× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

«الطوافرة» في قلب حماة: كيف تحول إلى حيٍّ تحرسه الأرواح؟

حكاياتنا - خبز 30-09-2026

حيٌّ تاريخي ينبض في قلب مدينة حماة، لكنه يتحول تدريجياً إلى متحفٍ صامت تحرسه ذكريات من رحلوا وأرواح الأجداد. يتتبع هذا التقرير التاريخ المعاصر لحي «الطوافرة»، أشهر أحياء المدينة العريقة، ويحاور بعض من تبقى من سكانه، ليشرح كيف تحولت قصوره إلى بيوت مهجورة

لا تهدأ ساحة العاصي، في قلب حماة، من حركة المتسوقين والطلاب والمارة. تتكدس السيارات في شارعها الضيق، ويصل ضجيجها إلى حديقة «أم الحسن» على الضفة الشمالية الشرقية للنهر، حيث يتنزه الناس ويلتقطون الصور أمام ناعورة «الجسرية»، بينما يسبح الأطفال في مياه العاصي كما اعتاد الحمويون منذ أجيال.

لكن يكفي عبور النهر والسير خطوات قليلة نحو الضفة الأخرى حتى ينقطع هذا الصخب. عند مدخل حي الطوافرة الأثري، يبدو كأن المدينة تنتهي فجأة: شوارع شبه خالية، بيوت صامتة، وهدوء لا يقطعه سوى دوران النواعير الثلاث قرب منازل «آل طيفور»، فضلاً عن ثلاث أخريات عند مخرج الحي من جهة جامع النوري.

ناعورتا المؤيدية والعثمانية، وفي العمق الناعورة المأمورية. مدخل حي الطوافرة الجنوبي

ترتفع بيوت حي الطوافرة على جانبي الطريق الحجري الضيق، وتتصل في مواضع عدة بقباب «السّباط» العالية التي تظلل الممر. ومن النظرة الأولى، يبدو المكان شبه مهجور رغم قربه من مركز المدينة. لا أصوات تخرج من البيوت، ونوافذ كثيرة سُدّت بالطوب (البلوك)، وشبابيك حديدية مكسورة، فيما تحمل الجدران الحجرية كتابات ورسائل تركها عابرون. خلف هذه الجدران تختبئ بيوت كبيرة، كان بعضها قصوراً، يدخلها ضوء الشمس كل صباح من دون أن يجد من يفتح أبوابها أو يجلس في صحونها الواسعة.

لم يكن العثور على سكان الحي أو الوصول إلى أصحاب البيوت سهلاً وسط هذا الفراغ. أبواب تُطرق بلا مجيب، ورسائل تُترك لدى المعارف، ولقاءات يُعتذر عنها في اللحظات الأخيرة. وتزداد عزلة من بقي من السكان مع اقتصار الحي على الدور السكنية والمعالم الأثرية، كحمام العثمانية وقصر العظم والمساجد، وندرة المحال والأعمال التي تتيح الاحتكاك بهم، ليبدو «الطوافرة» بقعة صامتة وشبه مهجورة، رغم وقوعه في قلب مدينة تضج بالحركة.

المدخل الجنوبي لحي الطوافرة

يلخص طارق (75 عاماً)، أحد سكان الحي، هذا الفراغ بقوله: «لم يبقَ سوانا نحن وأولاد عمي، أولاد الحاج نزار.. نسكن حي الطوافرة، وباقي منازل آل طيفور مهجورة بالكامل رغم كبر مساحتها وعراقتها». موضحاً أن الوجود البشري في هذا الحي الواسع، الذي حافظ على نسيجه العمراني الأثري، يقتصر اليوم على عائلتين فقط لا يتجاوز عدد أفرادهما مجتمعين 30 شخصاً.

يمتد حي الطوافرة على الضفة الغربية لنهر العاصي، في قلب مدينة حماة، وتبلغ مساحته 69 دونماً بحسب مخططات مجلس المدينة. ويُرجع الباحث والمهندس بشار شمطية جذور الحي إلى العصر الروماني، موضحاً أنه مرّ بتحولات مفصلية، أبرزها زلزال حماة الكبير عام 1157م، الذي دمّره بالكامل، قبل أن يُعاد إعماره في عهد نور الدين الزنكي.

