في تموز/يوليو 2026، سألت الصحافية السورية زينة ارحيم على صفحتها العامة في فايسبوك سؤالاً بسيطاً: من هنّ النساء السوريات اللواتي تعرضن لحملات كراهية إلكترونية منذ سقوط النظام؟ جاءت الإجابات بسرعة. كتبت ثماني نساء: «أنا». وكتبت أخرى: «كلنا». أما الثالثة فاقترحت تصحيح السؤال: «عليك أن تسألي: من لم تتعرض للهجوم؟».
خلال أشهر قليلة، كانت ارحيم قد تابعت حملات استهدفت 20 امرأة سورية من مجالات مختلفة، بينهن صحافيات، مستخدمةً التشهير الجنسي، والتهديد بالاغتصاب، ونشر الصور من دون موافقة، وحملات إلكترونية واسعة يغرق فيها حساب المستهدفة بالإهانات القائمة على النوع الاجتماعي. وفي بعض الحالات، امتد الخوف من الشاشة إلى العائلة والمنزل.
هذه الوقائع لا تقول فقط إن الصحافيات في سوريا يتعرضن للكراهية. إنها تطرح سؤالاً أكثر أهمية: ماذا يتغير في خطاب الكراهية عندما يكون المستهدف صحافية؟ فهل نحن أمام الخطاب نفسه الذي يوجه إلى الصحافيين الرجال، لكن بصيغة مؤنثة؟ أم أن الجندر يضيف إلى الاستهداف السياسي والمهني طبقة أخرى، تجعل الجسد والسمعة الجنسية والعائلة أدوات للهجوم والإسكات؟
لا تكمن الإجابة في القول إن الرجال يتعرضون للهجوم السياسي بينما النساء يتعرضون للهجوم الجنسي، فهذه ثنائية مبسطة لا تصمد أمام الواقع. الصحافيات أيضاً يتعرضن للتخوين والاتهام السياسي والطائفي، تماماً كما يتعرض الصحافيون الرجال للتشهير والتهديد. لكن ما يتغير هو الأدوات التي يعاد من خلالها إنتاج الهجوم عندما تكون الضحية امرأة. فالرأي الذي يمكن مهاجمته عند الرجل قد يصبح مدخلاً للطعن في شرف المرأة، أو مظهرها، أو جنسها، أو عائلتها، أو أهليتها أصلاً للظهور والكلام في الشأن العام.
وهنا تحديداً يصبح خطاب الكراهية أكثر من مجرد إهانة. يصبح وسيلة لإعادة رسم حدود من يحق له الكلام.
بعد 8 كانون الأول: اتساع مساحة الكلام واتساع المخاطر
أحدث سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 تحولاً عميقاً في علاقة السوريين بالكلام العام. لسنوات طويلة، كان الخوف من أجهزة الأمن يحدد ما يمكن قوله وما ينبغي تجنبه، حتى إن تفاعلاً رقمياً بسيطاً كان قادراً على استدعاء الخوف من الملاحقة. ومع سقوط النظام، انفتحت مساحة أمام أصوات كانت محكومة بالصمت، وبرزت النساء، وبينهن صحافيات وناشطات، بصورة أكثر وضوحاً في النقاش العام. لكن اتساع مساحة التعبير لم يرافقه بالضرورة اتساع مماثل في الحماية.
في الفضاء الرقمي، وخصوصاً على فايسبوك وتيليغرام، تشكلت بيئة شديدة الاستقطاب، تتنافس فيها السرديات السياسية والطائفية والاجتماعية، ويمكن أن يتحول فيها الخلاف حول موقف أو قضية عامة إلى هجوم شخصي أو حملة تشهير. وتصف زينة ارحيم هذا التحول باعتباره انتقالًا من خوف كان مصدره جهازاً أمنياً مركزياً إلى خوف أكثر تشتتاً، تتوزع مصادره بين أفراد ومؤثرين وجماعات رقمية، فيما تتيح المنصات نفسها تضخيم المحتوى الأكثر إثارة للغضب والاستقطاب. وهنا تكمن مفارقة المرحلة الانتقالية: أصبحت النساء السوريات أكثر قدرة على الكلام، لكن الكلام نفسه قد يكون أكثر كلفة.
