طفولة مسلوبة
يعيش أطفال وطفلات الشارع بين التسول والتشرد، بعيداً عن الدفء الأسري والتعليم والرعاية الصحية والحماية. بعضهم/ن لا يعرف نسبه، وبعض آخر غير مسجل في السجلات الرسمية. وفي ظل غياب إحصاءات ودراسات حكومية واضحة تحدد الأعداد، تستمر المعاناة في ظروف قاسية تعكس قصوراً حكومياً ومجتمعياً في التعامل مع هذه الظاهرة.
فيما يواجه مكتومو ومكتومات القيد تعقيدات قانونية إضافية تعيق الحصول على التعليم والفرص الأساسية، فليس لهم/نّ وجود في السجلات المدنية، ولا أرقام وطنية، فضلاً عن البقاء عرضةً لوصمة مجتمعية تفاقم التهميش.
تتشابك هذه القضية مع أبعاد اجتماعية واقتصادية ونفسية وصحية، فيما تشهد شوارع دمشق ومناطق سوريّةٍ أخرى تزايداً في مظاهر التسول وعمالة الأطفال والاستغلال. هنا، تبرز الحاجة إلى فهم العوامل الاجتماعية التي تدفع هذه الشريحة إلى التشرد، ودراسة دور الإعلام والجمعيات المدنية والجهات الحكومية المعنية في تشكيل التصورات المجتمعية حولها، علاوة على البحث في إسهام هذه المؤسسات في طرح حلول للظاهرة، أو على العكس، في تكريس الصور النمطية السلبية المرتبطة بها.
أيّ صورة رسمها الإعلام؟
في كثير من الحالات، وبدلاً من الإشارة إلى الاستغلال الذي تتعرض له هذه الفئة، رسم الإعلام صوراً إجرامية لها. يُعدّ الإعلام مرآةً للمجتمع، لكن كيف حوّل الإعلام الرسمي في عهد النظام السّابق، في العديد من المناسبات، هذه الفئة إلى «ضمير غائب مستتر»، يُشار إليه عبر إحصاءات مبهمة أو صور مجتزأة، من دون أن يُظهر معاناتها الحقيقية، أو التحديات اليومية، أو العنف الذي تتعرض له؟ ففي معظم الأحيان، كان حضور هذه الفئة في التغطيات الإعلامية موسمياً، بوصفها موضوعاً عابراً، أو ضمن تقارير لا تتجاوز حدود التوعية أو تقديم حلول سطحيّة.
يعني التهميش الإعلامي لظاهرة أطفال الشارع، في المقام الأول، أن المجتمع لا يفهم بعمق القضايا المرتبطة بتفاصيل حياتهن/م. فالإعلام الذي يسلّط الضوء على «قضايا الكبار»، كالفساد والسياسة والاقتصاد، يغفل غالباً عن تناول الأسباب الجذرية التي تجعل هؤلاء الأطفال والطفلات ضحايا للفقر، أو التفكك الأسري، أو التهجير، أو الحرب.
ماذا يتوجب على الإعلام السوري اليوم تجاه هذه الظاهرة؟
أصبحت هذه الشريحة المهمشة «ضيفة عابرة» في الإعلام، بينما مشكلاتها إلى تغطية مستمرة. وبعيداً عن كونها مجرد «حوادث عارضة»، لإن قضاياها في الحقيقة جزء من قصة جماعية تستحق تسليط الضوء عليها.
لا يملك كثير من هؤلاء الأطفال والطفلات أوراقاً ثبوتية، ما يعني أنه حتى في الحالات التي يجري فيها تسليط الضوء على قضايا حقوق الإنسان، لا تُذكر هذه الفئة، إذا لا وجود لها في السجلات الرسمية. أين الإعلام من مهمته الأساسية، بوصفه أداةً للرصد والإضاءة على هذا الواقع المظلم؟ لماذا لا يدافع عن هؤلاء الأطفال والطفلات؟ ولماذا لا يضغط على الجهات المعنية لتغيير التشريعات التي تمنع حصولهنّ/م على الحقوق الأساسية؟
الإعلام الذي يسلّط الضوء على «قضايا الكبار»، يغفل غالباً عن تناول الأسباب الجذرية التي تجعل هؤلاء الأطفال والطفلات ضحايا للفقر، أو التفكك الأسري، أو التهجير، أو الحرب
لا تكمن مشكلة الإعلام، في هذا السياق، في عدم قدرته على نقل الصورة، بل في اختياره أيَّة صورة يعرضها. وأحياناً تكون الصورة التي يقدمها مشوهة، فتقلل من حجم المأساة، وتعرض هذه الفئة بوصفها مجردة من القيم الإنسانية التي يجب أن تتمتع بها.
