في جرمانا بريف دمشق، لا يزال شارع صغير يحمل اسم «شارع الحمّام»، نسبة إلى حمّام شعبي شُيّد في أواخر العهد العثماني، وواصل عمله رغم الحرائق والحروب والتحولات التي غيرت وجه المدينة خلال أكثر من قرن. لكن الحمّام الذي منح الشارع اسمه عاش خلال الأشهر الماضية مرحلة من عدم اليقين. فبعد انتهاء عقد استثماره، طُلب من العائلة التي تديره إخلاء المبنى وتسليمه إلى لجنة الوقف، وسط حديث عن احتمال تغيير وظيفته أو تحويله إلى متحف للتراث الشعبي. وقبل نشر هذا التقرير، طرأ تطور جديد أعاد فتح الباب أمام استمرار الحمّام في وظيفته الأصلية.
لعقود، استند استمرار الحمّام إلى كونه عقاراً وقفيّاً، لا تملكه الدولة ولا الأفراد. ووفق النظام الذي حكم استثماره، كان المستأجر يكتسب حقاً في استثمار المكان وتوريث منفعته للأجيال اللاحقة مقابل بدل إيجار رمزي، ما منح الأهالي شعوراً بأن الحمام جزء أصيل من المدينة، وبأنه سيبقى في وظيفته ومكانه.
غير أن الحال راحت تتغير في آب/أغسطس 2025، حين عممت مديرية أوقاف ريف دمشق قراراً بإعادة تخمين بدلات إيجار العقارات الوقفية وفق القيمة الرائجة في السوق، وهو إجراء شمل مبنى الحمّام ووضع استمرار عمله أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين.
عمارة البخار والحجر
شُيّد حمّام جرمانا في نهاية القرن التاسع عشر، خلال طفرة بناء الحمّامات في دمشق ومحيطها، واستعار كثيراً من عناصر العمارة الدمشقية، مع مواد وتفاصيل مرتبطة ببيئته المحلية. يتدرج فضاؤه من «البرّاني»، وهو قسم الاستقبال الخارجي الذي تتوسطه بحرة ماء وتحيط بها المقاعد الخشبية والحجرية، إلى «الوسطاني» الأكثر دفئاً، حيث تسترخي الأجساد وتتهيأ للدخول إلى «الجواني»، القسم الحار المملوء بالبخار، بما يضمه من غرف للتعريق ومغطس وخلوات جانبية.
من أعلى القباب، يدخل ضوء النهار عبر فتحات زجاجية ملونة يسميها أهالي جرمانا «القماري». أما الجدران السميكة والحاملة، فبُنيت من الحجر الكلسي والبازلتي المحلي لحفظ الحرارة، بينما استُخدم الحجر «المَزّاوي» الدمشقي (نسبة إلى المزة)، بلونه الوردي اللحمي، في تزيين الأجران.
كان الحمّام يحصل على مياهه من بئر خلفية، تُرفع منها المياه بواسطة دولاب خشبي عُرف بـ«الناعورة»، وظل مستخدماً حتى ستينيات القرن الماضي. أما التدفئة فكانت تأتي من «القميم»، الملحق الخلفي المخصص للتسخين عبر ما يُعرف بالنظام «الجهنمي».
وتحت الأرضيات المرفوعة على ركائز، كان الفرن يشتعل ليمرر الهواء الساخن عبر مجارٍ مفرغة داخل الجدران، فيما يعلو الفرن قِدر نحاسي ضخم جلبه أهالي البلدة من سوق النحاسين في دمشق لتسخين مياه الاستحمام باستمرار.
لم يكن نظام التدفئة منفصلاً عن البيئة الزراعية المحيطة بجرمانا فقد اعتمدت نار الحمّام بصورة أساسية على «كعاب القنب» وقشوره، التي كانت تتوافر بكثرة في الغوطة.
يقول أحمد كاتبة، أحد أبناء جرمانا المهتمين بتوثيق تاريخها: «لم تكن نار الحمّام تعتمد على الحطب العادي، بل كانت تتغذى بشكل أساسي على كعاب القنب وقشوره المتوافرة بكثرة».
ويضيف: «هذا القنب لم يكن مجرد مادة رخيصة للاشتعال، بل كان الشريان الذي فتح جرمانا على الغوطة ودمشق معاً. كان الأهالي يُضمّنون الأراضي، ويقطفون المحصول لبيعه في أسواق العاصمة، لتأتي بقاياه وتشغّل بيت النار في الحمّام. من خلال هذه الدورة، نُسجت شبكة كاملة من العمليات التجارية والثقة بين الناس، وأصبحت نار الحمّام مرتبطة فعلياً بحركة السوق وأرزاق العائلات، وليس فقط بالاستحمام».