الرأي الذي تُمكن مهاجمته عند الرجل قد يصبح مدخلاً للطعن في شرف المرأة، أو مظهرها، أو جنسها، أو عائلتها، أو أهليتها أصلاً للظهور والكلام في الشأن العام
وتكتسب هذه المفارقة أهمية خاصة في ضوء ما وثقه تحالف الصحفيات في «النشرة الدورية لمرصد خطاب الكراهية- حزيران»، التي رصدت 64 حالة موثقة من خطاب الكراهية والتحريض في الفضاء الرقمي السوري خلال حزيران/يونيو 2026. ولا تكمن دلالة الرقم في كونه قياساً شاملًا لحجم الظاهرة في سوريا، وإنما في الأنماط التي تكشفها الحالات التي جرى توثيقها، وفي الطريقة التي يتقاطع فيها خطاب الكراهية مع الاستقطابات السياسية والطائفية والاجتماعية، ويستهدف النساء بأدوات تستند إلى النوع الاجتماعي. فخطاب الكراهية لا يبقى بالضرورة تعليقاً عابراً تحت منشور، يمكن أن يتحول إلى سردية، ثم إلى حملة، ثم إلى وصم وإقصاء ومقاطعة، وفي بعض الحالات إلى تحريض على العنف. وعندما تكون المستهدفة صحافية، يمكن أن يمتد أثر ذلك من سمعتها الرقمية إلى عملها وحركتها وعلاقاتها وحتى عائلتها.
وتظهر هذه المخاطر بصورة أكثر تحديداً في تقرير «التحديات المركبة للصحافيات العلويات في سوريا ما بعد الأسد»، الذي اعتمد مقابلات مع عشر صحافيات. يضع التقرير العنف الرقمي في صدارة المخاطر التي تواجهها المشاركات، إلى جانب القيود المهنية والضغوط الاجتماعية والتمييز الطائفي. وتكشف المقابلات كيف يمكن لحملات التشهير والتحريض أن تستهدف السمعة والهوية والجسد في الوقت نفسه، وأن تدفع بعض الصحفيات إلى استخدام أسماء مستعارة أو الانسحاب من الفضاء الرقمي. وهنا لا يعود الاستهداف الجندري منفصلًا عن السياق السوري الأوسع، بل يتقاطع في بعض الحالات مع الانتماء الطائفي والموقف السياسي والمنطقة الجغرافية.
ليست «نسخة مؤنثة»: كيف تتغير لغة الهجوم؟
عند النظر إلى خطاب الكراهية ضد الصحافيين والصحافيات، يظهر فرق مهم بين موضوع الهجوم ووظيفة الهجوم.
الصحافي الرجل يمكن أن يوصف بأنه «عميل»، أو «خائن»، أو «مرتزق»، أو تابع لجهة سياسية أو دولة أجنبية. وقد يتعرض للتهديد بسبب موقفه أو تغطيته أو انحيازه المفترض. الهدف هنا، في صورته الأساسية، هو ضرب مصداقيته السياسية والمهنية: أنت لا تستحق أن نصدقك لأنك تابع، أو مأجور، أو خائن.
أما الصحافية، فقد تتعرض للاتهام السياسي نفسه، لكن الهجوم يستطيع أن يفتح مساراً آخر: إذا لم تستطع إسقاط رأيها، أسقط صورتها الاجتماعية. وهنا تظهر طبقة من الخطاب لا تتعلق بما تقوله الصحافية فقط، وإنما بجسدها وسمعتها ومظهرها وعلاقاتها وعائلتها.
لا يعني هذا أن الرجل محمي من التهديدات الجنسية أو أن كل خطاب موجه إلى النساء جنسي. بل يعني أن الجندر يضيف إلى الهجوم أدوات أخرى.
في حالة الصحافية زينة شهلا، كما توثق ارحيم، بدأت الحملة بعد تصوير أحد المعتدين نفسه أثناء الاعتداء على وقفة احتجاجية شاركت فيها. ثم تعرضت شهلا لحملة إلكترونية اتسمت بتعليقات عدائية متكررة وإهانات ذات طابع جنسي.
