× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

التعميم.. اللغة الأم لخطاب الكراهية

عقل بارد - على الطاولة 09-10-2026

هل يمكن لجملة دفاعية حسنة النية أن تكون شريكة في ترسيخ منطق الكراهية؟ يفكك هذا المقال آلية «التعميم» بوصفها اللغة الأم لخطاب الكراهية، سواء ارتدى ثوب الإدانة أو ثوب التبرئة والمديح. عبر مراجعة نقدية لتجارب شخصية وواقع المجال العام السوري بعد سقوط نظام الأسد، يستعرض كيف يؤدي اختزال الجماعات الكبيرة في قالب موحد - إيجاباً أو سلباً - إلى تعطيل لغة العدالة، وتحويل الأفراد إلى متهمين بلا أدلة

في 13 تموز/يوليو 2025، كتبت منشوراً دفاعياً طويلاً عن السويداء في مواجهة حملة تحريض سبقت مجازر تموز بدأته بـ: «أهل السويداء كانوا شوكة في حلق نظام الأسد».

كنت أردّ على من وصفوا أهل المحافظة بالعملاء والخونة، واتهموهم بأنهم يريدون «إسرائيل». استدعيت تاريخ السويداء في معارضة النظام، ظناً مني أن الصورة المضادة تكفي لتفنيد الاتهام الجماعي وحماية أهلها منه. لم يقل لي أحد إنني أعمّم. انتبهت إلى ذلك وحدي لاحقاً، حين ظهرت شخصيات من السويداء تحمل أعلام «إسرائيل».

أردت أن أقول للمحرّضين: لا تعمّموا، هؤلاء لا يمثلون الجميع. لكن الجملة بدت أضعف في رأسي؛ فقد كنت قبلهم بقليل قد فعلت الشيء نفسه، وإن بنيّة مختلفة.

هم اختصروا أهل السويداء في صور أشخاص رفعوا أعلام «إسرائيل»، وأنا اختصرتهم في تاريخ سياسي واحد. هم أرادوا إدانتهم جميعاً، وأنا أردت تبرئتهم جميعاً. لم تكن الجملتان متساويتين في النية أو الأثر، لكنهما انطلقتا من افتراض مشترك: أن جماعة كاملة يمكن اختصارها في حكم واحد.

عندها أدركت أن المشكلة لا تبدأ دائماً بالشتيمة وإنما قد تبدأ بجملة دفاعية تبدو عادلة، أو بصفة جميلة نمنحها لجماعة نريد حمايتها. وحين نقبل أن توصف جماعة كاملة كما لو كانت شخصاً واحداً، يصبح اعتراضنا أضعف عندما يستخدم آخرون القالب نفسه ويملؤونه بالخيانة أو الإجرام أو الإرهاب.

ليس كل تعميم خطاب كراهية، ولا يحمل التعميم المادح أثر التحريض نفسه، لكنه قد يدرّب اللغة على قبول الحكم الجماعي ما دامت الصفة جميلة، ويجعلنا ننتبه إلى قبح الصفة قبل أن ننتبه إلى الخلل الكامن في الجملة نفسها.

لهذا، ليست أخطر جملة في خطاب الكراهية تلك التي تنتهي بصفة جارحة دائماً، بل تلك التي تبدأ بجماعة كاملة.

كلما اتسعت الهوية، قلّ الدليل

لا يبقى التعميم عند حدود الجماعة التي بدأ منها. فما إن تصبح الهوية بديلاً عن الفعل، حتى يمكن توسيع دائرة الاتهام وإدخال مزيد من الناس فيها من دون حاجة إلى إثبات جديد.

ظهر ذلك في تعليق على منشور يتباهى بالقتل والدمار الذي جرى خلال أحداث السويداء، فانتقلت صاحبة التعليق من الواقعة المحلية إلى الحديث عن الشعب السوري، ثم عن سكان بلد مجاورة لسوريا، قبل أن تختصر الجميع في معادلة صريحة: «المسلمون = إرهاب». خلال أسطر قليلة، تجاوز الاتهام الأشخاص المتصلين بالحدث، ليشمل جماعات لا علاقة مباشرة لأفرادها بما جرى، لم تعد المسؤولية مرتبطة بمن قتل أو حرّض أو شارك، بل بهوية دينية يحملها مئات الملايين.

