ألغام تلو الأخرى انفجرت في وجه السوريين على وسائل التواصل الاجتماعي، بين تحريض وآخر مضاد، وبين صورة نمطية عن بلدة أو مدينة أو محافظة، وكراهية ضد طوائف وأعراق وخصوم سياسيين، تقودها صفحات بعضها وهمي وآخر حقيقي، ليتجلى في زاوية من زوايا حقل الألغام هذا، صراع رقمي ديني بين مذهبين من مذاهب السنة: المذهب الصوفي والمذهب السلفي، عماده خطاب الكراهية على وسائل التواصل.
لكل من المذهبين مدافعوه ومناصروه الرقميون، الذي يسوقون التهم والحجج بعضهم ضد بعض، سعياً لاستقطاب المتابعين والأنصار بحسب ما يُمكن رصده في جولة مكثفة على وسائل التواصل الاجتماعي.
وللإنصاف: ليس كلّ من يمثل الطرفين من علماء ومشايخ وأصحاب رأي، يذهب في الخصومة هذا المنحى، وإنما يراها البعض خلافاً علمياً واجتهاداً، ومن يتصدر هذا الصراع هم عدد من الناشطين على صفحات ومواقع التواصل الاجتماعي.
وفقاً لـ استراتيجية الأمم المتحدة فإن خطاب الكراهية هو:
«أي نوع من التواصل، سواء في الكلام أو الكتابة أو السلوك، يهاجم شخصاً أو جماعة أو يستخدم لغة ازدرائية أو تمييزية في الإشارة إليهما على أساس هويتهما، أي على أساس الدين أو الانتماء الإثني أو الجنسية أو العرق أو اللون أو النسب أو نوع الجنس أو أي عامل آخر من عوامل الهوية».
أصل الخلاف ومستوى الخطاب
تشير معظم الدراسات التي تناولت هذه الخلافات إلى أنها قديمة تتمحور في معظمها حول جملة من قضايا الاعتقاد، من أبرزها «منهجية الاستدلال على العقائد وتقريرها»، فالأشاعرة يعطون للعقل دوراً مركزياً في الاستدلال على العقائد، وهم من أصحاب المذاهب الإسلامية التي اهتمت كثيراً بعلمي «المنطق وعلم الكلام» تأليفاً وتدريساً، على عكس المدرسة السلفية التي حذرت من علم الكلام ونهت عن دراسته وتدريسه في تقرير العقائد وتدريسها، ومن ضمن ذلك الصفات المتعلقة بالذات الإلهية وغيرها ويمكن تقسيمها كالآتي:
- السلفية: تيار يعتمد على منهج «السلف الصالح» (القرون الثلاثة الأولى من الإسلام) في فهم العقيدة والشريعة، ويعتمد على التفسير الظاهري للنصوص الدينية، خاصة ما يتعلق بأسماء الله وصفاته، ويرفض التأويل الكلامي، ومن أبرز علمائه: ابن تيمية، ابن القيم، ابن كثير.
- الأشعرية: مدرسة كلامية أسسها الإمام أبو الحسن الأشعري في عام (300 هجري / 913 ميلادي)، وتمثل التيار العقدي الرسمي للعديد من المذاهب الفقهية السنية، ويعتمد أتباعه على العقل في تفسير العقيدة، ويؤوّلون بعض الصفات الإلهية مثل «اليد» و«الاستواء» بما يتوافق مع التنزيه، ومن أبرز علمائه: أبو الحسن الأشعري، الباقلاني، الجويني، الغزالي.
هذا الخلاف وإن كان في السابق محصوراً في الكتب والدراسات وبين جلسات العلماء، فإنه في السياق السوري وما بعد الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، أصبح منشوراً على الملأ، وعلى صفحات فايسبوك ويتداوله الكبير والصغير، من قبل بعض متشددي المذهبين وهم ناشطون بشكل مستمر، بصفحات وهمية وأسماء مستعارة تجنباً للملاحقة القانونية.
«إحياء المعركة السلفية/الأشعرية في سوريا في هذه المرحلة الدقيقة لا يدخل في دائرة الصراع الفكري أو التفاعل المذهبي الطبيعي، بل يمثل جريمةً صريحة بحق الإسلام والوطن»
دراسة لـ المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة، بعنوان «تحولات العنف الرقمي وخطاب الكراهية في السياق السوري: تحليل سردي سلوكي وتقني»، رصدت تحولاً نوعياً في الخطاب العنيف إذ أصبح سرديات استقطابية تتبنى مفاهيم جديدة وآليات لغوية مختلفة وفق تقسيمات عدة:
- الخطاب الاستقطابي 38.9 في المئة، وخطاب الإبادة 19.6 في المئة.
- خطاب الكراهية المحفِّز على العنف 15.8 في المئة.
- الخطاب التحريضي 7.9 في المئة.
- التطرف العنيف 7.3 في المئة، ونزع الأنسنة 4.5 في المئة.
- العنف الفكري- النفسي 4.2 في المئة، والعنف القائم على النوع 1.8 في المئة.
في هذا السياق، رصدتُ منشورات عديدة، وتعليقات على فايسبوك، تناولت الخلاف السلفي-الأشعري، لكنها تفاقمت رقمياً، بعد حادثة طرد الشيخ والداعية محمد خير الشعال، مرتين من مساجد ريف دمشق.
