مع اندلاع الثورة السورية، كان للرقة ولأهلها نصيب من الحراك الشعبي، فشهدت المحافظة حراكاً ثورياً تحول لاحقاً إلى العسكرة شأن معظم المحافظات الأخرى. وفي 4 آذار/مارس 2013، سيطرت عليها فصائل معارضة، على رأسها «حركة أحرار الشام الإسلامية» و«جبهة النصرة» («هيئة تحرير الشام» لاحقاً)، لتخضع المحافظة بعدها لتبدلات سياسية وعسكرية متعاقبة، من وقوعها تحت سيطرة «داعش» المتطرف، مروراً بسيطرة قوات سوريا الديمقراطية مدعومة بقوات التحالف الدولي لأكثر من ثماني سنوات، لتعود مطلع العام 2026 إلى حكم الدولة المركزية، بعدما تربعت على رأسها هيئة تحرير الشام.
تمتاز الرقة بمجتمع تغلب عليه الصبغة العشائرية، إذ تسكنها عشائر عربية عديدة تحولت منذ خمسينيات القرن الماضي نحو نمط عيش مديني، وإلى جانب العرب يسكنها الكورد داخل أحياء المدينة وبعض القرى في ريفها الشمالي. ومنذ سبعينيات القرن العشرين، استقبلت المحافظة سلسلة هجرات من سكان أرياف حلب وإدلب ودير الزور، والسخنة وتدمر في ريف حمص، ما ساهم في اكتساب سكان المحافظة الأصليين عادات جديدة لم تكن موجودة بحكم الطابع العشائري، إلا أنهم حافظوا على عادات قبلية مثل الصلح وتقاليد العزاء والأفراح.
تسلسل السلطات في الرقة (2011 - 2026)
- آذار 2013: خروج الرقة عن سيطرة نظام الأسد على يد فصائل المعارضة (أول مركز محافظة خارج سيطرة النظام).
- كانون الثاني 2014: إعلان تنظيم «داعش» المتطرف السيطرة الكاملة واتخاذها «عاصمة» له.
- تشرين الأول 2017: سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» بمساندة التحالف الدولي.
- 2026: عودة الإدارة المركزية برئاسة «هيئة تحرير الشام» ضمن التحولات السياسية الأخيرة.
نُدوب في الذاكرة الجمعية
لا تقتصر آثار تعاقب السلطات والحرب على ما خلّفته من دمار مادي ونزوح، إذ يرى الأخصائي النفسي مروان العلي أن سنوات عدم الاستقرار تركت آثاراً نفسية واجتماعية متراكمة على سكان الرقة، انعكست على طريقة تعاملهم مع بعضهم وعلى نظرتهم إلى المستقبل. يقول العلي: «إن تكرار الانتقال من سلطة إلى أخرى، وما رافقه من ظروف أمنية واقتصادية صعبة، أسهم في تعزيز مشاعر القلق والخوف وعدم اليقين لدى شريحة من السكان»، مشيراً إلى أن استمرار هذه الظروف لفترات طويلة يجعل آثارها تتجاوز الفرد لتنعكس على الأسرة والعلاقات الاجتماعيّة.
كان الأطفال والشباب من أكثر الفئات تأثراً بهذه التحولات، نتيجة نشوء أجيال عاشت جزءاً كبيراً من طفولتها وشبابها في ظل الحرب والنزوح وتغير المرجعيات، وهو ما يمكن أن ينعكس على الإحساس بالأمان والقدرة على بناء علاقات مستقرة والتخطيط للمستقبل.
يمثل تراجع الثقة، وفق ما يؤكده العلي، بين أفراد المجتمع «أحد الآثار الاجتماعية التي خلفتها سنوات الصراع، إذ دفعت التجارب السابقة بعض السكان إلى الحذر في علاقاتهم وتجنب الخوض في مواقف أو نقاشات قد تعرضهم للخلاف أو التصنيف، وهو ما أضعف في بعض الحالات روح المبادرة والعمل الجماعي». ويلفت إلى أن آثار الحرب لا تنتهي بانتهاء العمليات العسكرية أو تغير السلطة، لأن التجارب التي عاشها الأفراد تبقى حاضرة في ذاكرتهم وفي طريقة تعاملهم مع المحيط، ولذلك فإن استعادة التماسك الاجتماعي تحتاج إلى بيئة مستقرة وآمنة تسمح للسكان باستعادة الثقة ببعضهم وبالمؤسسات.
ويرى العلي أن معالجة هذه الآثار «تتطلب مسارات متوازية، تبدأ بتوفير الدعم النفسي والاجتماعي للفئات الأكثر تأثراً، ولا سيما الأطفال والشباب، إلى جانب تعزيز الأنشطة المجتمعية التي تجمع السكان وتعيد بناء العلاقات بينهم، وتوفير بيئة تعليمية واقتصادية أكثر استقراراً تساعد الجيل الجديد على استعادة الشعور بالأمان والقدرة على بناء مستقبله».