وفي حالة أخرى، وصلت الضغوط إلى عائلة الصحافية نور الأحمد، إذ توجه أشخاص إلى منزل عائلتها في شمال شرقي سوريا وطالبوا ذويها بإسكاتها، رغم إقامتها خارج البلاد.
هذه التفاصيل مهمة لأنها تكشف الفرق بين نقد الصحافية، وبين معاقبتها على كونها صحافية وامرأة في آن واحد.
يمكن مهاجمة صحافي بسبب ما قاله. أما عندما يصبح الرد على كلام صحافية هو جسدها، أو حياتها الجنسية، أو صورها، أو عائلتها، فإن الهجوم يتجاوز محاولة تفنيد الرأي. إنه يقول لها، بصورة ضمنية: المشكلة ليست فيما تقولينه فقط، المشكلة في أنك موجودة أصلاً في هذا المكان وتتكلمين.
وهذا ما يجعل خطاب الكراهية الجندري مختلفاً في وظيفته. فهو لا يحاول بالضرورة إقناع الجمهور بأن الصحفية مخطئة؛ بل يحاول جعل حضورها نفسه موضع شك.
في هذه الحالة، لا يعود الجسد مجرد موضوع للإهانة. يصبح حجة بديلة. حين يعجز المهاجم عن الرد على التحقيق أو الموقف السياسي، يمكنه أن ينقل النقاش من سؤال: «هل ما قالته صحيح؟» إلى: «أي امرأة هي؟ كيف تبدو؟ مع من ترتبط؟ وما الذي يمكن قوله عنها؟».
وبذلك تنتقل المعركة من محتوى الكلام إلى أهلية المتحدثة. وهنا ربما يمكن اختصار الفارق في جملة واحدة: في الهجوم على الصحافي قد يكون السؤال: ماذا تقول؟ أما في الهجوم على الصحافية فكثيراً ما يصبح السؤال: من أنتِ حتى تقولي ذلك؟
لكن من الضروري ألا نبالغ في الفصل بين الخطابين. الصحافيات في سوريا يتعرضن أيضاً للتخوين والاتهام السياسي والطائفي، خصوصاً في مرحلة شديدة الاستقطاب. الجديد ليس أن السياسة تختفي عندما يكون المستهدف امرأة، بل أن السياسي يمكن أن يتقاطع مع الجندري ويُعاد إنتاجه من خلاله.
ففي حملات الاستهداف التي رصدتها ارحيم، لم يكن سبب الهجوم على النساء واحداً: بعضهن تحدثن في السياسة، وبعضهن انتقدن السلطات، وبعضهن تناولن قضايا طائفية أو حقوقية. لكن أدوات الهجوم عادت مراراً إلى الجندر: التشهير، الإهانة الجنسية، التهديد، الصور، والضغط على العائلة.
من الإهانة إلى الإسكات
قد يبدو تعليق مهين على شاشة الهاتف فعلاً محدوداً، كلمات تكتب ثم تختفي وسط آلاف المنشورات. لكن أثره يصبح مختلفاً عندما يتكرر، أو يصدر عن حساب واسع الانتشار، أو يتحول إلى حملة جماعية.
في هذه الحالة، لا تحتاج الكراهية إلى تنفيذ التهديد حتى تحقق غايتها. يكفي أن تجعل الصحافية تعيد حساباتها: هل أنشر هذا التحقيق؟ هل أكتب عن هذه القضية؟ هل أظهر باسمي الحقيقي؟ هل أشارك في هذه الفعالية؟ هل أعلق على هذا الملف الطائفي؟ هل أضع صورتي؟ هل أستمر أصلاً على هذه المنصة؟ هنا يبدأ الإسكات الذاتي.
تقرير «الصحافيات العلويات» يوثق أن العنف الرقمي دفع بعض الصحافيات إلى استخدام أسماء مستعارة أو الانسحاب من الفضاء الرقمي كلياً، كما رصد آثاراً على العمل والشعور بالأمان والحياة الاجتماعية.
وتقدم تجربة زينة شهلا مثالاً واضحاً: أغلقت حسابها على فايسبوك وأبقت حسابها على إنستغرام، بعدما أصبحت البيئة على المنصة الأولى «سيئة، مرهقة، ومستنزفة»، رغم أهمية فايسبوك لعملها الصحفي.