لافتة تحمل الاسم الرسمي للحي

أحد أزقة حي الطوافرة

في منتصف القرن الثالث عشر، ترسخت الملامح المعمارية للحي في العصر المملوكي، قبل أن يستقر نسيجه العمراني في العهد العثماني. آنذاك، اكتسب الطوافرة طابعاً وجاهياً وإدارياً مع احتضانه قصر «آل العظم» وسكن العائلات الإقطاعية الكبرى، وفي مقدمتها عائلة «آل طيفور» التي منحت الحي اسمه، لكثافة حضورها فيه وتولي كبيرها، عبد الله آغا طيفور، متصرفية حماة، في وقت كان من الشائع فيه تسمية الأحياء بأسماء العائلات المتنفذة، كالكيلانية والبرازية.

هذا الثقل المعماري رافقه نمط معيشي مزدهر فرضه الموقع الهام للحي. يوضح شمطية أن الحي تمركز قديماً بين بابين رئيسيين اندثرا اليوم، «باب حمص» و«باب الناعورة»، مشيراً إلى أن التجاور مع نهر العاصي خلق نظاماً مائياً متكاملاً، إذ كانت مياه النهر تسقي الحارة وتلبي الاحتياجات اليومية، بينما خُصصت آبارٌ محفورة داخل الدور للشرب.

وعن تفاصيل تلك التركيبة الاجتماعية، يضيف شمطية: «كانت قصوره الواسعة تعجّ بالعائلات الممتدة التي يتوزع أبناؤها وأحفادها في دورٍ متجاورة تُسمى كلٌّ منها باسم الجد الأكبر، لتتشكل منها مجتمعات صغيرة مترابطة تملأ صحون البيوت وقاعاتها بالحياة».

واجهة أحد منازل آل طيفور - تحتاج للترميم

عاش أحمد طيفور في منزل جده «زاكي» المطل على نهر العاصي، وهو بناء ضخم يمتد على مساحة 500 متر مربع اقتُطعت من قصر العائلة الأكبر البالغة مساحته أربعة دونمات. هناك، تقاسم أحمد المكان مع أعمامه الثمانية وعائلاتهم في بناء من ثلاثة طوابق، يضم السفلي إسطبلاً و«منزولاً» للضيوف، بينما تتداخل الطوابق العليا مع بيوت الجيران بنظام «الارتقاء». كانت لكل عائلة قاعة حجرية مقببة تطل على الشارع، في حين يتشارك الجميع صحن الدار الواسع والمطبخ والحمامات.

يستذكر أحمد تلك الأيام قائلاً: «كنا 40 شخصاً تقريباً في منزل جدي وحده، كانت حياتنا بسيطة ومليئة بالتقارب العائلي.. نجتمع كلنا في صحن دار واحدة كل يوم، وكل خميس عند مدخل الحي للهو وتبادل الأحاديث». ويستعيد أحمد تلك المرحلة بوصفها زمناً كانت فيه العائلة أكثر تماسكاً وحضوراً في حياة الحي.

لكن هذا النمط الجماعي لم يصمد طويلاً. فمع تعاقب الأجيال وازدياد عدد أفراد العائلة، ضاق المكان بساكنيه وتراجعت الخصوصية، ما دفع أحمد والعديد من أبناء جيله إلى مغادرة المنزل الواسع بحثاً عن الاستقلال في بيوت حديثة.

سيباط مهجور يربط بين منزلين في حي الطوافرة، كان غرفةً في ما مضى

اليوم، يجلس أحمد (71 عاماً) في قاعة استقبال منزله الحالي في حماة، محاولاً استرجاع تفاصيل ذلك الماضي. يحيط نفسه بأثاث خشبي مزخرف بالموزاييك الدمشقي ورثه عن والدته، ولوحات ذات طابع فولكلوري تعيده إلى قاعات منزل والده وجده. ويقطع حديثه مراراً ليقلّب صوراً قديمة للحي ووثائق عائلية، إحداها ممهورة بختم «دولة دمشق» لعام 1922 وتحمل اسم والده مقروناً بلقب «البيك».

رغم مغادرته المكان، حرص أحمد على نقل ذاكرة العائلة وتاريخها إلى أبنائه الخمسة، وهو ما يظهر بوضوح لدى ابنته منيفة، التي احتفظت بتفاصيل كثيرة عن البيت والحي. تتحدث عن رغبتها في العودة إلى المنزل القديم قائلة: «بمجرد أن أزور المكان وأشاهد بيوتنا، تلفتني التفاصيل.. أن جدي جلس هنا، وجدتي لمست هذا المكان».

