× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

انفجارات مستودعات السلاح في سوريا.. ما كواليس المؤسسة العسكرية الجديدة؟

عقل بارد - على الطاولة 25-09-2026

بين تركة الذخائر المتهالكة وشبهات الاختراق الاستخباراتي، تختبر سلسلة الانفجارات المتلاحقة في البنى التحتية العسكرية مدى قدرة السلطات الانتقالية في سوريا على ضبط ترسانة الفصائل وبناء مؤسسة عسكرية موحدة تحت سيطرة وزارة الدفاع

خلال ثلاثة أسابيع فقط، شهدت سوريا خمسة انفجارات في مواقع مرتبطة بالسلاح والذخيرة التابعة لوزارة الدفاع. بدأت السلسلة في الأول من أيلول/سبتمبر بانفجار سيارة محملة بالذخيرة في بلدة بنش بريف إدلب، ثم انفجر مستودع مؤقت قرب سرمدا في ريف إدلب في التاسع من الشهر، وبعد ثلاثة أيام وقع انفجار داخل مستودع في الضمير بريف دمشق، قبل انفجار موقع عياش بريف دير الزور في 18 أيلول/سبتمبر، ثم انفجار العيس بريف حلب في 21 منه.

قد يكون لكل حادث سببه الخاص، لكن تتابع الانفجارات خلال فترة قصيرة يفتح سؤالاً أكبر من أسباب كل موقع على حدة: ماذا يحدث داخل المؤسسة العسكرية الجديدة؟ هل تتعامل وزارة الدفاع مع إرث ضخم من الذخائر القديمة ومخلفات الحرب التي لم تدخل بعد في منظومة تخزين منظمة، أم أن هناك خللاً في إدارة المستودعات، أم أن بعض المواقع تعرضت لعمليات تخريب متعمدة؟

حصيلة بشرية وتحديات لوجستية

في بنش أدى الانفجار إلى مقتل خمسة أشخاص وإصابة آخرين، أما في حادثة سرمدا فأعلنت وزارة الدفاع عن سقوط 14 من عناصرها وإصابة أكثر من عشرة، قبل أن تتحدث تقارير لاحقة عن حصيلة أعلى. بينما وقع انفجار الضمير داخل مستودع كانت تنقل إليه ذخائر تالفة تمهيداً لإبطالها، بحسب السلطات، من دون تسجيل ضحايا. وهذه الحادثة تكشف جانباً مهماً من المشكلة، وهو أن الوزارة لا تتعامل فقط مع بناء جيش جديد، بل أيضاً مع ترسانة قديمة ورثتها من سنوات الحرب.

جزء كبير من السلاح الموجود حالياً لم يأتِ من مخازن عسكرية منظمة، بل من مستودعات ميدانية ومواقع فصائل ومنشآت تابعة للجيش السابق، وبعضها لم يكن مصمماً لتخزين كميات كبيرة من المواد المتفجرة لفترات طويلة. لذلك فإن عوامل مثل تقادم الذخيرة، سوء التخزين، التكديس، الحرارة، النقل غير الآمن أو التعامل مع مواد فقدت استقرارها بعد سنوات، كلها يمكن أن تفسر وقوع انفجارات كبيرة من دون وجود جهة تقف خلفها.

تساؤلات مفتوحة حول أسباب الحوادث

لكن تتالي الحوادث في مواقع مختلفة يجعل الاكتفاء بالتفسير الفني أمراً غير كافٍ. فانفجار عياش، الذي وقع داخل موقع تابع لإدارة التسليح في وزارة الدفاع، أدى بحسب الحصيلة المتداولة إلى مقتل 11 عنصراً وإصابة عشرة آخرين، مع معلومات عن مفقودين، بينما لم تعلن الوزارة سبباً نهائياً للحادث. ثم جاء انفجار العيس ليزيد التساؤلات حول طبيعة ما يحدث داخل منشآت السلاح.

تكرار الانفجارات لا يعني بالضرورة أنها عمليات تخريب، لكنه يترك الباب مفتوحاً أمام الاحتمالات. فإذا أظهرت التحقيقات وجود تدخل خارجي أو آثار تفجير متعمد، ستتجاوز القضية مشكلة المستودعات لتصبح محاولة لضرب المؤسسة العسكرية التي تحاول جمع السلاح ووضعه تحت سلطة الدولة.