من «الفزعة» إلى الوقف
يربط أهالي جرمانا تأسيس الحمّام بمرحلة تشكل البلدة الحديثة في نهاية القرن التاسع عشر، وباسم الشيخ صالح الكحال الدمشقي، الذي عُرف لاحقاً بـ«الجرماني»، وكان له دور في صياغة جزء من حياتها الدينية والاجتماعية والعمرانية.
في عام 1898، قاد الشيخ الكحال مبادرة أهلية لتثبيت عدد من ركائز البلدة. بدأ بالمجلس الديني لطائفة الموحدين الدروز، المعروف محلياً بـ«المادنة»، ثم التفت إلى حاجة أخرى كانت تثقل يوميات الأهالي: غياب حمّام داخل جرمانا.
لم يكن نظام التدفئة منفصلاً عن البيئة الزراعية المحيطة بجرمانا فقد اعتمدت نار الحمّام بصورة أساسية على «كعاب القنب» وقشوره، التي كانت تتوافر بكثرة في غوطة دمشق
حتى ذلك الوقت، كانت النساء يضطررن للذهاب إلى حمّام بلدة عقربا المجاورة. وتتحدث الروايات الشفوية عن قوافل أسبوعية كانت تبدأ رحلتها منذ الصباح الباكر، فتقطع النسوة البساتين والطرق الترابية حاملات صابون الغار وصرر الملابس المهفهفة، فيما يرافقهن رجال من البلدة ويبقون في الخارج تحت الشمس لساعات، في انتظار انتهاء الاستحمام قبل العودة في نهاية اليوم.
ولإنهاء هذه المشقة، أطلق الشيخ الكحال «فزعة» أهلية وجمع التبرعات بحضور مشايخ البلدة. قدّمت النساء مصاغاً ذهبياً للمساهمة في البناء، فيما وهب صديقه خليل بكري أفندي، أحد أعيان دمشق، الأرض التي أُقيم عليها الحمّام.
وبحكم نشأته قرب باب الجابية في دمشق ومعرفته بحمّاماتها، أشرف الشيخ الكحال على البناء بنفسه. وتقول الروايات المحلية إنه صمم حمّام جرمانا ليكون نسخة مصغرة عن حمّام "سوق الخياطين" الدمشقي، الذي كان يحفظ تفاصيله عن ظهر قلب.
عند اكتماله، كان الحمّام واحداً من الأبنية الكبيرة والحديثة قياساً ببيوت جرمانا الطينية آنذاك. وتروي الذاكرة المحلية أن الشيخ الكحال وخليل بكري أفندي كانا أول من استحم فيه بعد افتتاحه. وفي وصيته عام 1910، ثبّت الشيخ الكحال، الذي عُيّن لاحقاً أميراً للحج، الحمّام ضمن الوقف الدرزي وعمله الخيري.
مدينة تغيّرت حول الحمّام
لم يبقَ الحمّام بعيداً عن الأحداث الكبرى التي مرّت بها جرمانا. ففي 15 تشرين الأول/أكتوبر 1925، خلال الثورة السورية الكبرى، أحرق الفرنسيون البلدة للضغط على الثوار، واضطر الأهالي إلى إجلاء عائلاتهم. أُفرغت جرمانا من سكانها، والتهمت النيران أجزاء واسعة منها، بينما نجا الحمّام من الحريق وبقي قائماً حتى عودة الأهالي.
ومع تعاقب السنوات، صار الحمّام شاهداً على تحول أكثر بطئاً، لكنه غيّر وجه جرمانا بصورة أعمق: انتقالها من بلدة زراعية مرتبطة ببساتين الغوطة ويوميات سكانها المحليين، إلى مدينة سكنية تستقبل موجات متتالية من الوافدين.
تمددت المدينة بعيداً عن نواتها القديمة، وطُمرت آبار وجُرفت بساتين، بينما زحفت الأبنية والكتل الخرسانية إلى المساحات المحيطة بالحمّام، وتراجعت كثير من الملامح الريفية التي كانت تحدد شكل جرمانا وعلاقتها بمحيطها.