«المجتمع الرقي، بطبيعته العشائرية، قد يلجأ إلى الصلح العشائري في بعض القضايا، لكنه لا يشكل بديلاً عن العدالة في الجرائم الكبرى والانتهاكات الجسيمة، بل يجب أن يكون مكملاً لعملية قانونية شاملة»
كانت الصبغة العشائرية لمحافظة الرقة تؤدي دوراً بارزاً في التماسك الاجتماعي قبل 2011، لكن هذا الدور انحسر تدريجياً، لتجد العشيرة نفسها أيضاً في مهب المنازعات والتغيرات التي نجمت عن تغير السلطات. يرى أنور شاهين، أحد وجهاء عشيرة العفادلة، إحدى أكبر عشائر محافظة الرقة، أن سنوات الحرب أثرت في طبيعة العلاقات داخل المجتمع، كما أعادت طرح أسئلة حول الدور الذي يمكن أن تؤديه العشيرة في المرحلة الحاليّة. ويشير شاهين إلى أن العشيرة بقيت بالنسبة لكثير من أبناء الرقة إطاراً اجتماعياً يحافظ على صلات القرابة والتكافل، لكنها تأثرت بدورها بالانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب، ولا سيما مع اختلاف مواقف أفراد العشيرة تجاه الجهات التي تعاقبت على السيطرة على المحافظة. وتتطلب استعادة التماسك الاجتماعي إعادة الاعتبار للعلاقات بين أبناء المجتمع بعيداً عن التصنيف على أساس المواقف السابقة، وفق ما يعتقد شاهين، مؤكداً أن «دور العشيرة ينبغي أن يتركز في الإصلاح الاجتماعي وتقريب وجهات النظر، لا أن يتحول إلى بديل عن مؤسسات الدولة والقانون». ويلفت شاهين إلى أن المرحلة الحالية تفرض على وجهاء العشائر مسؤولية أكبر في المساهمة في معالجة آثار السنوات الماضية، من خلال تشجيع المصالحات وحل الخلافات بالطرق السلمية، والحفاظ على الروابط الاجتماعية، بما يساعد على تجاوز آثار الانقسام وإعادة بناء الثقة بين أبناء المحافظة.
اقتصاد الحرب ورغيف السلطة
مع تراجع النشاط الاقتصادي التقليدي وتضرر قطاعات الزراعة والتجارة والصناعة، اضطر كثير من السكان إلى البحث عن مصادر دخل جديدة، بينما ارتبطت فرص العمل في بعض المراحل بالمؤسسات والجهات التابعة للسلطات المسيطرة، ما جعل الوضع الاقتصادي لبعض الأسر متأثراً بشكل مباشر بالتغيرات السياسية والأمنيّة. كما أدت سنوات النزوح وتراجع القدرة الشرائية وتدمير الممتلكات إلى تبدل في المكانة الاقتصادية لعدد من العائلات، فهناك من فقد منزله أو أرضه أو مصدر دخله، في حين تمكن آخرون من الاستفادة من الظروف الجديدة، وظهرت لديهم مصادر دخل لم تكن موجودة قبل الحرب.
يبين خالد الخضر، وهو تاجر من محافظة الرقة، أن اقتصاد الحرب ترك أثراً سلبياً على المجتمع، بعدما أصبح المال في بعض المراحل مرتبطاً بالنفوذ والسلطة، واستُخدم وسيلة لتعزيز حضور الجهات المسيطرة واستقطاب الموالين لها. ويقول الخضر: «إن الظروف الاقتصادية التي فرضتها سنوات الحرب لم تؤثر فقط على مستوى معيشة السكان، وإنما أسهمت أيضاً في ظهور مصالح اقتصادية جديدة ارتبطت بالجهات النافذة، فأصبح الحصول على بعض فرص العمل ومصادر الدخل متأثراً في أحيان كثيرة بعلاقة الشخص بالسلطة أو بموقعه منها.».
كانت العلاقة بين المال والسلطة متبادلة في بعض المراحل، فالجهات المسيطرة استخدمت الموارد والإمكانات الاقتصادية لتعزيز نفوذها، بينما استفاد بعض أصحاب المصالح من قربهم من مراكز القوة للحصول على فرص ومزايا اقتصادية لم تكن متاحة لغيرهم. وانعكس هذا الواقع على المجتمع، بحسب الخضر، إذ أسهم في خلق تفاوتات اقتصادية جديدة، وأوجد اصطفافات لم تعد تقوم فقط على الروابط العائلية أو العشائرية، وإنما أصبحت المصالح الاقتصادية والقرب من مراكز النفوذ عاملين مؤثرين فيها. ويؤكد أن تجاوز آثار اقتصاد الحرب لا يتطلب تحسين الوضع المعيشي فقط، وإنما يحتاج أيضاً بناء بيئة اقتصادية أكثر عدالة، تضمن تكافؤ الفرص وتفصل بين الحصول على الرزق والعمل وبين الولاء للجهات السياسية أو صاحبة النفوذ.
