× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

رسم مولّد بالذكاء الاصطناعي

من الجراثيم إلى القطيع: حين تخاف السلطةُ الفكرة.. فتستهدف صاحبها!

عقل بارد - على الطاولة 11-10-2026

من استعارة «الجراثيم» إلى وصف المعارضين بـ «الثيران»، والناقدين بـ «القطيع» تتشابه ممارسات السلطة – مهما تغيرت وجوهها – في الهروب من مواجهة الحجة بالأرقام والوثائق عبر تجريد الخصوم والمواطنين من إنسانيتهم. يتناول هذا المقال كيف تسهم هذه اللغة البيولوجية والتحقيرية في صناعة «غرفة المرايا»، لتسكت الأصوات الناقدة ويتشكل هدوء زائف يعزل السلطة عن واقعها

في العام 2011، شبّه الرئيس السوري السابق بشار الأسد المؤامرات التي زعم وجودها ضد البلاد بـ«الجراثيم»، داعياً إلى تقوية «المناعة» ضدها. ورغم أن الاستعارة استهدفت «المؤامرة» شكلياً، إلا أنها أسست لخطاب يلغي الآخر عبر أدوات بيولوجي. بعدها بعشر سنوات استخدم الرئيس الفار في خطاب آخر تعبيراً أكثر مباشرة، يختصر كثيراً من قسوة الخطاب تجاه المختلف، حين أطلق صفة «ثيران» على قطاع واسع من الشعب السوري، قائلاً إن ما شهدته سوريا كان «ثورة ثيران». 

في أواخر شهر أيلول/سبتمبر الماضي برز خطاب مشابه إلى الواجهة مع يوسف قبلاوي، الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول، حين تحدث عن السوريين الذين ينقادون خلف ما ينشر على فيسبوك بوصفهم «قطيعاً»، قبل أن يعتذر ويوضح أن العبارة صدرت منه دون قصد.

قد تبدو هذه العبارات مجرد إهانات عابرة، لكن المفارقة أن السلطة والوجوه تغيرت، بينما بقيت طريقة التعامل مع المختلف حاضرة، فبدلاً من مناقشة رأيه أو الرد على ما يقوله، يتحول الاهتمام إلى صاحبه، وكأن المشكلة فيه لا في الفكرة التي يطرحها. لا شك في أن الخصم السياسي قد يكون مخطئاً، ويمكن الرد عليه بالأرقام والوثائق، لكن وصفه بأنه «ثور» ينقله من موقع صاحب الرأي إلى موقع الخطر. وحين يوصف الشارع المنتقد بأنه «قطيع»، تُمحى الفروق بين أفراده وتُختصر أصواتهم كلها في صورة واحدة، بما يجعل الاستماع إليهم أقل ضرورة. هنا بالضبط تبدأ المسألة التي تناولها علم النفس الاجتماعي منذ سنوات: ماذا يحدث عندما يتوقف الإنسان عن رؤية المختلف بصفته فرداً، له رأيه ومشاعره وكرامته، ويبدأ بالنظر إليه باعتباره شيئاً آخر؟

شرح نيك هاسلام في دراسته «نزع الإنسانية: مراجعة تكاملية»، المنشورة في العام 2006، كيف يمكن أن يُحرم الإنسان، في نظر الآخرين، من بعض صفاته الإنسانية، وميّز بين نوعين رئيسين من نزع الإنسانية: الأول يصور البشر كأنهم أقرب إلى الحيوانات، والثاني يعاملهم كأنهم أشياء جامدة بلا مشاعر أو إرادة. ولا تحتاج هذه العملية إلى خطاب سياسي ضخم حتى تبدأ. أحياناً تكفي كلمة واحدة تضع مجموعة كاملة في خانة واحدة، أو تصفها بطريقة تجعل أفرادها أقل قيمة في نظر الآخرين. ومن هنا يمكن فهم ما تفعله اللغة التي تختزل الناس في صورة واحدة: لن تكون مضطراً إلى الاستماع إلى كل شخص، لأنك حسمت مسبقاً من يكونون. وصف الناس بأنهم «قطيع» ليس مجرد شتيمة عابرة، فالكلمة تلغي الفروق بين أفراد المجموعة وتفترض أنهم يتحركون جميعاً بالطريقة نفسها. أما لغة المرض والجراثيم فتذهب إلى مكان أخطر، لأنها تنقل الإنسان من خانة المختلف إلى خانة الخطر. وعندما يصبح الآخر خطراً، يصبح إقصاؤه أسهل من الاستماع إليه.

