في 10 آب/أغسطس انطلقت أولى قوافل العودة إلى رأس العين/سري كانيه، مكونة من عائلات عاشت سنوات في النزوح، غير أن تلك القافلة تعثرت. قبل أن تنطلق قافلة أخرى الأسبوع الماضي، رغم كل التجديات.
كانت باهرة، وهو اسم مستعار لسيدة كوردية، ضمن قافلة العودة الأولى إلى رأس العين/ سري كانيه، لكنها «هربت ونجت بنفسها»، على حد توصيفها، بعدما تعرضت بعض العائلات العائدة للضرب بالعصي والاعتداء على المركبات وتكسيرها. تقول بعينين دامعتين: «يبدو أنني بالغت في تقدير الوضع، ظننت أن من احتل منزلي سيستقبلنا ويشكرنا، لكنها كانت عودة فاشلة».
تتوقف لحظة وكأنها ترتب المشاهد في ذهنها، ثم تضيف: «حرمنا أنفسنا أغلب مباهج الحياة، فقط كي نخرج بمنزلٍ يؤوينا، لكن مشهد المنزل لا يفارق مخيلتي. لا أبواب ولا نوافذ. لا صنابير مياه ولا مقابس، بل حتى كابلات الكهرباء ضمن الجدران انتزعوها، وكأنهم ينتقمون من كل شيء، أو يقولون لنا: لا تعودوا، فلا حقوق لكم هنا». وتختتم حديثها: «مع كل ذلك نرغب أن نعود إلى بيوتنا، نعيد بناءها وترميمها من جديد، فالخيمة خلقت في داخلنا وأطفالنا كل أشكال الأوجاع والمصائب، لكن لا بد لتلك الفصائل أن تخرج أولاً، فلا عيش مع تلك الجماعات المنفلتة»، على حد وصفها.
سبع سنوات في الشتات
بدأت حركة المُهجّرين من رأس العين/ سري كانيه باتجاه مختلف مناطق الحسكة خلال المعارك العسكرية بين قوات سوريا الديمقراطية «قسد» وفصائل المعارضة السورية المدعومة من تركيا، في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، واتجهت أعداد كبيرة منهم صوب مخيمات أنشأتها الإدارة الذاتية بعد النزوح، وهي مخيمات نوروز في ريف المالكية/ ديرك، وواشو كاني بالقرب من بلدة التوينة، وسري كانيه في منطقة الطلائع بمدينة الحسكة. وكانت هذه المخيمات تؤوي قرابة 6 آلاف عائلة مُهجّرة، إضافة إلى أكثر من 1295 عائلة موزعة على مراكز إيواء في الحسكة وريفها، وفقاً لإحصائيات نشرتها العديد من معرفات الإدارة الذاتية وإدارات المخيمات ومراكز الإيواء.
بعد نحو سبع سنوات من النزوح، في إطار جهود لإعادة النازحين بالتنسيق بين الفريق الرئاسي المكلف وقوات سوريا الديمقراطية/ قسد، أنجزت العائلات الراغبة في العودة استعداداتها النهائية لمغادرة المخيمات . أزالت خيامها، وجمعت الأمتعة والأثاث والأدوات المنزلية التي تمكنت من الاحتفاظ بها طوال سنوات النزوح، استعداداً للعودة إلى بيوتها. وبالفعل، انطلقت من مخيم واشو كاني في الحسكة، في 10 آب/أغسطس 2026، أول قافلة لعودة أهالي مدينة رأس العين/ سري كانيه وريفها إلى مناطقهم.
يؤكد مصطفى عبدي، عضو الفريق الرئاسي المكلف بمتابعة تطبيق بنود اتفاق 29 كانون الثاني/يناير مع قسد، في تصريح لـ صوت سوري أن: «تأخر عودة الأهالي كان مرتبطاً بعمليات إزالة الألغام وتأمين المنطقة أولاً، بهدف تأمين عودة آمنة»، مؤكداً أن «العودة ذات طابع إنساني، ولا ترتبط بالموضوع السياسي أو الاندماج ضمن الدولة».
وأفاد العائدون الذين تحدثوا إلى وسائل إعلام مختلفة بأن سنوات النزوح تركت آثاراً واسعة على حياتهم، خاصة أن أطفالاً وُلدوا أو أمضوا معظم طفولتهم داخل المخيمات، ولم تتشكل لديهم معرفة فعلية بالمدينة التي ينحدر منها آباؤهم.
لماذا تعثرت أولى قوافل العودة؟
تعرضت عائلات كوردية عائدة إلى مركز المدينة للضرب بالعصي والحجارة، وشتائم بذيئة ، وفقاً لما قاله أسامة، وهو اسم مستعار لأحد أفراد العائلات التي رغبت في العودة إلى بيتها. وأضاف: «كانت الأجواء مرعبة، إطلاق النار في الهواء، وتحطيم نوافذ وأضواء المركبات، ومنعنا من الدخول إلى منازلنا. قالوا لنا: لا مكان لكم هنا، أيها الخنازير».
بالمقابل، تباينت توضيحات وبيانات طرفي المعادلة، إذ أفادت مصادر من قيادة الأمن الداخلي في محافظة الحسكة لوسائل إعلام محلية بأن «ست عائلات عادت إلى منازلها من دون تنسيق مسبق، لتُفاجأ بوجود عائلات تقيم في تلك المنازل، ما أدى إلى وقوع خلاف ومشاجرة بين الطرفين، وتحطيم عدد من سيارات العائلات العائدة، قبل تدخل قوى الأمن الداخلي لفض الخلاف».
