× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

حين تصبح الأغنية تهمة.. العتابا في مواجهة خطاب الكراهية

عقل بارد - على الطاولة 08-10-2026

حين تختزل الكراهية تاريخ جماعة كاملة في صورة واحدة، تتحول أبسط تفاصيل الحياة اليومية ـ كأغنية شعبية قديمة أو لهجة محلية ـ إلى حقول ألغام ورموز للتوجس السياسي. من خلال تفاصيل العيش اليومي وشهادات الناس، يكشف المقال كيف يعمل خطاب الكراهية على سرقة معاني الأشياء، معيداً تفسير التراث والثقافة كأدلة إدانة وتهم جاهزة

في الأشهر الأخيرة، صار يكفي أن أفتح نافذة غرفتي أو أركب وسيلة نقل عامة أو حتى أمرّ أمام محل تجاري أو كشك على امتداد الساحل السوري، لأسمع النمط الموسيقي نفسه تقريباً: عتابا قديمة أعرف كلماتها منذ الطفولة، وأغانيَ شعبية تحمل إيقاعاً مناسباً للدبكة أسمعها عادة في الأعراس والمناسبات.

وفي الطريق بين مدينتين ساحليتين، كان سائق الحافلة يشغّل موالاً قديماً بصوت مرتفع. سألته إن كان يحب هذا النوع من الأغاني منذ زمن، فابتسم من دون أن يرفع عينيه عن الطريق وقال: «إيه، بس هالفترة صرت اسمعها أكتر. بتحسسني إنو لساتنا متذكرين أيام قبل ما يصير كل هالشي».

لم تقتصر العتابا في سوريا على كونها لوناً غنائياً شعبياً مشتركاً مع مناطق أخرى من بلاد الشام، بل اكتسبت مع الوقت سمات محلية خاصة بكل منطقة. في الساحل السوري مثلاً، أصبحت تُؤدّى باللهجة الساحلية الجبلية، وتتناول مفردات الحياة الريفية والطبيعة التي تميز المنطقة. ومع تكرار حضورها في المناسبات والأفراح والسهرات العائلية، تحولت تدريجياً إلى جزء من المشهد الثقافي المحلي.

ولهذا، يستدعي الاستماع إليها لدى كثير من أبناء الساحل طريقة كلام مألوفة وأسماء أماكن وصوراً من الحياة اليومية ارتبطت بطفولتهم وبيئتهم الاجتماعية. وبمرور الوقت، أصبحت العتابا بالنسبة لكثيرين جزءاً من التعبير الثقافي عن الانتماء إلى المنطقة، وواحدة من الخصائص التي يعيدون من خلالها تعريف أنفسهم وذاكرتهم المشتركة.

هذه الأغاني نفسها كانت تمرّ سابقاً كجزء عادي من المشهد الصوتي للساحل السوري، ولكنها اليوم عادت فجأة لتعلو بشكل مكثف من كل مكان حتى بدا وكأن منطقة كاملة تعيد الاستماع إلى أرشيفها الغنائي دفعة واحدة. لا أخفي أنني في البداية ظننت الأمر مجرد مصادفة، أو موجة عابرة من الحنين، لكن تكرار المشهد في أماكن مختلفة ومع أشخاص مختلفين جعلني أتساءل: لماذا الآن؟ ما الذي حدث حتى عادت بهذه القوة بعد سنوات من تراجع حضورها، خصوصاً بين الأجيال الشابة؟

خطاب الكراهية لا يعمل دائماً عبر الشتائم أو الدعوات الصريحة إلى العنف، بل قد يبدأ من فعل أكثر هدوءاً كاختزال جماعة كاملة وحصرها في دور معين

مع الوقت، بدا أن ما يجمع كثيراً من مستمعيها ليس العمر ولا الذائقة الموسيقية، بل انتماؤهم إلى طائفة شهدت قبل أكثر من سنة مجزرة جماعية تركت آثارها العميقة على الناجين منها. عندها بدأت أشعر أن ما يحدث أكبر من مجرد مصادفة أو موجة حنين، بل أقرب إلى أن يكون مؤشراً على مزاج جمعي يصعب تجاهله. وكأن هناك حاجة مشتركة تدفع كثيرين إلى العودة إلى هذا النوع من الغناء تحديداً، بحثاً في أصوات الماضي عن شيء من العزاء أو الألفة.

حين يسرق خطاب الكراهية الماضي والحاضر

اكتشفت لاحقاً أن سؤالي لم يكن يتعلق بالموسيقى وحدها، بل أيضاً بما تكشفه عن التحولات التي أصابت المجال العام السوري خلال السنة التي تلت سقوط نظام الأسد. فهذا الاستماع المتكرر للأرشيف الغنائي يمكن أن يكشف عن أثر أقل وضوحاً لخطاب الكراهية، قد لا يتمثل في الكلمات المحرِّضة وحدها، بل أيضاً في شعور جماعة كاملة بأن سرديتها اختُزلت في صورة واحدة، فلم يبقَ لها سوى أن تستخدم الأغاني كوسيلة لتستعيد ما فقدته من حكايتها.