لكن ضيق البيوت بساكنيها، والبحث عن مزيد من الاستقلال والخصوصية في الشقق الحديثة، لم يكونا سوى بداية لمغادرة بعض أهالي الطوافرة. أما التحول الأكبر فجاء خلال أحداث حماة عام 1982، التي تعرض خلالها الحي للقصف، إلى جانب مناطق أخرى كالكيلانية والبارودية، بحكم ملاصقته للأحياء المستهدفة على الضفة الأخرى من النهر. وشكلت تلك الأحداث نقطة فاصلة في تاريخ الحي، إذ دفعت أعداداً كبيرة من سكانه إلى المغادرة.

الطابق الثاني داخل أحد بيوت آل طيفور في حماة

يوضح المهندس ومدير سياحة حماة سابقاً، مرهف رحيّم، أن القوات العسكرية في نظام الأسد اتخذت حينها قراراً بوضع الحي ضمن قائمة المناطق المستهدفة بالتدمير لسببين، الأول يتعلق بطبيعته العمرانية، من ضيق الشوارع وارتفاع البيوت وتلاصقها، بما يعيق دخول الدبابات ويسهّل حركة الأفراد، والثاني أمني، تمثّل باتهام سكانه بالانتماء إلى جماعة «الإخوان المسلمين» المناوئة للسلطة.

ورغم التراجع عن قرار التدمير الشامل في اللحظات الأخيرة لأسباب غير واضحة، خلّف القصف ندوبه العميقة، فهُدمت واجهات، وتضررت شوارع ومنازل بأكملها. وفقدت عائلة «طيفور» عدداً من أفرادها، فيما غادر من بقي من سكانها بحثاً عن الأمان، قبل أن يعود بعضهم لاحقاً لفترات متقطعة خشية الاستيلاء على منازلهم.

نافذة مغلقة بالقرميد لبيت مسكون من بيوت آل طيفور، ويتكرر المشهد مع كثير من نوافذ الحي

تغيّر وجه الحي وتركيبته الاجتماعية جذرياً بعد تلك الأحداث، إذ لم يقتصر النزوح على آل طيفور، بل شمل عائلات كبيرة أخرى، كالكيلاني والتركماني والعظم، فتوزع أفرادها بين أحياء أخرى داخل حماة وخارج البلاد.

بقي الحي غارقاً في دماره حتى تسعينيات القرن الماضي، حين شرعت البلدية في ترميم قسم كبير منه، وإعادة تأهيل أرضيته وجدرانه، وتوثيقه بوصفه منطقة أثرية. لكن أعمال الترميم لم تُعد السكان إلى المكان، إذ يوضح رحيّم أن مجلس مدينة حماة أطلق لاحقاً حملة استملاكات واسعة، انتقلت بموجبها مساحات وعقارات عديدة من الملكية الخاصة لأهالي الحي إلى الملكية العامة.

وجرى الاستحواذ على معظم العقارات وتخصيصها لجهات عدة، كمديرية التربية، ونقابة الفنانين التشكيليين، وجمعية العاديات، ومديرية المدينة القديمة. وانضمت هذه المقار إلى قصر العظم المستملك سابقاً لصالح دائرة الآثار والمتاحف والمُحوّل إلى متحف للتقاليد الشعبية، إلى جانب مقام البارزي والمدافن والمساجد والمطاعم المستثمرة. ولم ينجُ من حملة الاستملاكات هذه، وفقاً لرحيّم، سوى الملك الشخصي لآل طيفور الذي بقي على حاله عقارياً.

إلا أن هذه البيوت المتبقية اصطدمت بواقع جديد، فقد أدت التعقيدات الإدارية واشتراطات دائرة الآثار الصارمة، إلى جانب التكاليف الباهظة، إلى تحويل البيوت الأثرية المأهولة إلى خرائب تتآكل ببطء أمام أعين ساكنيها. لم يعد ملف الترميم مجرد تفصيل تقني ومعماري، بل عائقٌ يمنع عودة المهجرين، ويحكم على من تبقى بالعجز التام عن إنقاذ منازلهم من التداعي.