ولا توجد إحصاءات رسمية حديثة لعدد سكان جرمانا. ففي آخر تعداد رسمي عام 2004، بلغ عدد سكانها نحو 114 ألف نسمة، قبل أن تستقبل المدينة خلال سنوات الحرب موجات كبيرة من النازحين من مناطق سورية مختلفة. وتذهب تقديرات غير رسمية منشورة في عام 2025 إلى أن عدد المقيمين فيها بات يراوح من نحو مليون ونصف المليون، إلى مليوني نسمة.
أكثر من مكان للاستحمام
لم يبقَ الحمّام نفسه بمنأى عن هذه التغيرات. فقد بدأت ملامحه الداخلية تتبدل تدريجياً، مع إدخال تعديلات مرتبطة بأنماط جديدة من الاستخدام والاستثمار. طُليت النقوش الدمشقية القديمة التي كانت تزين جدرانه، وغُطي الحجر البازلتي العتيق بصفائح من الرخام اللامع. ثم أضيفت آلات رياضية وخدمات للمساج، واقتُطع جزء من الحمّام ليُحوّل إلى نادٍ صحي.
كما خرجت أجزاء أخرى من وظيفتها الأصلية. فتحول قسم «القميم» إلى روضة تحضيرية، واستُغني عن القدر النحاسي الضخم الذي جلبه الأهالي من سوق النحاسين في دمشق، وحل مكانه «الشودير»، وهو خزان لتسخين المياه يعمل بالوقود.
تروي الذاكرة المحلية أن الشيخ الكحال وخليل بكري أفندي كانا أول من استحم فيه بعد افتتاحه. وفي وصيته عام 1910، ثبّت الشيخ الكحال، الذي عُيّن لاحقاً أميراً للحج، الحمّام ضمن الوقف الدرزي وعمله الخيري
لكن الحمّام ظل يحتفظ بدور اجتماعي يتجاوز وظيفته الأساسية في الاستحمام. تقول نهى رعد، وهي مدرّسة ستينيّة متقاعدة وخريجة كلية الآثار والمتاحف: «منذ تأسيسه، ولعشرات السنوات، كان الحمام يُعتبر بناءً حديثاً وكبيراً بين بيوت الطين التي بناها أهل جرمانا. تباهوا به واهتموا بتفاصيله واستمرار عمله، ولم تقتصر وظيفته على الاستحمام فحسب، بل شكّل متنفساً ومكاناً للاجتماع وتبادل الأخبار».
تشرح رعد، التي كان حمّام جرمانا موضوع رسالتها الجامعية: «كان الحمّام مشاركاً في كل طقوس البلدة ويومياتها، وعلى رأسها حمّام النفسة (السيدة الحديثة الولادة)، وحمّام العريس والعروس، وسهرة الحنة. وفي وقفة العيد، كانت النساء يجلبن ما صنعن من معمول العيد ليتبادلنه بعد الحمّام».
تحتفظ نهى أيضاً بتفاصيل حسية من المكان: «أتذكر جيداً رائحة البرتقال التي كانت تصاحب المستحمّات وتختلط بروائح الصابون والبخار المتصاعد من أجساد الخارجات إلى البرّاني».
الحرب تغلق الأبواب
في عام 2011، ومع انطلاق الثورة السورية وما تلاها من تصاعد للعمليات العسكرية، أُغلق الحمّام أبوابه. شهدت جرمانا خلال تلك السنوات سلسلة من التفجيرات وسقوط القذائف التي حصدت أرواح عدد من أبناء البلدة ومن العائلات النازحة التي لجأت إليها. ووصلت تداعيات القصف إلى عتبة الحمّام مباشرة. ففي "شارع الحمّام" وحده، سُجل سقوط ما لا يقل عن أربع قذائف، ما جعل استمرار العمل واستقبال الناس أمراً بالغ الصعوبة، ودفع إلى إغلاق المكان وانسحابه من الحياة اليومية للمدينة.
بعد نحو أربع سنوات من الإغلاق، فُتحت أبواب حمّام جرمانا مجدداً عام 2015، هذه المرة بإدارة عائلة خرجت من دمشق حاملة معها إرثاً متأصلاً في مهنة «الحمّامجي». كان الزوج قد ورث المهنة عن أبيه، ثم نقلها تباعاً إلى ولديه.
تقول أم أيمن: «نعمل منذ سنوات أنا وأولادي في الحمّام. لم نكن نرى أنفسنا مستأجرين، تحول الحمّام إلى منزلنا الفعلي، وأصبحنا جزءاً من الحي».
وخلال السنوات التالية، نسجت أم أيمن وأولادها علاقات وثيقة مع أهل الحارة ونساء جرمانا ومشايخها، وأصبح وجود العائلة في الحمّام جزءاً مألوفاً من يوميات المكان. واستمروا في تشغيله نحو عشر سنوات، أُجريت خلالها أعمال ترميم وتحديث.