أمّا لجنة مهجري رأس العين/ سري كانيه فقد تحدّثت، عبر معرفاتها وتصريحاتها، عن اعتداءات طاولت عدداً من العائدين، وحمّلت الجهات المعنية مسؤولية حماية العائلات العائدة وملاحقة من تثبت مسؤوليته عن الاعتداءات، مؤكدة أن التنسيق كان على أكمل وجه مع الجهات المعنية للعودة.
ونتيجة لذلك، شهدت الحسكة توترات على إثر اعتصامات وتشنجات بين شبان كورد وبعض مراكز قوى الأمن الداخلي، دون تسجيل خسائر بشرية أو مادية، وهو ما دفع طرفي الاتفاق إلى تعليق عودة القوافل المتبقية إلى إشعار آخر.
لن أعود في ظل السلاح»
تحدثنا إلى عيسى الكاكي، بدا صوته مخنوقاً وكأنه يسترجع ذكرياتٍ مريرة. يقول: «لم تحملنا الفرحة ونحن نصل إلى مدخل المدينة. أول الأمر زرنا منزل أحد جيراننا العرب من المجتمع المحلي، أما منزلي فلم يكن فيه سوى نساء، زارتهم زوجتي وبناتي، ولم أتدخل. لحظات وجاء رجل، فتحدثت إليه، وطلبت منه أن يعيد لي منزلي». ويضيف: «قلت له: ما رأيك، هل شهر يكفيك للخروج من المنزل والمحل الذي أخذته؟ لم نحصل على أي جواب منه».
ويصف المشهد الذي تلاه: «مجموعة من الشباب والرجال، يحملون العصي والسلاح، هجموا على صاحب المركبة، ضربوه ومن معه، وحطموا مركبته. تدخل شابان منهم بسبب وجود النساء في المركبة، تعرض أحدهم للضرب لموقفه، والآخر طلب مني الهروب، لأنهم جاءوا لضربي تحديداً، ولم أجد سبباً غير أنني أطالب بمنزلي». يضيف: «لن أعود قبل حصول الأمان وخروجهم من المدينة، واستلام منازلنا. عن أي عودة سنتحدث في ظل السلاح المنفلت، والمنزل تعرض للدمار والنهب المنظم؟» ويختتم حديثه: «كل من طالب بمنزله، يكون جواب الموجودين في المنزل إنهم اشتروه من غيرهم، وغيره استأجره من آخر.. بأي حق وقانون وشريعة يؤجرون ويبيعون منازلنا؟».
تحديات الأمن والمأوى وإعادة الإعمار
يستعرض زهرب سعدي، المدير التنفيذي لمنظمة «دان» للإغاثة والتنمية، أبرز احتياجات العائدين «منازلهم أولاً، وتوفير الحماية والأمن الشخصي، وحماية المدنيين عبر توفير ضمانات حقيقية لتأمين حياة الأشخاص وضمان عدم تعرضهم للتهديد أو العنف أو الاعتقال التعسفي أو الانتقام أو التمييز، وإزالة ما تبقى من الألغام ومخلفات الحرب، وإيجاد حلول سريعة للوثائق الرسمية، بعد أن فقد الكثير من النازحين أثناء النزوح وثائقهم الشخصية، مثل الهوية المدنية، ودفتر العائلة، وشهادات الميلاد، ووثائق التعليم والملكية، إضافة إلى الوصول إلى العدالة وآليات الشكاوى». ويضع السعدي سلسلة من الاحتياجات اليومية، منها «المأوى والسكن وإعادة تأهيل المنازل، وإصلاح شبكة المياه والنظافة، والأمن الغذائي وسبل العيش، والخدمات الصحية، والتعليم، والحماية الاجتماعية، خاصة أن العديد من الأسر العائدة، لا سيما الفئات الأكثر ضعفاً، تواجه مخاطر متعددة مرتبطة بالفقر والتهميش والاستغلال».
وحول المساعدات المقدمة، يقول السعدي: «في السياق السوري، لا تكفي المساعدات الإنسانية وحدها لتلبية الاحتياجات المتعددة والمتزايدة للأسر العائدة، فبعد أكثر من عقد من النزاع، تواجه العديد من مناطق العودة تحديات كبيرة تتمثل في تضرر المساكن والبنية التحتية، وضعف الخدمات الأساسية، وتراجع الفرص الاقتصادية، مما يجعل عملية العودة أكثر تعقيداً من مجرد توفير المساعدات الطارئة».
هكذا، ومع بوادر استئناف قوافل العودة وتصاعد وتيرتها تدريجياً، يبقى النجاح الحقيقي محكوماً بدرجة الحزم في معالجة التحديات الأمنية وتأمين ضمانات صارمة تحمي العائدين من أي تكرار لسيناريو الاعتداءات والصدام. فتوفير بيئة آمنة ومستقرة، وضمان استراداد حقوق المهجرين، هو الكفيل بتحويل حلم العودة من رحلة شاقة محفوفة بالمخاطر إلى مسار مستدام يعيد الحياة تدريجياً إلى رأس العين/سري كانيه.