هذه إحدى أخطر وظائف التعميم: تحرير الاتهام من عبء الدليل، إذ يكفي أن ينتمي الشخص إلى الهوية المستهدفة كي يُدفع إلى قفص الاتهام، ولو لم يكن موجوداً في مكان الحدث، ولم يعرف ضحيته أو فاعله، ولم يتخذ منه موقفاً أصلاً.

ولا يبدأ هذا الاتساع دائماً من واقعة مختلقة، فقد ينطلق من فعل وقع فعلاً، أو من شخص ارتكب جريمة، أو من صورة صحيحة جرى تداولها، لكن الانتقال من «هذا الشخص فعل» إلى «هؤلاء جميعاً يفعلون» هو اللحظة التي يغادر فيها الكلام مساحة الوصف والمحاسبة، ويدخل مساحة التحريض.

وجود شخصيات من السويداء رفعت أعلام «إسرائيل» لا يجعل أهل السويداء جميعاً عملاء، كما أن ارتكاب أشخاص ينتمون إلى جماعة دينية أو طائفية جرائم لا يجعل الجريمة صفة كامنة في الجماعة، الحقيقة الجزئية لا تصبح أكثر صدقاً حين تُمدّد فوق أناس لا تشملهم.

حين تردّ الكراهية بلغتها

لا يكتفي التعميم بتوسيع دائرة الاتهام، ففي كثير من الأحيان، يدفع الجماعة المستهدفة إلى البحث عن تعميم مضاد تحتمي به أو تنتقم من خلاله.

هذه إحدى أخطر وظائف التعميم: تحرير الاتهام من عبء الدليل، إذ يكفي أن ينتمي الشخص إلى الهوية المستهدفة كي يُدفع إلى قفص الاتهام

في أحد النقاشات على فايسبوك، استخدم منشور عبارة «كلهم أمجد يوسف»، مختصراً الطائفة العلوية في اسم رجل ارتبط بمجزرة التضامن بوصفها واحدة من أبشع المجازر التي شهدتها سوريا، وفي التعليقات، جاء الرد مباشراً كأنه محضّر مسبقاً: «كلكم داعش». بين الجملتين، اختفت الجريمة بوصفها فعلاً له مرتكب وضحايا وأدلة، وتحول اسم شخص إلى تعريف لطائفة كاملة، ثم تحول اسم تنظيم إرهابي إلى تعريف لجماعة مقابلة، لم يعد السؤال: ماذا فعل أمجد يوسف؟ ومن شاركه أو حماه أو تستر عليه؟ بل صار: أي الجماعتين أكثر إجراماً؟

لم يهدم الرد الثاني منطق التعميم الأول، بل قبله ونقل اتجاهه، لم يقل إن تحميل طائفة كاملة جريمة فرد أو جهاز أمني أمر باطل، بل قال عملياً: ما دمتم تروننا جميعاً مجرمين، فنحن نراكم جميعاً كذلك.

هنا لا تواجه الكراهية كراهية مضادة، بل تجد فيها دليلاً على صلاحية لغتها، فيتحول التعليق الطائفي إلى دليل على طائفية جماعة كاملة، ويصبح الرد الغاضب دليلاً على إجرام جماعة أخرى، ومع كل جولة يزداد عدد المتهمين، بينما يبتعد النقاش أكثر عن المسؤولين الحقيقيين.

قد يبدو التعميم المضاد، في لحظته، دفاعاً عن النفس، وخصوصاً حين يأتي رداً على إدانة ظالمة أو تحريض خطر، لكن بدلاً من استعادة الأفراد من الحكم الجماعي، يُلقى أفراد جماعة أخرى داخله. وبذلك يرسخ الرد الفكرة التي عرّضت أصحابه للخطر أصلاً: إمكان إدانة الإنسان بما يُنسب إلى جماعته.

