× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

كثير من أطفال سوريا وُلدوا ونشروا في مخيمات النزوح © صوت سوري_أرشيف

الحنين إلى شقاء المخيمات: كيف يواجه أطفال سوريا صدمة العودة؟

حكاياتنا - خبز 21-09-2026

بينما استعاد كثير من الآباء حجارة بيوتهم، فوجئت العديد من العائلات العائدة من النزوح في المخيمات بـ«صدمة انتماء» غير متوقعة، إذ يقابل أطفال «جيل الحرب» فرحة العودة بالبكاء مطالبين بالرجوع إلى مخيماتهم. مفارقة قاسية تتحول فيها قسوة الخيمة إلى «الوطن الأول» في ذاكرة طفولة لم تعرف سواها، لتصبح العودة معركة نفسية يومية بين حنين الصغار وواقع الآباء

داخل مدرسة بلدة معرة حرمة (ريف إدلب الجنوبي) التي رُمّمت حديثاً بعد عودة جزء من الأهالي المهجرين إلى البلدة، وخلال حصة لمادة الرسم، طلب المعلم من تلاميذه رسم منازلهم. انحنت رؤوس الأطفال على الدفاتر وبدأت الأقلام بالتلوين، تنوعت رسومات الطلاب لمنازلهم، إلا أن عدداً لا بأس به اكتفى برسم بيته على شكل خيمة، وبجانبها خزان مياه، فيما رسم البعض بيتاً مسبق الصنع، واكتفى القليل برسم بيوت من الحجارة، كالتي يعيشون فيها بعد مغادرة المخيم.

المشهد لم يكن عابراً. فالمنازل التي رسمها أولئك الطلاب، بما فيها الخيام والبيوت المسبقة الصنع، هي مساكن كانوا يقطنونها خلال فترة نزوح استمرت لأعوام. بعضهم وُلد فيها، والبعض الآخر عاش طفولته بداخلها ونشأ فيها. وهو حال محمود، مثلاً، تلميذ الصف الثاني، وأحد أولئك الأطفال الذين لا تزال طفولتهم معلقة في تلك الخيمة.

نزح محمود إلى أحد المخيمات قبل أن يبلغ العامين من عمره، ويبدو أنّه ما زال يعتبر تلك الخيمة منزلَه الأساسي، وليست محطة نزوح عابرة، بل البيت الأول والذاكرة الأولى التي نشأ وكبر فيها، وتعلّم الحروف الأولى داخل جدرانها المصنوعة من القماش. ذلك المشهد الذي يتكرر اليوم في مناطق سورية كثيرة، يكشف تحوّلاً اجتماعياً ونفسياً عميقاً لدى ما تُمكن تسميته بـ «جيل الحرب»، ونسبة كبيرة من أبنائه لم تعرف سوريا إلا عبر الخيام والطين والمدارس المؤقتة. وهو ما ينطبق على عائلة أم محمّد، التي تحاول إقناع ابنها، ذي السنوات الست، بأن المنزل الذي رمّمه والده بعد سنوات طويلة من الخراب هو منزلهم الأصلي الذي نزحوا منه، لكنّ الطفل يطلب منها ومن والده العودة إلى المخيم، لرؤية رفاقه واللعب معهم هناك. تقول أم محمد: «الولد نغّص علينا فرحة العودة، كل يوم عنا موال جديد: أيمتا رح نرجع على مخيمنا؟ أيمتا رح شوف رفاقي بالمخيم؟» والكثير من الأسئلة. وتضيف: «كنّا سابقاً نعدّ الأيام لنعود إلى بيتنا وبلدتنا، ومحمد حالياً يعدّ الأيام لنرجع ع المخيم».

أرقام من «جيل الحرب» في سوريا

  • أكثر من 75% من أطفال سوريا وُلدوا خلال سنوات الحرب والنزوح.
  • نحو 6 ملايين طفل سوري وُلِدوا في ظروف الحرب داخل البلاد وخارجها خلال العقد الأول من الأزمة (وفقاً لبيانات اليونيسف).
  • السنوات الأولى: المرحلة الأهم في تشكيل الهوية والانتماء، ولهذا قد تتحول الخيمة في ذاكرة الطفل إلى «الوطن الأول».

محمود ومحمّد نموذجان من مئات الأطفال الذين عاشوا وترعرعوا في مخيمات النزوح، مشكّلين مفارقة تتكرر كل يوم في عشرات القرى والبلدات السورية، حيث يصطدم الآباء العائدون، الذين يحملون ذاكرة ما قبل الحرب، بحقيقة أن أبناءهم لا يشاركونهم الحنين ذاته.