الفرضيات الأمنية

من بين الاحتمالات المطروحة يظهر تنظيم «داعش» المتطرف، الذي خسر سيطرته على الأراضي وتحول إلى العمل عبر الخلايا والهجمات المحدودة. فالتهديد الذي يمثله التنظيم -الذي خرج من تجربة «الخلافة» ويواجه اليوم مشروعاً آخر يقوم على بناء سلطة مركزية بمرجعية إسلامية مختلفة، عبر دمج الفصائل وإنشاء جيش واحد- قد يدفعه لرؤية نجاح هذا المسار تهديداً لنموذجه ومحاولة لإثبات إمكانية قيام بديل عنه. كما أن قدرة «داعش» على تنفيذ مثل هذه العمليات لا ترتبط فقط بالهجوم من الخارج، إذ تبقى فرضية وجود عناصر متأثرة بفكره أو متعاطفة معه داخل تشكيلات عسكرية جديدة أمراً لا يمكن تجاهله، خصوصاً في مؤسسة تضم أفراداً من خلفيات قتالية متعددة. وفي حال وجود اختراق من هذا النوع، فإن استهداف مستودعات السلاح سيكون محاولة لضرب عملية بناء الجيش وإظهار الدولة الجديدة عاجزة عن حماية مؤسساتها. لكن حتى الآن لا توجد نتائج تحقيق معلنة تثبت مسؤولية التنظيم عن أي من الانفجارات الأخيرة، ولذلك تبقى هذه الفرضية ضمن الاحتمالات المفتوحة.

أما الاحتلال الإسرائيلي فيدخل في الحساب من زاوية مختلفة، إذ دأب مسؤولوه على تكرار مزاعم المخاوف الأمنية، والخشية من ظهور قوة عسكرية سورية جديدة، تتشكل من فصائل ذات خلفية إسلامية وخبرة قتالية. وقد رافقت تلك المزاعم اعتداءات مستمرة، وتوسيع لمناطق نفوذ الاحتلال جنوب سوريا وفرض وقائع تدريجية.

العقدة الأساسية والاختبار الحقيقي

في المقابل، تبرز مشكلة داخلية لا تحتاج إلى عامل خارجي لتفسيرها. فالسلطة الجديدة لم ترث جيشاً منظماً بترسانة مفهرسة، بل ورثت كميات هائلة من السلاح والذخيرة تراكمت خلال سنوات الحرب وتوزعت بين أطراف متعددة. امتلاك السلاح شيء، ومعرفة حالته وأماكنه وطريقة تخزينه ونقله والتخلص من التالف منه شيء آخر.

وهذه عقدة أساسية في المرحلة الحالية. فالفصائل التي كانت تدير سلاحها وفق حاجات الجبهات أصبحت مطالبة بالعمل داخل مؤسسة واحدة لها قواعد مختلفة. بناء الجيش لا يعني فقط جمع المقاتلين والأسلحة، بل يعني أيضاً جرد الترسانة، وتنظيم المخازن، وضبط عمليات النقل، وإتلاف الذخائر القديمة، وتحديد المسؤولية عن كل مستودع.

لذلك فإن خمسة انفجارات خلال أسابيع قليلة ليست مجرد حوادث منفصلة يمكن تجاوزها ببيانات قصيرة، بل اختبار حقيقي لقدرة وزارة الدفاع على إدارة إرث الحرب وبناء مؤسسة عسكرية جديدة. وحتى الآن لا تكفي المعطيات للقول إن هناك حملة منظمة، كما لا تكفي للقول إن الأمر مجرد حوادث تقنية. لكن استمرار الانفجارات من دون نتائج تحقيق واضحة سيبقي السؤال قائماً: هل نجحت السلطة الجديدة في السيطرة على سلاح الحرب، أم أنها نقلته فقط من أيدي القوى السابقة إلى مستودعات تحمل اسم الدولة؟

انفجارات_مخازن_الأسلحة_في_سوريا الجيش_السوري_الجديد

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0