في مقطع فيديو متداول من بلدة قارة، ظهر الشعال أثناء محاضرته عن «الألفة بين المسلمين»، وقال بصوتٍ مرتفع: «أنا من جماعة الله أكبر، أنا مسلم»، ليُقاطعه أحد الحاضرين فوراً قائلاً: «كلمة سلفي». وسرعان ما تحوّل المشهد إلى اعتداء لفظي شاركت فيه مجموعة من الأشخاص، قبل أن يُطلب منه مغادرة المسجد، وفي حرستا وجّه إليه آخرون اتهاماً بأنه كان من بين من «التزموا الصمت إزاء جرائم نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد»، ولم يُعلن موقفاً واضحاً من جرائم النظام.
وبين «دعم النظام والبقاء بجانبه، أو التزام الصمت» كتهمة للأشاعرة، و«التطرف والغلو في الأحكام والتعاملات» كصفة للسلفية، تتبادل الصفحات الوهمية التي تزعم مناصرة كل طرف هذه التهم، وتسوق معها عشرات العبارات التي تتضمن كراهية واضحة وتحريضاً على العنف.
والمثال عليها في وصف الأشاعرة: «الجهمية والمبتدعة» (الجهمية فرقة تعرضت للتكفير) و«مخانيث المعتزلة»، بينما يعمد الطرف الآخر إلى وصم السلفية بـ «الوهابية التكفيرية» و«خوارج العصر».
وجميع العبارات السابقة، لا تحرض على الكراهية فقط، بل تبيح دم الموصوف بها، لخروجه عن الإسلام حسب اعتقادهم.
حراك حكومي - دعوي لرأب الصدع
عضو «الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين»، محمد خير موسى، قال في منشور على صفحة الاتحاد على «فايسبوك»: إن «إحياء المعركة السلفية/الأشعرية في سوريا في هذه المرحلة الدقيقة لا يدخل في دائرة الصراع الفكري أو التفاعل المذهبي الطبيعي، بل يمثل جريمةً صريحة بحق الإسلام والوطن ويجب التعامل مع مثيريها بوصفهم مرتكبي جريمة وطنية».
وأشار إلى أن كل من يزعم أفضلية طرف على الآخر يرتكب جريمة بحق الوطن و«يطعن في وحدة الصف ويقوّض أسس سوريا الناشئة».
وأضاف موسى أنه يجب عدم التساهل مع مثيري الخلافات، وينبغي لجمهم عن إشعال هذه المعركة العبثية، إذ «لا تملك سوريا اليوم ترف الوقت ولا فائض الجهد لاستنزاف الطاقات في نزاعات وهمية بينما يُنتظر من الجميع أن يوجّهوا كل طاقة ممكنة إلى البناء القادم، بناء سوريا الإنسان وسوريا الدولة». على حد تعبيره.
في شباط/فبراير الماضي، أعلنت وزارة الأوقاف السورية إطلاق ميثاق ضمن مؤتمر «وحدة الخطاب الإسلامي» بحضور مئات رجال الدين الإسلامي، والرئيس السوري، أحمد الشرع.
وبحسب ما ورد في الميثاق، فإنه جاء ثمرة لورشات علمية وحوارية بين المدارس العلمية والدعوية، بحضور أكثر من 1500 عالم ورجل دين إسلامي سوري.
«هذا المسار خطير جداً، لأنه قد يبدأ بالتشدد الفكري وينتهي إلى التكفير واستباحة الدماء»
صحيفة «عنب بلدي» السورية، نقلت عن مسؤول في وزارة الأوقاف لم تسمه، أن الدافع الأساسي لإعداد الميثاق يتمثل في «حالة الانقسام الحاد التي شهدها المجتمع السوري خلال سنوات الثورة، وما رافقها من ظهور خطابات طائفية وتحريضية وفتنوية، حتى داخل بعض الأوساط الملتزمة دينياً».
وأضاف أن المشكلة برزت بشكل خاص لدى بعض الشباب «حديثي الالتزام»، ممن يتعاملون مع الدين «بعقلية الاندفاع لا التدرج»، موضحاً أن «البعض يريد تطبيق كل الأحكام دفعة واحدة، ويرفض أي مساحة للاجتهاد أو تعدد الفهم، ويتمسك دائماً بالأشد».
وأشار إلى أن توسع تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب الظروف السياسية والعسكرية التي عاشتها البلاد خلال 14 عاماً، ساهم في تكريس هذه الظواهر، ما دفع الوزارة إلى «وضع إطار عام يضبط البوصلة الدينية ويحمي المجتمع من الانزلاق نحو الفتن». واعتبر المسؤول أن هذا المسار «خطير جداً»، لأنه قد يبدأ بالتشدد الفكري وينتهي إلى التكفير واستباحة الدماء.
حاولت وزارة الأوقاف من خلال ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي، الذي جاء في 26 بنداً وبتعميمات موجهة إلى خطباء المساجد حول ضرورة اعتماد الخطاب الوسطي المعتدل، رأب الصدع ودفن الخلاف، لكن وكما يبدو فإن مهمة ضبط الصفحات الوهمية والدعاة الوهميين على وسائل التواصل الاجتماعي، الذين يساهمون في تعزيز خطاب الكراهية والانقسام، أمر صعب.
ويتحتم على وزارة الأوقاف العمل أكثر في التوعية وتحييد هذه الخلافات الفقهية وتحجيمها أمام السوريين الذين أرهقتهم الانقسامات والطائفية.
- حاز هذا المقال المركز الثالث في الدورة السادسة من مسابقة «100 صوت سوري ضدّ خطاب الكراهية» - مسار الأصوات الجديدة