وتقول ارحيم إن شهلا وصلت إلى مرحلة تختار فيها أحياناً عدم التعبير عن رأيها واستثمار طاقتها في أمور أخرى بدل التعرض لهجوم جديد.
هنا يصبح خطاب الكراهية أداة ضبط للسلوك.
لا أحد يحتاج إلى إصدار أمر رسمي للصحافية كي تصمت. لا تحتاج السلطة إلى حذف حسابها، ولا إلى اعتقالها، ولا حتى إلى تهديدها مباشرة. يمكن أن يُنفّذ آخرون المهمة، عبر صناعة بيئة تجعل الكلام مرهقاً أو مخيفاً أو مكلفاً.
وهذا أحد أكثر الجوانب خطورة في خطاب الكراهية الجندري: أنه قد ينتج رقابة ذاتية دون أن يبدو كرقابة.
عندما يصبح الرد على كلام صحافية هو جسدها، أو حياتها الجنسية، أو صورها، أو عائلتها، فإن الهجوم يتجاوز محاولة تفنيد الرأي. إنه يقول لها، بصورة ضمنية: المشكلة ليست في ما تقولينه فقط، المشكلة في أنك موجودة أصلاً في هذا المكان وتتكلمين
الأكثر دلالة أن الخوف لا يتوقف عند الصحافية نفسها. في حالة نور الأحمد، وصل الأمر إلى منزل العائلة. وفي حالة صحافية أخرى تستخدم ارحيم اسماً مستعاراً لها، كان الخوف الأساسي أن تتحول الحملة الرقمية إلى تهديد يطالها ويطال أسرتها. وهنا تصبح الأسرة، من دون أن تختار ذلك، حارس بوابة إضافياً.
قد لا يقول المهاجم للصحافية: «توقفي عن العمل». قد يقول ذلك لأخيها أو والدها أو زوجها أو عائلتها. وقد لا تحتاج الأسرة إلى الاقتناع بأن الصحافية مخطئة، يكفي أن تخاف عليها.
بهذا المعنى، يعمل خطاب الكراهية الجندري على أكثر من مستوى: المهاجم يهدد، والأسرة تقلق، والصحافية تعيد حساباتها، والنتيجة النهائية قد تكون تراجع حضورها في الشأن العام. إنها رقابة بالوكالة.
والأهم أن هذا يغير معنى الحرية الصحفية نفسها، فوجود حساب على منصة اجتماعية لا يعني بالضرورة وجود حرية فعلية في استخدامها. إذا كانت الصحافية تعرف أن كتابة رأي سياسي قد تعرضها لحملة جنسية، أو أن نشر صورة قد يتحول إلى مادة للتشهير، أو أن خلافاً مهنياً قد يصل إلى منزل عائلتها، فإن «حق النشر» يبقى قائماً على الورق، بينما تتآكل القدرة الفعلية على ممارسة هذا الحق.
عندما تتقاطع المرأة مع الطائفة والموقف والمكان
لا تتعرض جميع الصحافيات للكراهية بالدرجة نفسها، ولا بالطريقة نفسها.
الجندر واحد من محاور الاستهداف، لكنه لا يعمل منفصلاً عن الهوية الطائفية أو الإثنية أو المنطقة أو الموقف السياسي. وتظهر هذه الحقيقة بوضوح في تجربة الصحافيات العلويات.
كلما تقاطع كون المرأة صحافية مع انتماء طائفي أو إثني أو مناطقي، ومع موقف سياسي محدد، أمكن أن تتراكم عليها أدوات إضافية من الاستهداف
التقرير الذي نشره تحالف الصحافيات في آذار/مارس 2026، واعتمد مقابلات مع عشر صحافيات علويات، يصف تجربة مركبة تتداخل فيها القيود المهنية مع الضغط الاجتماعي والتهديدات الجندرية والعنف الرقمي والتمييز الطائفي. وتشير الصحافيات المشاركات إلى أن العنف الرقمي يستهدف في الوقت نفسه السمعة والهوية والجسد. هنا لا تعود الصحافية مستهدفة بوصفها امرأة فقط. إنها قد تكون مستهدفة بوصفها امرأة وصحافية وعلوية، وربما بسبب موقف سياسي محدد أيضاً.