من وجهة نظر الصحافة، يقول الصحافي بشار دولة: «يتوجب اليوم على الإعلام أن يتحرك على جميع الصعد الثقافية والسياسية والاجتماعية لمساعدة هؤلاء الأطفال والطفلات، وحمايتهم/ن، وإيصال أصواتهم/ن. يجب أن يتجه الإعلام إلى إنتاج برامج مخصصة للأطفال، لا برامج ترفيهية فقط، وإنما برامج تساعدهم/ن على التفكير الحر والواعي، ومعرفة الحقوق والواجبات، وتنمية التفكير النقدي».
كيف تعاملت الجهات الحكومية السابقة؟
حين اشتعلت نيران الحرب في سوريا مطلع عام 2011، تبعثرت الحقوق والقضايا الإنسانية، وأصبح كلٌّ يبحث عن نجاته فقط. لم تُتح الحرب فرصةً للتفكير بقضية أطفال الشارع أو غيرهم/ن، إذ كان السوريون/ات منشغلين/ات بأنفسهم/ن، وبالنجاة بأرواحهم/ن من الخوف والقهر والقصف والخطف والذل. وكان الأطفال والطفلات من أبرز ضحايا هذا العنف، سواء في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السابق، حيث قُتلوا بنيرانه، أو حتى في المناطق التي كانت تحت سيطرته، عبر عنف من نوع آخر.
تقول أريج موسى، ناشطة مدنية في مجال حقوق الأطفال: «عايش الأطفال والطفلات ظروفاً صعبة في ظل غياب أي مسؤولية حكومية، وشهدنا قصصاً مؤسفة نتيجة هذا التقصير. علاوة على ذلك، استغلت عصابات الجريمة المنظمة بعض هؤلاء الأطفال والطفلات، وتعرض بعضهم/ن للإدمان، كما أظهرت مقاطع الفيديو والصور التي انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي، والتي بيّنت حالات إدمان أطفال على مادة (الشعلة) المخدرة».
وتضيف: «خلال سنوات عملي في مؤسسة (ع. سيّار)، التي كانت تسعى إلى إعادة تأهيل الأطفال والطفلات وتأمين مركز رعاية خاص بعيداً عن الشارع، كانت تُقام، في المقابل، حملات لانتشال الأطفال والطفلات من الشارع قسراً. لكن إلى أين؟ كان يجري نقلهم/ن إلى مراكز الأحداث، ومن خلال شهادات الأطفال والطفلات، كانوا عرضةً لأقسى أنواع العنف والإهانة في مركز الأحداث المشهور في قدسيا. وكان العاملون فيه، ليلاً، يصبّون على الأطفال والطفلات مياهًا باردة ويضعونهم/ن داخل الدواليب لتعذيبهم/ن، لذلك كان الشارع، في نظر كثير منهم/ن، أرحم من مراكز الأحداث والرعاية في زمن النظام السابق. يضاف إلى ذلك وجود بعضهم/ن في دور الأيتام من دون معرفة هوياتهم/ن، ما جعل أوضاعهم/ن أكثر تعقيداً، إذ باتوا أطفالاً مكتومي القيد ومجهولي النسب».