مدخل منزل طارق طيفور

تظهر آثار هذا الشلل العمراني بوضوح في البيوت التي ما زال أصحابها يسكنونها.

خلف باب بني قديم، يمتد ممر حجري تعزل برودته الداخل عن حرارة الخارج، فيما تستقبل قطة الداخلين إلى منزل طارق. ويقود درج طويل تحيط به أشجار كثيفة إلى الطابق الثاني، حيث تمتد «أرض ديار» فسيحة، يتوسطها ديوان قديم، وتفتح غرفها على شرفة مطلة على السماء ونهر العاصي.

على هذه الشرفة، يشرب طارق وزوجته محاسن القهوة كل صباح، فيما يرافق صوت ناعورة المأمورية أحاديثهما الهادئة، وتبدو أمامهما بساتين تملكها عائلة العظم. لكن آثار التدهور تظهر في واجهة المنزل، التي كانت تُعرف محلياً بـ «الكشك»، إذ باتت مفتوحة بالكامل بعدما احترقت ودُمرت غرفتان متلاصقتان خلال الأحداث التي طالت الحي. بقي المنزل العربي قائماً، لكن العائلة الكبيرة التي كانت تسكنه غابت عنه.

صورة من سطح طارق طيفور تطل على منازل لآل طيفور وفق نظام "الترقية"، يجاورها العاصي وناعورة المأمورية وبستان آل العظم

يعيش طارق هنا مع أسرته المكونة من خمسة أفراد، وسط بيت تتراكم فيه آثار التهالك وصعوبة الصيانة. وعن متاعب العيش فيه، يعلّق: «يقولون عن البيوت العربية إنها جميلة ومرتبة، ولكن لها مشكلاتها، فيها كل أنواع الكائنات من أفاعٍ وحرادين وحشرات.. وصولاً إلى الجرذان الخارجة من البساتين، ويمكن أن تمر أمامنا ونحن جالسون تتابع سيرها على سلك الغسيل المعدني».

يروي طارق أنه تعرض قبل مدّة للدغة أفعى أدخلته العناية المشددة، مشيراً إلى أن ظهور هذه الكائنات ازداد مع جفاف نهر العاصي، وتوقف حملات المكافحة والرش التي كانت تنفذها البلدية منذ سقوط نظام الأسد، بذريعة «ترتيب الأولويات». ويضيف أن الغبار المتسلل عبر تشققات المنزل يزيد من مشقة التنظيف على زوجته محاسن، إلى حد يدفعها أحياناً إلى التفكير في الانتقال إلى شقة، رغم تعلقها بنباتات البيت التي تحتاج إلى رعاية دائمة، إذ تقول: «لا روح للبيت العربي دونها».

غرفة تحتاج ترميماً في منزل طارق

يقف طارق مكتوف الأيدي أمام هذا التآكل المستمر، فأي ترميم يتجاوز الإصلاحات البسيطة يتطلب موافقات والتزاماً باشتراطات صارمة من دائرة الآثار، ما يدفعه إلى الاكتفاء بترقيع التشققات بيده. ويشير إلى جدار خلفه بُني من «البلوك» عقب قصف واجهة المنزل في الثمانينيات، موضحاً أنه اضطر إلى إبقائه على حاله حتى اليوم بسبب القيود المفروضة على الترميم في الحي الأثري.

تمتد القيود إلى منع تركيب ألواح الطاقة الشمسية، رغم أزمة الكهرباء، بدعوى أنها تشوّه الطابع التراثي للحي. وإلى جانب هذه الاشتراطات، يبرز العائق المالي، إذ يتحمل المالك كامل تكاليف الترميم من دون دعم من المديرية. ينظر طارق إلى بيته المتهالك ويعلّق بسخرية: «لو كنت أملك المال الكافي لرممت بيتي وأعدته كما كان.. لكن شو بدي رمّم لرمّم؟ كل شيء بات مكلفاً للغاية، حتى لو رصدتُ مليار ليرة لن تكفي لإصلاح ما يحتاجه البيت!».

لا تقتصر مشكلة حي الطوافرة على العجز المادي، بل تمتد إلى الإطار القانوني الناظم للترميم والحفاظ على الأبنية الأثرية. فلا يزال «قانون الآثار» الصادر عام 1963 المرجع الأساسي في التعامل مع عقارات الحي، رغم التحولات الكبيرة التي طرأت على المكان وملكيته وسكانه، ما جعل بعض اشتراطات الحماية تتحول عملياً إلى عائق أمام الترميم وإنقاذ البيوت من التدهور.