هكذا يتحول مطلب العدالة إلى سباق في توزيع الذنب. لا يعود لكل جريمة فاعل محدد، بل هوية متهمة. ولا يعود الضحايا أشخاصاً لهم حق في الحقيقة والمحاسبة، بل وقوداً لمرافعات جماعية متقابلة.

شهادة حسن السلوك الجماعية

حين تتعرض جماعة للتحريض، يبدو الدفاع عنها من خلال تقديم صورة مضادة أمراً بديهياً.

يقال إن أهل هذه المنطقة وطنيون، أو إن أبناء تلك الطائفة مسالمون، أو إن أفراد هذه الجماعة متعلمون ومتسامحون، وقد تبدو هذه العبارات منصفة لأنها تحاول انتزاع الناس من صورة قبيحة وإعادتهم إلى صورة جميلة.

لكن الدفاع يبقى هنا أسير السؤال نفسه: ما الصفة التي تستحقها هذه الجماعة؟ بدلاً من رفض الحكم الجماعي، ندخل في تفاوض على مضمونه، فلا نقول إن الجماعة لا يمكن اختصارها أصلاً، بل نحاول إثبات أن الاختصار الصحيح هو الوطنية لا الخيانة، والتسامح لا العنف، والثقافة لا الجهل.

رفض الكراهية ليس مكافأة على الفضيلة، ولا تسقط حرمة الإنسان إذا كان غاضباً، أو متردداً، أو صاحب موقف سياسي خاطئ، أو غير مطابق للصورة المثالية التي صُنعت عن جماعته

هكذا يصبح الحق في الحماية مشروطاً بشهادة حسن سلوك جماعية، كأن الناس لا يستحقون رفض التحريض عليهم إلا إذا أثبتوا أنهم جيدون بما يكفي. لكن أهل السويداء لا يحتاجون إلى أن يكونوا جميعاً معارضين للنظام المخلوع كي لا يوصفوا بالخيانة ولا يستحقوا الذبح، والعلويون لا يحتاجون إلى إثبات براءتهم الجماعية من جرائم النظام كي لا يُحمّلوا مسؤولية أمجد يوسف، ومن وُصموا بـ«داعش» لا يحتاجون إلى إثبات اعتدالهم الجماعي كي لا يُختصروا في تنظيم إرهابي.

رفض الكراهية ليس مكافأة على الفضيلة، ولا تسقط حرمة الإنسان إذا كان غاضباً، أو متردداً، أو صاحب موقف سياسي خاطئ، أو غير مطابق للصورة المثالية التي صُنعت عن جماعته.

حتى الصور الإيجابية قد تتحول إلى عبء، فحين توصف جماعة كاملة بالشجاعة أو التسامح أو النخوة، يصبح الفرد مطالباً بتمثيل هذه الصفات والدفاع عن سمعة جماعته كلما أخطأ شخص ينتمي إليها. لا يُسأل عما فعل، بل عما يفترض الآخرون أنه يمثله بحكم اسمه أو لهجته أو مكان ولادته.

لهذا، لا تكون حماية الجماعات باستبدال الصورة القبيحة بصورة جميلة وإنما تبدأ الحماية الحقيقية من كسر الحاجة إلى الصورة الموحدة نفسها. ولا يعني تشابه بنية التعميم أن جميع العبارات متساوية في الخطر، فقول مستخدم عادي إن جماعة ما «طيبة» لا يعادل -بالضرورة- تحريض مسؤول أو وسيلة إعلام نافذة عليها، يتغير أثر الكلام بحسب موقع قائله، وحجم جمهوره، والسياق الذي يقال فيه، وقدرته على التحول إلى تمييز أو عنف.

المسألة ليست مساواة الجمل أخلاقياً، بل الانتباه إلى القاعدة التي يستفيد منها الخطاب الأخطر: تحويل الانتماء إلى دليل، والجماعة إلى متهم واحد.