وبذلك تصبح المسألة طبقات متراكبة من نزع الشرعية: كلما تقاطع كون المرأة صحافية مع انتماء طائفي أو إثني أو مناطقي، ومع موقف سياسي محدد، أمكن أن تتراكم عليها أدوات إضافية من الاستهداف. وهذا مهم في سوريا ما بعد 2024، إذ لم تختفِ الانقسامات الاجتماعية والسياسية مع سقوط النظام، بل أعيد ترتيبها داخل فضاء عام جديد. وقد تتحول هوية الصحافية نفسها إلى دليل اتهام مسبق: عليها أن تشرح من أين جاءت، وما طائفتها، وما موقفها، وما إذا كانت «مع» هذا الطرف أو «ضده»، قبل أن يُسمح لها أصلاً بأن تتحدث في القضية التي تغطيها.
في هذه الحالة، لا يعود الجندر طبقة منفصلة عن الطائفية. كلاهما يعمل معاً.
وهذا أيضاً ما يجعل استخدام عبارة «خطاب الكراهية ضد النساء» وحدها غير كافٍ أحياناً. فصحافية من أقلية دينية أو إثنية قد تواجه استهدافاً يدمج الشتيمة الجندرية بالوصم الطائفي، بحيث يصبح جسدها وهويتها وانتماءها السياسي مواد متداخلة في الهجوم.
ولهذا لا يمكن أن تعتمد حماية الصحافيات على مقاربة واحدة. حماية امرأة من تهديد جنسي لا تكفي إذا كانت تتعرض في الوقت نفسه لتحريض طائفي، وحماية حسابها رقمياً لا تكفي إذا كان الخطر قد ينتقل إلى منزل عائلتها.
الفجوة بين اتساع حرية التعبير وضعف الحماية
المشكلة لا تتعلق فقط بوجود خطاب كراهية، بل بالسؤال عما يحدث عندما يقع.
حتى الآن، لا تزال سوريا تفتقر إلى نص قانوني صريح وشامل يجرّم خطاب الكراهية بمختلف أشكاله. ويشير تقرير «سوريون من أجل الحقيقة والعدالة» إلى أن الإعلان الدستوري الصادر في آذار/مارس 2025 يخلو من نص صريح يجرّم خطاب الكراهية، رغم أن المادة السابعة تلزم الدولة بمنع الفتنة والانقسام وإثارة النعرات والتحريض على العنف. ويشير التقرير إلى أن هذا النص لا يكفي وحده، لأنه لا يعالج بصورة مباشرة خطاب الكراهية الصادر عن الأفراد والجهات غير الحكومية، كما أن مفهوم خطاب الكراهية أوسع من التحريض المباشر على العنف.
وهنا تظهر فجوة مزدوجة: فجوة قانونية وفجوة في الحماية العملية. فالصحافية التي تتعرض لتشهير جنسي أو تهديد أو نشر صور خاصة تحتاج إلى آلية واضحة للإبلاغ، واستجابة سريعة، ومساعدة قانونية، وحماية رقمية، وربما حماية جسدية أيضاً. لكن غياب منظومة متخصصة يجعل التعامل مع الحالات غالباً فردياً، ويترك النساء أمام عبء التوثيق والإبلاغ والمواجهة وحدهن.
أما المنصات، فهي ليست بالضرورة مصدر الكراهية، لكنها قد تصبح البيئة التي تتضخم فيها. فالحساب واسع الانتشار يمكن أن يحول تعليقاً إلى حملة، والتفاعل المرتفع مع المحتوى الغاضب قد يدفعه إلى جمهور أكبر، بينما تستطيع الحسابات المنسقة إغراق المستهدفة بمئات التعليقات والرسائل. المشكلة إذاً ليست أن «الخوارزمية تكره النساء»، بل أن بيئة المنصة قد تحول كراهية فردية إلى ضغط جماعي واسع.
وفي حالة الصحافيات تحديداً، يصبح هذا التضخيم أكثر خطورة لأن الأذى لا يتوقف عند السمعة الرقمية. قد يعني خسارة مصدر، أو تجنب موضوع، أو إغلاق حساب، أو تغيير اسم، أو الامتناع عن الظهور، أو القلق من أن تصل الحملة إلى الأسرة.
