مع كل طلبٍ يوصله من أحد المطاعم في مدينة حلب إلى أحد المنازل، يتوقف مؤمن ليودّع دراجته النارية بنظرة قلقة قبل تسليم الطلب، آملاً أن يلقاها مجدداً، فحالات سرقة الدراجات النارية باتت شبه يومية في المدينة، ويشكل عمال التوصيل («الدليفري») الأكثرية بين ضحاياها.
«مهنة توصيل الطلبات من أكثر المهن التي يعمل بها الشباب حالياً، ورغم سهولة العمل نظرياً، فهو محفوف بالمخاطر بسبب الحوادث وبعض حالات السرقة»، يقول مؤمن دوبا، أحد عمال التوصيل في حلب، مشدداً على خطورة الطلبات الوهمية التي تُستغل للإيقاع بالعمال. ويوضح أن دراجته سُرقت في إحدى الضواحي أثناء إيصاله طلباً في وقت متأخر، مؤكداً أنه قدم شكوى لمخفر «الشهباء»، وما زالت عمليات البحث مستمرة.
فخ الطلبات الوهمية
أما أحمد المصري، فكان ضحية لواقعتي سرقة متطابقتين في التفاصيل. يقول: «في المرة الأولى ذهبت في وقت متأخر إلى أحد الأحياء وسُرقت دراجتي»، مؤكداً أنه بحث أياماً متواصلة وقدم شكوى إلى مخفر «الصالحين» بلا جدوى، فاضطر لشراء دراجة جديدة.
لكن تكرر الأمر مرة أخرى، حين خُدع بعنوان في منطقة مكتظة بالأبنية السكنية، فتاه بين المباني، وعندما حاول الاتصال بصاحب الطلب وجد هاتفه مغلقاً. يروي أحمد قائلاً: «تهت بين المباني، ولم يرد الزبون على اتصالاتي، ثم تفاجأت بسرقة الدراجة الناريّة».
وفي السياق ذاته، يشاركهم زميل المهنة محمد آغا الهواجس نفسها، بقوله: «أكثر ما يثير قلقي خلال العمل هو الطلبات التي تُرسل إلى أماكن بعيدة أو غير واضحة»، مؤكداً أن بعض السائقين أصبحوا يتعاملون بحذر شديد مع هذا النوع من الطلبات.
«هندسة السرقة».. كيف تحصل في زمن قياسي؟
ولتقريب المشهد الفني لهذه السرقات، يوضح سامر حج سليمان (صاحب ورشة ميكانيك) طريقة سرقة الدراجات في زمن قياسي، قائلة: «تحصل السرقة بعد قص الكابل الكهربائي الذي يغذي الدراجة»، مشيراً إلى أن فصل البطارية عن الدراجة يؤدي إلى تعطيل الكهرباء، وبالتالي فصل جهاز الإنذار، مما يسهل سرقتها.
ويؤكد سامر أن البطارية تظهر بوضوح من الهيكل الخارجي نظراً لتصميم الدراجات، وأن السارق يعمد غالباً إلى كسر المقود بعد فصل الكهرباء لتصبح عملية جرّها أمراً يسيراً.
الجهات الرسمية: إجراءات وتحفظات
تواصلنا مع فرع شرطة المرور في حلب للوقوف على التفاصيل الرسمية، وشرح محمد شداد (مدير المكتب الإعلامي لفرع المرور) أن هناك آليّة لضبط حركة الدراجات النارية، تتضمن قراراً بمنع وجودها بعد الساعة الخامسة مساءً من كل يوم، بالإضافة إلى النظر في المخالفات والتحقق منها.
أما في ما يتعلق بأعداد بلاغات السرقة المسجلة، أو وجود خطط للتنسيق بين الشرطة وشركات التوصيل والمطاعم للحد من الطلبات الوهمية، فأكد شداد أن هذه الاستفسارات تدخل ضمن اختصاص وزارة الداخلية حصراً. ، تواصلنا مع عدد من المخافر في مدينة حلب، وتلقينا إجابات شبة متطابقة حول تكرار حوادث السرقة، وأن المخافر النظر في الشكاوى وملاحقتها، وخلاف ذلك لم نتلقّ أي إيضاح إضافي.
هشاشة قانونية ونفسية
من الناحية النفسية والاجتماعية، يرى الأخصائي الاجتماعي علي عبد المجيد أن العديد من العاملين في سوريا يعانون اليوم من قلق عام وتوتر دائم، مع صعوبة في الاسترخاء حتى بعد انتهاء ساعات العمل، نتيجة تراكم آثار الحرب وعدم استقرار الأوضاع الأمنية والمعيشية.
ويردف عبد المجيد: «قد يلجأ البعض إلى تجنب مناطق معينة أو فترات عمل ليلية خوفاً من الجريمة، ليصبح الخوف جزءاً أساسياً من الضغوط اليومية». ويشير إلى أن فقدان الدراجة يعني بالنسبة لعامل التوصيل توقف الدخل فوراً، وما يترتب على ذلك من فقر، وفقدان للأمان الوظيفي والأسري، وصولاً إلى تراجع الثقة بمنظومة الأمن.
ويختتم الأخصائي الاجتماعي بالتحذير من أن «غياب العقود الرسمية والتأمينات الاجتماعية يسبب حالة من الهشاشة المهنية المزمنة»، مؤكداً أن انعدام الاستقرار، وغياب الضمانات الصحية وضد الحوادث، يجعل أي إصابة عمل بسيطة تتحول إلى كارثة مالية ونفسية للعامل وأسرته، يضاف إليها ضعف الحماية القانونية التي تجرده من الجرأة للمطالبة بحقوقه.