شكّلت موجة الاحتجاجات التي شهدتها سوريا خلال الأسبوع الماضي الحدث الأبرز، على وقع ارتفاع أسعار الوقود بنسب كبيرة وصلت إلى نحو 40 بالمئة بالتوازي مع استمرار تردي الأوضاع المعيشية.
المظاهرات التي خرجت في مناطق عديدة، من شمال شرقي البلاد إلى وسطها وشمالها وشمالها الغربي، تخللتها عمليات قطع طرق رئيسية وإشعال إطارات تعبيراً عن الاحتجاج، أبرزها طريق دمشق–حلب الدولي عند معرة النعمان، وطريق دير الزور–حلب الدولي قرب حويجة شنان في ريف الرقة، والطريق الواصل بين دير الزور والرقة، إضافة إلى طريق حقل العمر النفطي وجسر السويعية المؤدي إلى الحدود العراقية.
كما أغلق محتجون طريق الصوامع في مدينة الرقة، وطرقاً في سلوك والمنصورة والجوادية والشدادي وتل براك، فضلاً عن الطريقين المؤديين إلى معبري باب السلامة وجرابلس مع تركيا، بالتزامن مع اعتراض حركة صهاريج النفط المتجهة من حقول شمال شرقي سوريا نحو مصفاة حمص وميناء بانياس.
كذلك، تداولت مواقع التواصل الاجتماعي تسجيلات مصورة لمتظاهرين غاضبين طالبوا بتخفيض الأسعار، وقارنوا الأوضاع الراهنة، التي كان يُفترض أن تكون أفضل، بما عاشه السوريون خلال فترة النظام السابق، رغم الحصار الاقتصادي الغربي الذي كان مفروضاً آنذاك.
ونظّم عدد من النشطاء وقفة احتجاجية أمام مجلس الشعب في دمشق، رفضاً لتردي الأوضاع المعيشية وارتفاع أسعار المحروقات، قبل أن توقف قوات الأمن أربعة من المشاركين فيها، هم فادي زيدان وزينة شهلا وأُبي كعدان وعليا شمس، ثم تطلق سراحهم بعد ساعات. وكتب زيدان عبر صفحته على «فيسبوك»: «ما في شي، فنجان قهوة وإصرار على أنو قانون التظاهر اللي طلعه بشار الأسد ما رح التزم فيه... كلنا صرنا برا».
ورُفع سعر ليتر بنزين أوكتان95 إلى 195 ليرة سورية جديدة (19500 بالعملة القديمة)، وبنزين أوكتان90 إلى 185 ليرة، فيما ارتفع سعر ليتر المازوت إلى 175 ليرة. فيما رُفع سعر أسطوانة الغاز المنزلي إلى 1600 ليرة، في حين وصل سعر أسطوانة الغاز الصناعي إلى نحو 2570 ليرة.
وزارة الطاقة السورية بررت رفع الأسعار بجملة من الأسباب بينها الارتفاع العالمي بسبب ارتفاع تكاليف الاستيراد والشحن والتأمين بسبب التوترات الإقليمية واضطراب أسواق الطاقة، وتوقف مصفاة بانياس مؤقتاً لإجراء صيانة شاملة (عمرة)، ما زاد اعتماد البلاد على استيراد المشتقات الجاهزة الأعلى كلفة، ومحدودية الإنتاج المحلي واعتماد سوريا بدرجة كبيرة على الاستيراد لتغطية احتياجات السوق. النقطة الأخيرة أثارت جدلاً واسعاً بسبب التعارض مع تصريحات سابقة لمسؤولين سوريين تحدثوا خلالها عن «نهضة» في قطاع النفط بعد سيطرة السلطات الانتقالية على منابع النفط في شمال شرقي البلاد، وبعد رفع جميع العقوبات التي كانت مفروضة على سوريا.
وفي محاولة لامتصاص الأزمة، نشرت وسائل إعلام سورية صوراً تظهر اجتماعاً لوزير الطاقة محمد البشير والرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع، تبعه مؤتمر صحافي أعلن خلاله البشير «اتخاذ عدد من الإجراءات» بينها استيراد نوع جديد من المازوت والسماح للحراقات المحلية بالعمل لتوفير نوع ثالث من المازوت، علماً ان الحراقات المحلية تسببت منذ ظهورها قبل أكثر من عقد بأزمة بيئية كبيرة في مناطق انتشارها في شمال وشمال شرقي البلاد.
وبموجب الإجراءات الجديدة، أصبحت السوق السورية تضم ثلاثة أنواع من المازوت، الأول منتج محلياً ومخصص للتدفئة والزراعة بسعر 115 ليرة لليتر الواحد، والثاني للقطاعات الإنتاجية والخدمية والآليات الثقيلة بسعر 150 ليرة لليتر الواحد، والثالث بالمواصفات القياسية بسعر 175 ليرة لليتر، الأمر الذي قد يفتح الباب بدوره أمام تلاعب التجار بالمازوت في الأسواق ويخلق فوضى في قطاع المحروقات الذي يعيش فعلياً حالة فوضى مستمرة على وقع التقلبات في الأسعار.
وبينما تحاول السلطات احتواء الأزمة عبر مجموعة من الإجراءات، تبدو أزمة المحروقات أعمق من أن تُحل باستيراد نوع جديد من المازوت أو إعادة تشغيل الحراقات المحلية، إذ لا ترتبط بنقص الإمدادات وارتفاع الأسعار فقط، بل تأتي في ظل أوضاع معيشية متردية ونسب فقر مرتفعة تطال نحو 90 بالمئة من السوريين، بالتوازي مع التخبط في اتخاذ القرارات وغياب الشفافية حول حجم الإنتاج والاستيراد وكلفتهما وآليات التسعير، فضلاً عن الفجوة المتزايدة بين الواقع ووعود المسؤولين المتكررة بانفراجات ونهضة مرتقبة في قطاع النفط. وهي فجوة جعلت الاحتجاجات تعبيراً عن أزمة ثقة بالسياسات الحكومية بقدر ما كانت رفضاً لرفع أسعار الوقود.