وفقَ تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»، أكثر من 75% من أطفال سوريا وُلدوا خلال سنوات الحرب. وتشير بيانات سابقة لليونيسف إلى أن 4.8 مليون طفل وُلدوا داخل سوريا خلال السنوات التسع الأولى من الحرب، إضافة إلى نحو مليون طفل سوري وُلدوا لاجئين في دول الجوار، أي ما يقارب ستة ملايين طفل وُلدوا في ظروف الحرب والنزوح. ووفقاً لتقرير صدر عن «يونيسف» في العام 2016، تأثر أكثر من 8.4 مليون طفل سوري بالحرب داخل البلاد وخارجها، في واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية التي شهدها العالم الحديث.

برغم غياب إحصاءات دقيقة لعدد المواليد داخل المخيمات تحديداً، فإن المؤشرات الأممية تؤكد أن الأطفال شكّلوا النسبة الأكبر من المتضررين خلال العقد الماضي، وأن الملايين منهم نشؤوا في بيئات نزوح طويلة الأمد، تحوّلت مع الوقت من حالة مؤقتة إلى نمط حياة كامل.

تشرح الباحثة الاجتماعية رغد العلي هذه الحالة بوصفها نتيجة طبيعية لما تسميه «الذاكرة الأولى للنزوح»، قائلة: «في علم النفس التنموي، تُعدّ السنوات الأولى من عمر الطفل، المرحلة الأهم في تشكيل الهوية والانتماء والشعور بالأمان». وتضيف: «حين يقضي الطفل تلك السنوات داخل المخيم، تتحول الخيمة بالنسبة له، إلى بيت طبيعي. وأصدقاء المخيم يصبحون مجتمعه الأول. ومدرسة الخيمة تتحول إلى تجربته التعليمية الأساسية». تؤكد العلي، أن كثيراً من الأطفال الذين عادوا إلى بلداتهم بعد سقوط النظام السابق يعيشون اليوم نوعاً من «صدمة الانتماء المعكوس».

يتوافق كلام العلي مع ما تقوله المقابلات مع بعض الأطفال الذين عادوا حديثاً إلى منازلهم وقراهم. فعلى سبيل المثال، يرى عمر، ابن الثمانية أعوام، أن أجواء المخيم أحب إليه من منزله الذي عاد إليه. فالخيام متلاصقة، والأصوات تملأ المكان، والأصدقاء على بُعد خطوات، أما في بلدته، فالبيوت متباعدة، والشوارع واسعة، والهدوء ثقيل.

«الولد نغّص علينا فرحة العودة.. كل يوم عنا موال جديد: أيمتا رح نرجع على مخيمنا؟»

أيهم، ذو السنوات العشر، قضى ثمانية أعوام من عمره داخل أحد المخيمات في الشمال السوري، يرى في صفوف الخيام البيضاء، ومدارس القماش، وسيارات توزيع الخبز، وأصوات مولدات الكهرباء، وألعاب الأزقة الترابية داخل المخيمات، ذاكرته الأولى التي يحن إليها في كل لحظة، على عكس والده الذي يحمل ذاكرة مختلفة بشكل جذري. فالأب يرى في تفاصيل قريته القديمة، والتجمعات العائلية على الأسطحة، وحقول الزيتون، ذكريات متجذرة لم تفارق تفكيره طوال فترة النزوح.

بعد العودة، راح بعض الأطفال يستحضرون حنينهم إلى أماكن نزوحهم، عبر ممارسة ألعاب اعتادوا مزاولتها في تلك المخيمات. ففي ساحات المدارس والطرقات الترابية للبلدات العائدة إلى الحياة، يمكن ملاحظة كيف انتقلت ثقافة المخيم كاملة مع الأطفال. وهو ما يشكو منه بعض الأهالي، لا سيما ألعاب الحجارة، التي تتمثل في تقسيم الأطفال فيما بينهم إلى مجموعات، وكل مجموعة تنتمي إلى مخيم، ليبدأ قذف الحجارة المتبادل، في لعبةٍ يسمونها «تحرير المخيمات». وهي إحدى الألعاب الشائعة بين أطفال المخيمات خلال النزوح، وتتّسم بخشونتها.

لا تبدو هذه الظاهرة مجرد حنين عابر، بل تعكس أزمة انتماء مركّبة يعيشها كثير من أطفال المخيمات. فالطفل الذي يعود اليوم إلى قرية لم يرها من قبل، لا يملك رابطاً عاطفياً بها، حتى لو أخبره والداه أنها أرضه الأصلية. والصور التي يحملها الآباء عن القرى والبيوت القديمة لا تنتقل تلقائياً إلى الأبناء، والانتماء لا يُورّث بالكلمات فقط، بل يُبنى عبر التجربة اليومية والذكريات المباشرة، لتتحول محاولة إقناع الأطفال بالاندماج في بيئتهم الجديدة إلى معركة نفسية يومية، خصوصاً في القرى المدمرة أو الفقيرة بالخدمات، حيث تبدو الحياة أقل حيوية مما كانت عليه داخل المخيمات المكتظة.

أطفال_سوريا جيل_الحرب_في_سوريا الحنين_إلى_المخيم

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0