توضح رئيسة شعبة التنقيب في دائرة آثار حماة، الدكتورة سماهر الياسين، أن هذا القانون يفرض ضوابط صارمة على الأملاك الخاصة، فهو يمنع الهدم أو إضافة كتل بيتونية وطوابق جديدة، ويُلزم المالكين بإعادة استخدام الحجر القديم ومواد تكحيلة وتدعيم خاصة باهظة التكلفة.

لكن تطبيق هذه الاشتراطات يصبح أكثر تعقيداً مع تشتت الملكيات وتوزع الورثة. يوضح أحمد طيفور أن البيت الرئيس لعائلته، المطل على العاصي والنواعير، يحتاج إلى ترميم يُجنبه مزيداً من التهالك، إلا أن العملية متوقفة، إذ يشترط القانون موافقة جميع المالكين بلا استثناء قبل إجراء أي تعديل.

صورة أرشيفية ملونة حديثاً لواجهات منازل آل طيفور في مدخل الحي قبل هدمها في 1982، تظهر أيضاً ناعورة المأمورية

بعد النزوح الجماعي إثر أحداث عام 1982، بقيت عقارات كثيرة من دون حسم فعلي لمصيرها لسنوات طويلة. ومع تعاقب الأجيال، تشتتت ملكية البيت الواحد بين عشرات الورثة الموزعين داخل البلاد وخارجها. وبما أن الإجراءات القانونية تشترط موافقة جميع المالكين على أي تعديل أو ترميم، بات إنجاز هذه الأعمال بالغ الصعوبة، ما ترك كثيراً من البيوت عالقة بين تعدد الورثة وتعقيدات القانون.

وأمام هذه العقدة المزدوجة، تؤكد د. الياسين عدم وجود خطة استراتيجية حالياً لإعادة تأهيل حي الطوافرة على نحو شامل. وتعزو ذلك إلى تعدد جهات الملكية بين أملاك خاصة وأوقاف وبلدية، إضافة إلى تكاليف تفوق قدرة المديرية. لذلك تقتصر أعمال الترميم المباشرة التي تنفذها على المباني المستملكة لصالحها، مثل «قصر العظم» و«قصر الوالي»، فيما يقتصر دورها في بقية العقارات على الإشراف وتنظيم الضبوط والمخالفات.

من نتائج هذا الانسداد ممارسات أكثر خطورة. إذ تحذر د. الياسين من ظاهرة «التخريب المتعمد»، إذ يلجأ بعض المالكين، في ظل قيود قانون 1963 وصعوبة التوافق بين الورثة، إلى إهمال العقار أو إلحاق الضرر ببنيته المعمارية لجعله غير صالح للسكن، أملاً في إسقاط «الصفة الأثرية» عنه، بما يتيح هدمه وإقامة أبنية أو استثمارات حديثة مكانه.

في المحصلة، لم يفرغ حي الطوافرة من سكانه بسبب أحداث الثمانينيات الدامية وحدها، بل أسهمت القوانين القديمة وتشتت الملكيات بين الورثة في إبقائه شبه مهجور حتى اليوم. ومع اشتراطات دائرة الآثار وارتفاع تكاليف الترميم، وجد أصحاب البيوت أنفسهم أمام خيارات محدودة. فمن بقي في الحي ما زال يتعايش مع التدهور وصعوبة الصيانة، ومن غادره اصطدم بتعدد الورثة وتعقيد الاتفاق على مصير العقار.

هكذا، بقي الحي الأثري في قلب حماة بأبوابٍ مغلقة وبيوت متداعية، فيما تحولت القوانين التي وُضعت لحماية هذا التراث، إلى عائق أمام ترميمه وعودة الحياة إليه.

صورة جوية أرشيفية لحي الطوافرة، وتظهر معالم أخرى من المدينة كالقلعة وحديقة أم الحسن وحي تل الدباغة

أُنتج هذا التقرير ضمن ورشة صحفية مشتركة لشبكة الصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة

حي_الطوافرة_في_حماة حماة_القديمة أحياء_حماة_التاريخية

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0