العدالةُ شرطٌ لاستعادة الثقة
علاوة على الآثار الاجتماعية والنفسية والاقتصادية، تبرز قضية العدالة، بوصفها أحد أبرز التحديات التي تواجه المجتمع الرقّي، ويرافقها غياب المحاسبة عن الانتهاكات التي ارتُكبت خلال سنوات الحرب.
تقول المحامية غادة العلي: «إن الحديث عن إعادة بناء التماسك الاجتماعي لا يمكن أن يكتمل دون معالجة ملف العدالة والمساءلة وتعويض المتضررين من جراء سنوات الحرب وتعاقب السلطات في الرقة».
وثّقت غادة خلال السنوات الماضية عشرات الحالات المتعلقة بالاعتقال التعسفي والإخفاء القسري وفقدان الممتلكات، وتؤكد أن جزءاً كبيراً من الشرخ الاجتماعي الذي تعاني منه الرقة سببه الشعور بأن الضحايا لم يحصلوا على حقوقهم، وأن بعض المتورطين في الانتهاكات لا يزالون يعيشون بين الأهالي دون أيّة محاسبة.
المدينة التي خرجت من سنوات الحرب لا تبدأ من الصفر، فما زالت فيها عائلات يعرف بعضها بعضاً، ووجهاء يحاولون احتواء الخلافات، وتجار يريدون استعادة أسواقهم، وشباب يبحثون عن مكان لهم في مدينة تغيرت ملامحها أكثر من مرة
لا يعني غياب العدالة عدم معاقبة الجناة فحسب، بل يمتد أثره إلى منع المصالحة الحقيقية، فكيف يمكن لضحية أن تتصالح مع من تسبب في فقدان ابنها أو تدمير منزلها دون أن ترى أي شكل من أشكال الاعتراف بالضرر أو جبره؟ على حد تعبير غادة التي ترى أن «المجتمع الرقي، بطبيعته العشائرية، قد يلجأ إلى الصلح العشائري في بعض القضايا، لكن هذا الصلح لا يمكن أن يكون بديلاً عن العدالة في الجرائم الكبرى والانتهاكات الجسيمة، بل يجب أن يكون مكملاً لعملية قانونية شاملة». وتؤكد أن «أي مسار للمصالحة الوطنية في سوريا يجب أن يرتكز على ثلاثة مبادئ أساسية: كشف الحقيقة عما جرى، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم الكبرى، وجبر ضرر الضحايا وتعويضهم، وإلا فإن أي حديث عن المصالحة سيبقى شعاراً فارغاً».
أسئلة المستقبل في مدينة تعيد اكتشاف ذاتها
في الرقة، لا تبدو السنوات الماضية مجرد مراحل متعاقبة في سجل السلطة، بل طبقات تراكمت فوق حياة الناس، إذ تذهب سلطة وتأتي أخرى، فيما يبقى السكان موزعين بين من فقد منزله، ومن خسر عمله، ومن غادر ولم يعد، ومن عاد ليجد أن الحي الذي يعرفه لم يعد كما كان.
بين العائلة والعشيرة والعمل، وبين الخوف والذاكرة والرغبة في الانتقام، تبدلت علاقات كثيرة خلال أكثر من عقد، فتعلّم بعض الناس الصمت، وآخرون اختاروا الابتعاد عن السياسة، فيما وجد آخرون أنفسهم مضطرين إلى الاقتراب من مراكز القوة لحماية مصالحهم أو تأمين لقمة عيشهم.
لكن المدينة التي خرجت من سنوات الحرب لا تبدأ من الصفر، فما زالت فيها عائلات يعرف بعضها بعضاً، ووجهاء يحاولون احتواء الخلافات، وتجار يريدون استعادة أسواقهم، وشباب يبحثون عن مكان لهم في مدينة تغيرت ملامحها أكثر من مرة.
ولعل التحدي الأكبر أمام الرقة اليوم لا تتمثل أبعاده فقط في إعادة بناء ما تهدّم، وإنما في إعادة بناء الثقة بين سكانها، وبين المجتمع والسلطة، وبين الماضي والحاضر. ليظل السؤال الأهم: هل تستطيع الرقة أن تتجاوز ذاكرة الانقسام، أم أن السنوات التي عاشتها تحت سلطات متعاقبة ستبقى حاضرة في علاقات أبنائها لسنوات طويلة؟