حلم بجبر الضرر والعدالة الانتقالية
تُشير العدالة الانتقالية إلى كيفية استجابة المجتمعات لإرث الانتهاكات الجسيمة والصارخة لحقوق الإنسان. وهي تطرح بعضاً من أكثر الأسئلة صعوبةً في القانون والسياسة والحياة الاجتماعية، وتسعى إلى معالجة عددٍ لا يُحصى من القضايا والجدالات. والعدالة الانتقالية تُعنى، أولاً، بالضحايا، قبل أي اعتبار آخر.
وبسبب الانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق، فقد كثير من الأطفال والطفلات أحد الوالدين أو كليهما، وتعرّض كثير للنزوح والتشرد، ما أدى إلى ارتفاع أعداد الأيتام والأطفال الذين فقدوا الرعاية الأسرية. وهذا ما يستوجب إدراج هذه القضية ضمن مسارات العدالة الانتقاليّة.
كذلك، أدّى حرمان كثير من الأهالي من العمل، وارتفاع معدلات البطالة، وتفاقم الأزمة الاقتصادية، وغلاء المعيشة، إلى عجز العديد من الأسر عن تأمين احتياجات الأطفال الأساسية، من رعاية وتعليم وعلاج، الأمر الذي أسهم في اتساع ظاهرة تسول الأطفال والطفلات، وهي قضية ينبغي أن تحظى باهتمام واضح ضمن ملف العدالة الانتقاليّة.
فهل ستسهم العدالة الانتقالية في تعويض الأطفال والطفلات تعويضاً مادياً ومعنوياً، وصحياً واجتماعياً ونفسياً؟
علينا أن نسأل أنفسنا: كيف وصل هؤلاء الأطفال والطفلات إلى هنا؟ وما الذي دفعهم/ن إلى العيش في الشارع، حفاة الأقدام، لا يعرفون/ن من الحياة سوى البرد والجوع؟
يتمسك هؤلاء الأطفال والطفلات بحلم العدالة، حلم يتجسد في الحق بالحياة، والتعليم، والرعاية كبقية الأطفال، وفي أن يُنظر إليهم/ن بوصفهم/ن جزءاً لا يتجزأ من المجتمع، لا عبئاً عليه، بل مستقبلاً ممكناً إذا توافرت الرعاية والدعم. والعدالة هنا ليست مجرد قانون يضمن الحقوق، إنها ضمان لحياة كريمة، وفرصة للعيش بعيداً عن الاستغلال في التسول أو الاتجار بالأطفال ضمن أسواق موازية غير مرئية. غير أن هذا الحلم يصطدم بواقع طويل من الإهمال، إذ تكشف الحقيقة حرمان أغلب هؤلاء الأطفال والطفلات من الحقوق الأساسية التي نصّت عليها اتفاقية حقوق الطفل. نحن لسنا أمام ضحايا للفقر أو التفكك الأسري فحسب، بل أمام ضحايا مجتمع ومؤسسات وحكومات عجزت عن توفير الحماية الكافية، وضحايا قوانين لا تزال تتعامل بمنطق الحالات الفردية، بدلاً من الاعتراف بأنها قضية مجتمعية تستدعي معالجة جذرية لأسباب التشرد والتسوّل.
واقع أليم
الواقع الذي تعيشه هذه الشريحة من الأطفال والطفلات لا ينحصر في ضياع الطفولة فقط، إذ يمتد ليشمل معركةً مستمرة من أجل البقاء. وغالباً ما يُجبر هؤلاء الأطفال والطفلات على ممارسة التسول في سن مبكرة، وأحياناً يُستغلون/ن من قبل شبكات منظمة.
أدّى حرمان كثير من الأهالي من العمل، وارتفاع معدلات البطالة، وتفاقم الأزمة الاقتصادية، وغلاء المعيشة، إلى عجز العديد من الأسر عن تأمين احتياجات الأطفال الأساسية
تدور هذه الفئة في دائرة مغلقة من الفقر والإهمال والعنف، وتكمن المأساة الحقيقية في أن هذه الدائرة تتحول مع مرور الوقت إلى واقع يصعب الإفلات منه. فكلما تقدم هؤلاء في العمر، ازداد الضغط بتحويلهم/ن جزءاً من حلقة تتوارث الفقر والتسول، ليس بسبب الحاجة المادية فقط، بل أيضاً نتيجة التهميش على المستويين النفسي والاجتماعي.
