× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

لوحة للفنانة اللبنانية د.خولة طفيلي

هل الحرب قدرٌ بشريّ؟

عقل بارد - شعوب وحروب 28-09-2026

حين تندلع الحرب، لا تتشابه أصوات الرصاص مع أصوات الوجع، فمن يمسك بخيوط القرار في غرف السلطة المغلقة ليس كمن يصحو على فجيعة الدم والنزوح. من غزة وأوكرانيا إلى سوريا وسواها، يفتح هذا المقال نقاشاً جريئاً وعميقاً حول سؤال جوهري: هل الحرب قدر بشري محتوم، أم أنها مؤسسة صنعها الإنسان ويمكنه تفكيكها؟ قراءة تأملية في جغرافيا السلطة، وذاكرة النساء تحت القصف، وجذور العنف البشري

يعيش العالم اليوم واحدة من أكثر مراحله اضطراباً، فمن أوكرانيا إلى غزة إلى الخليج العربي، تتحول المدن إلى ساحات للقتال، فيما يدفع المدنيون ثمناً لقرارات لم يشاركوا في صنعها. وهي، في معظمها، حروب قررها رجال، وخاضها رجال، وأدارتها مؤسسات تقوم على القوة والسلاح، بينما بقيت النساء والأطفال والمدنيون عموماً في الجهة الأخرى من المعادلة، يواجهون القتل والخوف والنزوح وفقدان البيوت والأبناء.

بالنسبة إلينا - نحن السوريين والسوريات - الحرب ليست صورة على شاشة أو خبراً في نشرة، بل تجربة مريرة اختبرتها بلادنا. ولذلك لا يبدو السؤال عن الحرب سؤالاً عن صراعات بعيدة، بل عن شيء عاشه الناس ويمكن إعادة التفكير فيه: هل الحرب جزء من طبيعة الإنسان، أم أنها شكل من أشكال الحياة صنعه الإنسان نفسه؟

حين نقول إن الحروب قررها رجال، لا يعني ذلك أن كل الرجال يريدون الحرب، ولا أن النساء لا يشاركن فيها، وإنما يعني أن مراكز القرار السياسي والعسكري ظلت، عبر مراحل طويلة من التاريخ، مرتبطة بهيمنة الرجال على السلطة والسلاح. ومن يملك القرار يستطيع أن يقرر متى تبدأ الحرب، لكن من يدفع ثمنها ليس بالضرورة من اتخذ القرار. يكفي أن تصل الحرب إلى مدينة حتى تتغير حياة الناس، فيصبح البيت مكاناً غير آمن، والعمل شيئاً ثانوياً أمام النجاة، ويصبح الخوف جزءاً من الحياة اليومية. وهذا ما يجعل تجربة الحرب السورية بالنسبة لي مدخلاً طبيعياً إلى السؤال، لأنها جعلت المسافة بين القرار ونتيجته واضحة أمام عيني.

دروس من الذاكرة: لا حرب بوجوه نسائية

ربما لهذا السبب لفتني كتاب «ليس للحرب وجه أنثوي» لِـ سفيتلانا أليكسييفيتش. فالكتاب يستعيد شهادات نساء شاركن في الحرب العالمية الثانية، حملن السلاح أو عملن في الجبهة، مع أنهن لم يكنّ صاحبات القرار في إشعالها. دخلنها بعدما أصبحت واقعاً مفروضاً، واضطررن إلى أداء أدوار قاسية فرضتها ظروفها، ثم حملن آثارها معهن بعد انتهائها.
وهنا تكمن أهمية الكتاب بالنسبة إلى سؤالي السابق، فالحرب التي يقررها الرجال من مواقع السلطة لا تبقى حرباً بين الجيوش، بل تدخل حياة النساء وتفرض عليهن أدواراً لم يخترنها، ثم تترك نتائجها النفسية والجسدية والاجتماعية في حياتهن. وهذا لا يعني أن المرأة لا تستطيع القتال أو الدفاع عن نفسها، قد تحمل السلاح دفاعاً عن بيتها أو عائلتها أو مجتمعها، لكن وصولها إلى السلاح بعد اندلاع الحرب لا يعني أنها اختارت الحرب.

هناك فرق بين اختيار الحرب وبين الاضطرار إلى الدفاع عن النفس عندما تصبح الحرب واقعاً مفروضاً. وتكشف شهادات أليكسييفيتش هذا الفرق بوضوح، إذ تظهر الحرب من داخل الخوف والانتظار والموت وفقدان الأحبة، لا من خلال لغة الانتصار والهزيمة التي اعتادت الرواية العسكرية استخدامها. فالمرأة لا ترى الحرب من خلال الخريطة وحدها، بل من داخل البيت الذي قد تفقده، والابن الذي قد لا يعود، والحياة التي تنقلب تحت القصف.

ليس للحرب وجه أنثوي - سفيتلانا أليكسييفيتش

كتاب صدر عام 1985، يستند إلى شهادات نساء سوفييتيات شاركن في الحرب العالمية الثانية. تتخلى أليكسييفيتش عن السرد العسكري التقليدي لتصغي إلى التجربة اليومية للنساء في الجبهة وخلفها: الخوف، الفقد، الجوع، الحب والذاكرة. ومن خلال تعدد الأصوات، تكشف أن الحرب ليست مجرد معارك وانتصارات، بل تجربة إنسانية تترك آثارها العميقة في من عاشها. يُعد الكتاب من أبرز أعمال التاريخ الشفهي والأدب غير الروائي، وهو جزء من المشروع الأدبي الذي نالت عنه أليكسييفيتش جائزة نوبل للآداب عام 2015.

