفحات التواصل الاجتماعي، الكوردية والعربية على حد سواء، عباراتٌ لا علاقة لها بالبحث عن الحقيقة. هناك من هلل لمقتل سيبان بسبب هويته، وهناك من دعا إلى «قتل العرب» انتقاماً، بالتزامن مع روايات عن «مجموعةٍ كوردية هاجمت قريةً عربية»، من دون أن تكون هذه الروايات قد تأكدت. وكأنّ معرفة الذي حدث لم يعد مهمّاً، بل العثور، وبأسرع وقت، على جماعةٍ يمكن تحميلها المسؤوليّة.

الشارع أهدأ من الشاشات؟

ليس كل ما يُكتب على مواقع التواصل هو صورة الشارع بالضرورة. صحيح أنّ الشارع في الحسكة ليس هادئاً، وهذا ليس سراً. هناك خوف وتوتر، والناس تعرف أن الوضع هش ويمكن أن يتغير بسرعة. لكن معظم الناس مشغولون بأمور أكثر مساساً بحياتهم: كيف يفتح صاحب المحل متجره، وكيف يصل العامل إلى عمله، وكيف تؤمّن العائلة طعامها ومصاريفها، وكيف يمر يوم آخر من دون مشكلة جديدة. يعيش العرب والكورد في المدن والقرى نفسها، ويتعاملون في الأسواق، ويتجاورون في الأحياء، وبينهم علاقات ومصالح عمرها عقود. هذا لا يعني أن الخلافات غير موجودة، ولا أن التوترات السياسية والأمنية اختفت، لكن حياة الناس اليومية أكثر تعقيداً من الصورة التي تظهر أحياناً على صفحات التواصل.

العربي الذي عاش تحت حكم حزب البعث ليس هو حزب البعث بالضرورة، والكوردي الذي يطالب بحقوقه ليس عدواً للدولة بسبب هويته

المشكلة أن مواقع التواصل تعطي مساحة واسعة لـ «الأكثر غضباً». منشور واحد، أو شائعة، أو رواية ناقصة، يمكن أن تنتشر خلال ساعات، فيما لا يجد من يريد أن يعيش بأمان وسلام فقط المساحة نفسها للتعبير عن موقفه. هكذا يمكن أن يبدو المشهد وكأن العرب والكورد يستعدون لمواجهةٍ يحاول معظم الناس، على الأرض، الابتعاد عنها. في حين لا يمكن اعتبار الكورد أعداءً للدولة لمجرد كونهم كورداً، كما لا يمكن اعتبار العرب قتلة لمجرد كونهم عرباً. ولا يجوز أن يتحمل عربي مسؤولية جريمة لم يرتكبها بسبب قوميته، كما لا يجوز وضع كوردي في خانة الاتهام لمجرد انتمائه.

أزمة الرموز والمؤسسات

عندما يرتكب شخص جريمة، يفترض أن تبقى الأسئلة في نطاق ماذا فعل؟ ومن ساعده؟ ومن خطط؟ ومن نفذ؟ هذه الأسئلة وحدها تقود إلى الحقيقة، أما البحث عن القومية أولاً، فقد يقود إلى ضحايا آخرين. وينطبق الأمر نفسه على ما جرى من تكسير للافتات واستهداف بعض الرموز العامة خلال فترة التوتر. في عامودا، جرى تكسير لافتة قيادة الشرطة التي وُضعت في المدينة يوم الخميس، في ظل الغضب الذي أعقب مقتل سيبان. وقبل ذلك بنحو شهرين، أثارت لافتة محكمة الحسكة احتجاجاً وتوتراً، وترافق ذلك مع تكسير لافتات أخرى. 

من حق الناس أن يعترضوا على مؤسسة أو ينتقدوا طريقة عملها، لكن تكسير اللافتات لن يحل مشكلة، ولن يجعل الدولة أكثر عدلاً أو المؤسسات أكثر كفاءة. وإذا كان المقصود توجيه رسالة إلى الدولة، فهناك وسائل أخرى للاحتجاج لا تحتاج إلى تحويل الخلاف إلى مواجهة مع مؤسسات عامة. وفي الاتجاه المقابل، لا يجوز استخدام هذه الحوادث لإدانة الكورد جماعيّّاً، تماماً كما لا يجوز استخدام مقتل سيبان لإدانة العرب. من ارتكب جريمة يُحاسب عليها، ومن خرّب أو اعتدى يُحاسب على فعله، من دون أن يتحول الشخص إلى ممثل عن قومية بأكملها. وهنا يظهر إرث ممارساتٍ سابقة لم تنتهِ بمجرد سقوط النظام، وإنما تركت في المجتمع رواسب من الخوف والشك والحساسيات. المرحلة السّابقة لم تترك السوريين أمام مؤسسات مدمرة فقط، بل خلّفت أيضاً علاقاتٍ اجتماعيةً وسياسيةً مثقلة بالشك، وجعلت مسائل الهوية والانتماء والأمن قابلة للاشتعال عند كل أزمة.

إرث الماضي

تعرض العرب والكورد لظلمٍ من السلطة السّابقة، لكن التجربتين لم تكونا متطابقتين. أُخضع الكورد لسياسات تهميش وتمييز طالت جوانب من هويتهم وحقوقهم القومية، بينما عاش العرب، إلى جانب بقية السوريين، تحت سطوة نظام أمني صادر السياسة وقمع المجتمع وأضعف المؤسسات جعل البلاد رهينة لسلطة الحزب الواحد والأجهزة الأمنية.

الاعتراف بهذا الفرق ضروري، لكنه لا يعني تحميل العرب مسؤولية ما تعرض له الكورد. وفي المقابل، الحديث عن معاناة العرب وبقية السوريين لا ينبغي أن يتحول إلى طريقة لإنكار ما عانى منه الكورد. تبدأ المشكلة عندما يتحول تاريخ الحكم الأيديولوجي نفسه إلى سبب جديد لتوزيع الاتهامات على الناس بحسب قومياتهم. فالعربي الذي عاش تحت حكم حزب البعث ليس هو حزب البعث بالضرورة، والكوردي الذي طالب بحقوقه ليس عدواً للدولة بسبب هويته.

لم تكن السلطة ممثّلةً لكل عربي، كما أن الموقف منها لا يمكن اختزاله في الهوية القومية. لهذا لا معنى لإعادة توزيع مسؤولية الماضي على الناس اليوم. لا يجوز أن يدفع عربي ثمن جرائم نظام لم يختره، ولا أن يتحمل كوردي مسؤولية مواقف جهة لا تمثله. الناس في الحسكة لديهم ما يكفيهم. الخوف والقلق والغلاء والعمل وتأمين قوت اليوم ليست قضايا صغيرة. ولا يحتاجون إلى حرب كلامية جديدة تضاف إلى ما عاشوه خلال السنوات الماضية. تحويل كل جريمة إلى معركة بين العرب والكورد لن يحمي أحداً، ولن يكشف قاتلاً، ولن يعيد حقاً إلى صاحبه. ولن يستفيد منه سوى كل من يريد إبقاء المنطقة أسيرة الخوف والشك والانقسام، فيما يدفع الناس العاديون الثمن مرة أخرى.

كورد_سوريا العرب_والكرد_في_الحسكة

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0