فخطاب الكراهية لا يعمل دائماً عبر الشتائم أو الدعوات الصريحة إلى العنف، بل قد يبدأ من فعل أكثر هدوءاً كاختزال جماعة كاملة وحصرها في دور معين. وحين تصبح جماعةٌ ما مرئيةً فقط من خلال علاقتها السلطة أو فترة الحرب، فإن ما يُمحى ليس حاضرها فحسب، بل ماضيها أيضاً.

يظهر هذا بوضوح في حالة الطائفة العلوية بعد سقوط نظام الأسد. فمع اتساع النقاش حول مسؤولية النظام السابق وجرائمه، برز في الوقت نفسه ميل لاختزال الطائفة العلوية بأكملها في علاقتها به. فلم يعد اسم هذه الجماعة يستدعي، في كثير من النقاشات العامة، تاريخاً اجتماعياً وثقافياً متنوعاً، بل سلسلة محدودة من الصور المرتبطة بالسلطة والأجهزة الأمنية والتشبيح.

وعندما تختفي تفاصيل الحياة العادية لهذه الجماعة من المجال العام أو الذاكرة، تغيب قصص القرى، والعمل، والحب، والمواسم الزراعية، ليبدو وكأن تاريخهم بدأ مع اللحظة التي أصبحوا فيها موضع اتهام. عندها، لا تظل العودة إلى الأغاني القديمة مجرد استحضار للذكريات، بل محاولة لاستعادة زمن يسبق هذا الاختزال، والتذكير بأن حياتهم كانت، ولا تزال، أكثر تعقيداً من السردية الوحيدة التي فُرضت عليهم.

في متجر صغير في الحي الذي أسكنه، كانت العتابا تنبعث من هاتف قديم موضوع فوق رف البضائع وتقول الكلمات:

«سرينا يا هلي أيمت نصلهم
بعاد وبالقلب غرزوا نصلهم
الجبل لو شال عن قلبي نص الهم
اتفتت وانمحى وصبّح تراب
».

دخل أحد الزبائن أثناء وجودي وسأل أبا علي صاحب الدكان مازحاً: «شو القصة؟ كلكن رجعتوا تسمعوا عتابا؟»
ضحك أبو علي بغصّة وهو يجيب: «يمكن لأنو ما ضل غيرها بتشبهنا».

الكراهية التي تعيد تفسير العالم

قبل أشهر، انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي مقطع قصير لشبان وشابات يتمايلون في إحدى قرى الساحل على وقع موسيقى عتابا قديمة. لم يكن في الفيديو أي شعار سياسي، ولا أي حديث عن النظام السابق أو الحالي أو الحرب أو المجازر. كان مشهداً يمكن أن يمر عادياً في أي مناسبة اجتماعية قبل سنوات، لكن اليوم سرعان ما تحولت التعليقات إلى نقاش حول هوية أصحاب المقطع، وانتمائهم، وما إذا كانت الأغنية تحمل رسالة سياسية مبطنة أو تعبيراً عن الحنين إلى نظام الأسد.

وسط عشرات التعليقات، استوقفتني جملة قصيرة كتبها أحدهم:
«صرنا نخاف حتى من الأغاني ولو!».

من أخطر ما يفعله خطاب الكراهية أنه لا يغيّر نظرتنا إلى جماعة معينة فحسب، بل يعيد تشكيل علاقتنا بكل ما يحيط ويتعلق بها. فالأغنية التي كانت تُسمع بوصفها جزءاً من التراث أو الذاكرة الجمعية، تصبح بياناً سياسياً يُفترض أنه يحمل موقفاً. وتتحول اللهجة المحلية من وسيلة تواصل طبيعية إلى علامة تُستخدم لتصنيف المتحدث. واسم القرية لا يعود مجرد مكان جغرافي، بل يُقرأ باعتباره دليلاً على انتماء أو موقف مسبق. حتى أسماء العائلات، والرموز الثقافية، والعادات اليومية، تفقد حيادها، وتدخل في شبكة معقدة من التأويلات التي يصنعها الصراع ويغذيها الخوف.

قد لا تكمن أخطر آثار خطاب الكراهية في الكلمات التي ينتجها، بل في الطريقة التي يعلّمنا بها أن نقرأ العالم. أن ننظر إلى الأغنية فنرى الطائفة، وأن ننظر إلى اللهجة فنرى الانقسام.

ولا يتوقف الأمر عند إعادة تفسير هذه العناصر، وإنما يمتد إلى خلق حساسية مفرطة تجاهها. فيصبح الاستماع إلى نوع معين من الموسيقى، أو استخدام تعبير لغوي محدد، أو حتى الاحتفال بمناسبة تقليدية، فعلاً قابلاً للشك أو الاتهام. ومع الوقت، يبدأ الأفراد أنفسهم بمراقبة سلوكهم وتعديل تعبيراتهم خوفاً من سوء الفهم أو الوصم. وهكذا تتحول الثقافة من مساحة للتعبير الحر إلى حقل ألغام رمزي يتطلب الحذر في كل خطوة.