ما الذي يتوجب على السلطات لمساعدة هذه الشريحة، وترسيخ صورة إنسانية عادلة لها؟ يقول الصحافي بشار دولة: «المطلوب من الحكومة السورية الانتقالية، والوزارات، الحد من الآثار السلبية للعنف والاستغلال الذي يتعرض له الأطفال، وذلك بالتوازي مع الدور الذي تؤديه وزارة الإعلام. ويجب أن تُوجَّه جميع المؤسسات الحكومية والمدنية والاجتماعية إلى التركيز على الطفل، بوصفه الركيزة الأساسية للمرحلة المقبلة في سوريا الجديدة. ويتحقق ذلك من خلال دعم الجمعيات التي تعنى بشؤون الطفل، ورعاية البيئات التي تشكل الأسرة أساسها، عبر برامج اجتماعية تساعد الأسرة والطفل على الاندماج في المجتمع بصورة سليمة. كما ينبغي أن تشمل هذه البرامج الأطفالَ مكتومي القيد، بما يضمن دمجهم في المجتمع، ويحول دون انجرافهم إلى مسارات قد تكون عواقبها وخيمة».
كيف يمكن الدمج؟
يتطلب دمج الأطفال والطفلات المتسولين/ات ومكتومي/ات القيد، تعاوناً وثيقاً بين المؤسسات الحكومية والمدنية والاجتماعية، بالاستناد إلى بيانات وإحصاءات ووثائق دقيقة تساعد على فهم واقع هذه الفئة واحتياجاتها. كما يتطلب فتح قنوات تواصل وتنسيق بين هذه المؤسسات والدولة، بما يضمن دعمها مادياً وإعلامياً، وإطلاق برامج للتكافل الاجتماعي والاقتصادي. ويبقى الأهم أن يشعر الطفل بأنه ينتمي إلى مجتمع يحميه ويحتضنه، لا إلى مجتمع ينبذه.
تقول أريج موسى، ناشطة مدنية في حقوق الأطفال: «افتُتح اليوم مركز لرعاية الأطفال المتسولين، وهي خطوة جيدة ونقلة نوعية مهمة في سوريا الجديدة. فقد استمعت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل إلى هؤلاء الأطفال، وكان أول ما طلبوه هو دار رعاية تحميهم من أذى العصابات، ومن بعض أفراد عائلاتهم، ومن الشارع. واليوم، يبدو أن الوزارة قد أمسكت بطرف الخيط، ومن شأنها متابعة أوضاع عائلات الأطفال، ومحاسبة العصابات التي استغلتهم طوال سنوات، بما يضمن إنصاف هؤلاء الأطفال، وتمكينهم من التحرر والعيش حياة كريمة وآمنة».
لا مكان للحياد
أما أنا، فلا يمكنني الاكتفاء بوصف المشهد بحياد التزاماً بقواعد الصحافة، لأن الحياد هنا قد يتحول إلى «تواطؤ». الكتابة عن أطفال وطفلات الشارع القيد ليست نقلاً للواقع فحسب، إنما هي محاولة للحفاظ على ما تبقى من إنسانيتنا الجماعية.
ولا يمكن أن تتحقق العدالة إلا إذا مُنح هؤلاء الأطفال والطفلات فرصة حقيقية لحياة أفضل من تلك التي فرضتها الشوارع. كل طفل في الشارع قصة لم تكتمل بعد. قد تبدأ بالوجع، لكنها تستحق أن تنتهي بالحياة. وكل طفل عاش المعاناة هو إنسان، وبطل لحكاية عميقة تمتد فصولها طويلاً، ولم يفت الأوان بعد لانتشاله من واقعه وإنقاذ طفولته المسلوبة. فالطفولة مسؤوليتنا جميعاً، ومسؤوليتنا اليوم أن نعيد إليها حقها في الأمان، والتعليم، والحلم، والحب، والحياة، والأمل.
ويُنشر بالتعاون بين مؤسسة شبكة الصحفيات السوريات و صوت سوري