من الدفاع عن النفس إلى مؤسسة الحرب

لكن إذا كانت الحرب تترك كل هذه النتائج على أناس لم يختاروا الدخول فيها، فالسؤال الأهم: لماذا يستطيع الإنسان أصلاً أن يجعل الحرب جزءاً منظماً من حياته؟ هل نحن أمام غريزة بشرية ثابتة؟ أم أمام شيء تغير مع تغير الطريقة التي نظم بها البشر حياتهم وعلاقاتهم ومواردهم؟

للإجابة عن ذلك، أجد من المفيد العودة إلى بدايات المجتمع البشري، إلى ما يُعرف في بعض الطروحات بالمجتمع المشاعي الأمومي. ولا أقصد بالأمومي أن النساء كنّ يحكمن الرجال، وإنما أن المرأة كانت تحتل موقعاً مركزياً داخل الجماعة، في مرحلة لم تكن فيها الملكية الخاصة قد أصبحت الأساس الذي ينظم المجتمع، ولم تكن الأرض والثروة والموارد ملكيات فردية قابلة للتراكم والتوريث كما أصبحت لاحقاً. كانت الجماعة تعتمد بدرجة أكبر على المشاركة والتعاون وتقاسم الموارد، ولم تكن هناك دول وجيوش ومؤسسات دائمة لتنظيم العنف وفرضه على الآخرين.

وهذا لا يعني بدوره أن ذلك المجتمع كان خالياً من العنف أو الصراع، فالدفاع عن النفس والجماعة وتأمين الغذاء والحماية كانت مسائل مرتبطة بالبقاء. الإنسان لم يكن عاجزاً عن استخدام القوة، لكن هناك فرقاً بين استخدامها للدفاع عن النفس عندما يهدده خطر، وبين أن تصبح القوة مؤسسة قائمة بذاتها، لها جيوش وقيادات وموارد وأهداف تتجاوز الدفاع المباشر عن الحياة.

ومع التحولات الكبرى وظهر الملكية الخاصة، لم تعد الموارد شيئاً مشتركاً، بل شيئاً يمكن امتلاكه والدفاع عنه وتوريثه. وهنا يمكن فهم ما طرحه فريدريك إنجلز حول العلاقة بين الأسرة والملكية الخاصة والدولة وصعود النظام الأبوي. فالقوة تحولت من فعل دفاعي محدود إلى نظام منظم يمكن استخدامه للسيطرة والتوسع وحماية المصالح.

أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة - فريدريك إنجلز

عمل فكري وتاريخي بارز نُشر عام 1884، اعتمد فيه إنجلز بصورة أساسية على أبحاث عالم الأنثروبولوجيا لويس هنري مورغان. يجادل بأن الأسرة والملكية الخاصة والدولة ليست مؤسسات أزلية، بل تشكلت تاريخيًا مع تحولات اقتصادية واجتماعية، أبرزها تراكم الثروة وظهور فائض الإنتاج. ويربط إنجلز هذه التحولات بتفكك أنماط التنظيم المشاعي وصعود النظام الأبوي، وبنشوء الدولة بوصفها مؤسسة مرتبطة بتنظيم السلطة وحماية الملكية والمصالح الطبقية.

هل الحرب قدر بشري نهائي؟

هذه النقلة تفسر لماذا تختلف الحرب عن العنف المرتبط بالبقاء. فالحرب الحديثة تحتاج إلى جيوش وتنظيم وتمويل وسلاح وقيادة وقرار سياسي، ثم إلى إقناع المجتمع بأن القتال ضرورة. وهذا ما رأيناه في سوريا، فلم تتغير حياة السوريين والسوريات بسبب المعارك وحدها، وإنما بسبب ما أنتجته من نزوح وفقدان وفقر وانقسام. ومن حمل السلاح لا يمكن وضعه دائماً في الخانة ذاتها مع من اتخذ قرار الحرب.

وإذا كانت الحرب الحديثة قد ارتبطت بهذا الشكل من تنظيم السلطة والملكية والقوة، فهذا يعني أنها ليست غريزة تعمل بالطريقة نفسها في كل زمان ومكان. الإنسان عرف التعاون قبل أن يعرف الدولة والجيش، وهو قادر على الاثنين، لكن المجتمع الذي يبنيه يحدد إلى حد كبير أي شكل من أشكال القوة يصبح سائداً.

أعتقد أن هذا السؤال بالنسبة إلينا - نحن السوريين والسوريات - ليس نظرياً. فقد عشنا سنوات كان فيها القرار السياسي والعسكري بيد رجال ومؤسسات تملك القدرة على إشعال الحرب وتوسيعها، بينما وجد الناس أنفسهم أمام نتائج لم يختاروها. لذلك لا أرى الحرب قدراً بشرياً ثابتاً. قد يكون الدفاع عن الحياة ضرورة، لكن هذا شيء مختلف عن أن تصبح الحرب مؤسسة دائمة. وإذا كان الإنسان قد صنع الدولة والملكية والجيوش، ثم صنع معها أشكالاً منظمة من الحرب، فهو قادر أيضاً على تغيير الشروط التي جعلت هذه الحرب ممكنة ومستمرة.

بالنسبة إليّ، السؤال لم يعد فقط: كيف تنتهي الحرب؟ بل: كيف نبني حياة لا تكون فيها الحرب هي الخيار الطبيعي عندما يختلف البشر؟ لا أعتقد أن الإنسان محكوم إلى الأبد بأن يقتل ويقاتل. ما صنعه البشر في مرحلة يمكنهم إعادة التفكير فيه في مرحلة أخرى، والحرب، في صورتها المنظمة التي عرفناها، ليست قدراً ينتظر الإنسان.

شعوب_وحروب سفيتلانا_أليكسييفيتش أصل_العائلة فريدريك_إنجلز

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0