بهذه الطريقة، تصبح الكراهية أداة تجرّد الأشياء من معانيها الأصلية، ثم تعيد تحميلها بمعانٍ سياسية لا تحتملها بالضرورة. وحين يحدث ذلك، يصبح من الصعب على أفراد الجماعة أن يعبروا عن أنفسهم بصورة عفوية لأن كل ما يفعلونه أو يقولونه أو يستمعون إليه يُقرأ مسبقاً من خلال هويتهم، لا من خلال معناه الحقيقي. وهنا يفقد المجال العام قدرته على رؤية الإنسان بوصفه إنساناً، ويصبح كل تفصيل في حياته مادة لإعادة إنتاج الصورة النمطية نفسها.

ذاكرة لا تزال تغني

في قرية جناتا في ريف اللاذقية حيث كنت في زيارة لأحد الأصدقاء، قادني صوت الموسيقى إلى حديقة امرأة ستينية يصدح من بيتها موال قديم يقول:
«زهور البيت اشتاقتلك
دموع العين حنّتلك
حتى حبات التراب مع أشعاري غنّتلك
».

اقتربت منها وسألتها بعض الأسئلة، كان أحدها إن كانت تستمع إلى هذا النوع من الموسيقى كثيراً، فأجابت: «هالنوع من الأغاني كان يحبو زوجي المرحوم كتير». ثم أضافت بعد لحظة صمت استذكرت فيها ربما مشهداً من علاقتها مع زوجها المُتوفى: «لما بسمع هالموال تحديداً بحس إنو في أشياء ما حدا بيقدر ياخدها منا، حتى الموت».

لم أعرف ما الذي كانت تقصده تحديداً، لكنني خرجت من بيتها وأنا أفكر في ما لا يستطيع أحد أن يأخذه من هذه السيدة. فخطر في بالي أنه على الأرجح هويتها وذكرياتها التي حملها هذا الموال، ذكريات سبقت وفاة زوجها والمجزرة، وربما سبقت أيضاً تنميطها ووضعها في خانة الأشرار لمجرد انتمائها إلى الطائفة العلوية.

في المرة القادمة التي سأسمع فيها عتابا تنبعث من نافذة منزل، أو من سيارة أجرة، أو من متجر صغير في إحدى مدن الساحل، ربما لن أسأل نفسي: ماذا يريد أصحابها أن يقولوا؟ بل سأسأل: لماذا أصبحنا نعجز عن سماعها إلا بوصفها موقفاً سياسياً؟

فحين يصبح التراث الثقافي لكل جماعة موضع ريبة، تفقد الثقافة قدرتها على أن تكون مساحة للتعارف، وتتحول إلى خط تماس جديد. لم يعد ممكناً أن تُسمع الأغنية بوصفها نافذة على تجربة إنسانية مختلفة، بل بوصفها دليلاً إضافياً في ملف سياسي مفتوح. وهكذا، تتراجع فرص بناء ذاكرة سورية مشتركة، لتحل محلها ذواكر متجاورة، يروي كل منها الماضي بلغته الخاصة، ويشكك في رواية الآخرين.

قد لا تكمن أخطر آثار خطاب الكراهية في الكلمات التي ينتجها، بل في الطريقة التي يعلّمنا بها أن نقرأ العالم. أن ننظر إلى الأغنية فنرى الطائفة، وأن ننظر إلى اللهجة فنرى الانقسام. وعندما يحدث ذلك، تكف الكراهية عن كونها مجرد خطاب، وتصبح عدسة ننظر من خلالها إلى كل شيء. وربما لا يمكننا أن نمنع الناس من أن يكره بعضهم بعضاً بسهولة، لكن يمكننا أن نبدأ بمنع الكراهية من سرقة معاني الأشياء. لأن اليوم الذي تتحول فيه الأغنية إلى تهمة، واللهجة إلى دليل إدانة، والذاكرة إلى ملف اتهام، هو اليوم الذي لا نخسر فيه جماعة واحدة فقط، بل نخسر - جميعاً -  قدرتنا على رؤية بعضنا بعضاً بوصفنا بشراً!

  • حاز هذا المقال المركز الثاني في الدورة السادسة من مسابقة «100 صوت سوري ضدّ خطاب الكراهية» - المسار العام

من مطالعة لجنة التحكيم
مقال يحمل أفكاراً جديدة، وزاوية طرح مميزة وجميلة. لغة وأسلوب عاليان. استثمار ذكي في التباين ما بين جماليات الموسيقى وخصوصيات الثقافة من جهة، وخطورة الكراهية من جهة أخرى، وكيف تتبادل الأدوار ما بين سبب ونتيجة. قيمة معرفية مضافة واضحة في رصد وتحليل اتجاه ثقافي واجتماعي يؤكد المقال أنه يسود حالياً لدى بيئة متأثرة بخطاب الكراهية، إلا أن إثبات هذا الاتجاه وحجمه بُني على ملاحظات شخصية، وعدد محدود من الشهادات
100_صوت_سوري_ضد_خطاب_الكراهية خطاب_الكراهية_في_سوريا العتابا_في_الساحل_السوري

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0