الحق في الكلام لا يكتمل بمجرد السماح به
هناك خطأ شائع في النظر إلى حرية التعبير في المراحل الانتقالية: أن نفترض أن إزالة الرقابة الرسمية تعني تلقائياً ولادة فضاء حر.
لكن تجربة الصحافيات السوريات تقول شيئاً أكثر تعقيداً: يمكن أن يسقط جهاز الرقابة، وتبقى الرقابة الاجتماعية. يمكن أن ينتهي الخوف من الاعتقال بسبب منشور، ويظهر خوف جديد من حملة تشهير. ويمكن أن تصبح المرأة أكثر قدرة على الوصول إلى المنصة، بينما تصبح كلفة بقائها عليها أعلى.
لهذا لا ينبغي أن يكون الهدف هو إسكات خطاب الكراهية بإسكات الكلام المضاد، ولا تحويل مكافحة الكراهية إلى ذريعة لتقييد حرية التعبير. المطلوب هو بناء أدوات تجعل النساء قادرات على الكلام من دون أن يتحول جنسهن وجسدهن وعائلاتهن إلى أدوات عقاب.
حين تتحول الصحافية إلى موضوع بدل أن تبقى صاحبة موضوع، وحين يصبح جسدها حجة بدل أن تناقش حجتها، وحين تضطر إلى إخفاء اسمها أو صورتها أو رأيها... فالمشكلة لم تعد مشكلة تعليق مسيء، إنها مشكلة من يملك الحق الفعلي في أن يكون حاضراً في الشأن العام
هناك بالفعل مبادرات سورية يمكن البناء عليها. تقرير «تحالف الصحافيات» يقترح إصلاحات قانونية، وآليات إبلاغ سرية ودعماً قانونياً، وسياسات حماية داخل غرف الأخبار، واستجابة أكثر فاعلية من منصات التواصل، بما في ذلك قنوات بلاغ مخصصة للصحافيات. كما يشدد على أن حماية الصحافيات العلويات ليست قضية فئوية، بل هي مؤشر على قدرة سوريا الجديدة على بناء فضاء عام يحترم التنوع وحق التعبير.
وتوفر شبكة الصحافيات السوريات، من جهتها، أدوات مهنية للتعامل مع قضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي في التغطية الإعلامية، بما يمكن أن يشكل جزءاً من منظومة أوسع لحماية الصحافيات وتعزيز قدرتهن على العمل في بيئة أكثر أماناً.
لكن الأهم هو تغيير طريقة فهم المشكلة نفسها. خطاب الكراهية ضد الصحافيات ليس مجرد مجموعة شتائم قاسية تحت منشوراتهن. إذ يُمكن أن يكون نظاماً غير رسمي لتحديد من يحق له الكلام، وما الذي يمكن أن يقوله، وما الثمن الذي سيدفعه إذا تجاوز الحدود المرسومة له.
وحين تتحول الصحافية إلى موضوع بدل أن تبقى صاحبة موضوع، وحين يصبح جسدها حجة بدل أن تناقش حجتها، وحين تضطر إلى إخفاء اسمها أو صورتها أو رأيها أو حتى الابتعاد عن منصة تحتاجها في عملها، فالمشكلة لم تعد مشكلة تعليق مسيء. إنها مشكلة من يملك الحق الفعلي في أن يكون حاضراً في الشأن العام.
- حاز هذا المقال المركز الثاني في الدورة السادسة من مسابقة «100 صوت سوري ضدّ خطاب الكراهية» - مسار الأصوات الجديدة
مقال رصين. مقاربة نسوية تقاطعية، مع تركيز على خطاب الكراهية القائم على النوع الاجتماعي، وهي زاوية مهمة وواضحة.و رغم أن زاوية الطرح العامة ليست جديدة كلياً، فإن تناول المادة للمنظور الجندري والهوياتي وتحليل خطاب الكراهية والسلوكيات الناتجة عنه تجاه الصحافيات بالتحديد على أساسه، أعطى رؤية أعمق واستنتاجات أضافت قيمة معرفية تمثلت بأسئلة واستنتاجات تفكك آليات الاستهداف وتعيد تعريفها وظيفياً، التحليل معمق ومستفيض لكن وقع في التكرار في بعض المواضع