بين الوقف وحماية التراث
دام عمل الحمّام بملامحه المعدلة حتى كانون الأول/ديسمبر 2024، حين سقط نظام الأسد وكُسرت تماثيله في جرمانا وسائر أنحاء سوريا. تبدلت أسماء شوارع وساحات عديدة، وتحولت «ساحة الرئيس» إلى «ساحة الكرامة»، فيما بقي «شارع الحمّام» محتفظاً باسمه.
لكن مصير الحمّام نفسه دخل في احتمالات التغير مع انتهاء مدة العقد السنوي، حين أُبلغت أم أيمن وأولادها بضرورة إخلاء المبنى وتسليمه. وفي الوقت نفسه، راحت تتردد أحاديث عن نية اللجنة تغيير وظيفة الحمّام أو إغلاقه بالكامل، من دون إعلان واضح عن مصيره النهائي.
تقف أم أيمن متحسرة على إنهاء مسيرة استمرت قرابة عقد، وتختصر مخاوفها بسؤال واحد: «إذا تسكّر الحمّام، شو حيضل من الشارع، وشو حيصير اسمو؟».
تتجاوز قضية حمّام جرمانا الخلاف على إخلاء عقار أو تجديد عقد، لتطرح إشكالية أوسع تتعلق بمصير الأبنية الوقفية عند تجديد عقودها. فالحمّام، كغيره من الأوقاف، يخضع لنظام قانوني يمنح المستأجر حق الانتفاع ولا يعطيه الملكية.
مع التوجه الأخير إلى تقليص عقود الإيجار لتصبح مدتها عاماً واحداً فقط، وجد مستثمرو الحمّام أنفسهم أمام حالة من عدم الاستقرار، خصوصاً بعد الأموال التي أُنفقت على تشغيل المكان وتجهيزه.
لكن المسألة في حالة الحمّام لا تقف عند مدة العقد وحدها، بل ترتبط أيضاً بالقيمة التراثية للمكان واحتمال تغيير وظيفته. يقول المحامي المختص بالشأن العقاري إبراهيم الحسين: «في حالة حمّام جرمانا تحديداً، تزداد أهمية المسألة بسبب خصوصية العقار نفسه، فهو ليس محلاً تجارياً عادياً، وإنما مبنى تاريخي ارتبط بوظيفة اجتماعية استمرت لأكثر من قرن».
تتجاوز قضية حمّام جرمانا الخلاف على إخلاء عقار أو تجديد عقد، لتطرح إشكالية أوسع تتعلق بمصير الأبنية الوقفية عند تجديد عقودها
ويضيف: «أي قرار يتعلق بهذا المبنى يطرح سؤالين متداخلين: ما الذي يسمح به النظام القانوني للوقف؟ وما الذي تفرضه قوانين حماية التراث، إن كان المبنى مشمولاً بها، لحماية ملامحه المعمارية؟».
وفي ظل غياب تصريحات واضحة من الجهات الوقفية خلال الفترة الماضية، تركز الجدل حول ما إذا كان الحمّام سيبقى يؤدي الوظيفة التي شُيّد من أجلها، أم سيُفرغ من بخاره ويتحول إلى مبنى بوظيفة مختلفة.
عقد جديد.. تطوّر جديد
قبل نشر هذا التقرير بمدة قصيرة، طرأ تطور جديد على مصير الحمّام. فعند عودتي إلى المكان، علمتُ أن عقد استثماره أُرسي على مستثمر جديد، ما يرجّح استئناف العمل فيه بعد مرحلة من القلق بشأن احتمال إغلاقه أو تغيير وظيفته.
لم تفلح محاولاتي في التواصل مع أصحاب العقد الجديد لمعرفة خططهم للمكان. ومع ذلك، خفف هذا التطور من مخاوف الجيران والعاملين في الحمّام بشأن مصيره المباشر، من دون أن ينهي الأسئلة الأوسع التي أثارتها قصته حول إدارة الأبنية الوقفية القديمة، وشروط استثمارها، وكيفية حماية وظيفتها وقيمتها التراثية مع تغيّر المستثمرين والعقود.
في الوقت الراهن، يبدو أن حمّام جرمانا سيواصل أداء الوظيفة التي حملها لأكثر من قرن، وأن "شارع الحمّام" سيبقى محتفظاً لا باسمه فقط، بل أيضاً بالحمّام الذي منحه هذا الاسم.