الخروج من «كلهم»

لا يكفي أن نطلب من الناس اختيار كلمات ألطف بل المطلوب تغيير موضع الحكم نفسه: من الهوية إلى الفعل، ومن الجماعة إلى المسؤول، ومن الانطباع إلى الدليل.

بدلاً من سؤال: ماذا يكون أهل هذه المنطقة؟ ينبغي أن نسأل: من اتخذ هذا الموقف؟ وكم شخصاً يمثل؟ وما أثره؟

وبدلاً من القول إن جماعة ما أيدت جريمة، يجب تحديد الأشخاص أو الجهات التي أيدتها، والنصوص التي نشروها، والأفعال التي أقدموا عليها، وبدلاً من منح منطقة كاملة صفة البطولة، يمكن الحديث عن الاحتجاجات التي خرجت فيها، أو المبادرات التي أطلقها سكان منها، أو الأشخاص الذين دفعوا ثمناً لمواقفهم.

الفرق هنا ليس تحذلقاً لغوياً، وإنما هي الصياغة الدقيقة التي تمنع انتقال المسؤولية من صاحب الفعل إلى من يشبهه في الهوية.
وللصحافة دور مضاعف في ذلك، فالعنوان الذي ينسب موقف أفراد إلى طائفة أو منطقة قد يمنح التعميم شرعية لا يملكها في تعليق عابر.
كما أن وضع هوية الفاعل في العنوان من دون ضرورة قد يوسّع دائرة الاتهام، حتى حين تظن وسيلة الإعلام أنها تكتفي بوصف الحدث.

تمكن مقاومة ذلك بأربعة أسئلة:

  • من فعل؟
  • ماذا فعل؟
  • ما الدليل؟
  • ومن يتحمل المسؤولية فعلاً؟

هذه الأسئلة أبطأ من التعميم في صياغة الجملة، لكنها أكثر عدلاً، فالتعميم يغري لأنه يختصر التعقيد، ويمنح المتكلم إجابة سريعة عن حدث مؤلم، أما التمييز بين الأفراد والأدوار ودرجات المسؤولية، فيحتاج إلى جهد وإلى قبول حقيقة أن الجماعات غير متجانسة، وأن داخلها ضحايا وجناة، وصامتين ومعترضين، وخائفين ومحرّضين. لكن هذا التعقيد ليس عائقاً أمام العدالة، بل شرطها الأول.

في 13 تموز/يوليو 2025، ظننت أنني أدافع عن السويداء حين منحت أهلها حكماً جماعياً جميلاً، لم أكن بحاجة إلى إثبات أنهم جميعاً كانوا شوكة في حلق نظام الأسد، بل إلى رفض تحميلهم جميعاً موقف أشخاص رفعوا علماً أو تبنوا خطاباً سياسياً.

لم أكن بحاجة إلى تبرئة السويداء كلها كي أرفض إدانتها كلها.

فحين نكف عن القول «كلهم»، لا نصلح جملة واحدة فحسب، بل نعطّل الآلة الأولى التي يحتاجها خطاب الكراهية كي يبدأ.

  • حاز هذا المقال المركز الأول في الدورة السادسة من مسابقة «100 صوت سوري ضدّ خطاب الكراهية» - مسار الأصوات الجديدة

من مطالعة لجنة التحكيم
مقال لا يلتزم بمركزية موضوع خطاب الكراهية فحسب، بل يقدم تحليلاً متوازناً عميقاً لآليات الخطاب وعواقبه، ونسخه المستترة «الحميدة». زاوية واضحة وسردية مركزية لم يحد المقال عنها. الأفكار متسلسلة ومترابطة، والأثر مهم وواضح، مع توازن جيد في التطرق إلى مختلف الأطراف. الأسلوب سلس، واللغة بسيطة وقابلة للوصول إلى شرائح متعددة من الجمهور.
100_صوت_سوري_ضد_خطاب_الكراهية خطاب_الكراهية_في_سوريا التحريض_ضد_السويداء

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0