هذا ليس استنتاجاً لغوياً فقط. دراسة نشرت في العام 2026 بعنوان «الاستعارات مهمة: أثر اللغة البيولوجية النازعة للإنسانية في العدوان غير المباشر»، أعدّتها روبرتا روزا فالتورتا وكريستينا بالديساري وكيارا فولباتو، وشملت 653 مشاركاً، بحثت في أثر استخدام لغة المرض والجراثيم، ووجدت أن هذا النوع من اللغة دفع المشاركين إلى النظر إلى الجماعة المستهدفة باعتبارها «خطراً بيولوجياً»، وارتبط بزيادة الرغبة في إقصائها والعدوان عليها بصورة غير مباشرة، خصوصاً لدى الأشخاص الأكثر حساسية للاشمئزاز.

نزع الإنسانية عبر الاستعارات الحيوانية والبيولوجية

تُعد الاستعارات الحيوانية والبيولوجية من الأساليب المتكررة تاريخيًا في تجريد الجماعات المستهدفة من إنسانيتها وتصويرها باعتبارها خطرًا ينبغي التخلص منه. ففي رواندا عام 1994، استُخدم وصف «الصراصير» للإشارة إلى التوتسي ضمن خطاب التحريض الذي صاحب الإبادة.

الشخصنة وتحويل الانتباه في الخطاب السلطوي

عندما يرد مسؤول على سؤال نقدي بمهاجمة صاحبه بدلًا من مناقشة الوقائع التي يستند إليها، فإن سلوكه يقترب من الشخصنة (Ad Hominem). أما إذا صرف النقاش إلى قضية جانبية لا تجيب عن السؤال المطروح، فيمكن وصف ذلك بتحويل الانتباه (Red Herring). وإذا اقترن الرد بالتهديد أو التلويح بالعقاب، فقد يتخذ أيضاً طابعاً ترهيبياً.

لا تقول الدراسة إن كلمة واحدة تحوّل الإنسان إلى عنيف، ولا إن كل من يستخدم تعبيراً جارحاً يقصد الوصول إلى هذه النتيجة. الفكرة أبسط من ذلك: اللغة تغير موقع الآخر في أذهاننا. يمكن أن نراه شخصاً نختلف معه، ويمكن أن نراه مشكلة أو خطراً. وبين الصورتين فرق كبير، لأن الطريقة التي نرى بها الآخر تؤثر في الطريقة التي نتعامل بها معه. ومن هنا تنتقل المسألة من اللغة إلى السلوك. فعندما يصبح الآخر أقل إنسانية في الخطاب، يصبح التعامل القاسي معه أسهل تبريراً. وهذا ما تناوله ألبرت باندورا في بحثه عن «الانفصال الأخلاقي» في العام 1999، حين شرح الطرق التي يستطيع بها الإنسان أن يبرر لنفسه أفعالاً كان سيرفضها لو بقي يرى الطرف الآخر بصفته إنساناً له الكرامة والحقوق نفسها، وكان نزع الإنسانية واحداً من المسارات التي تناولها في هذا السياق.

لكن كيف تظهر هذه الفكرة في الحياة اليومية، بعيداً عن الحروب والجرائم الكبرى؟ أحياناً تبدأ من شيء بسيط جداً: مسؤول يواجه سؤالاً مزعجاً، فيختار مهاجمة صاحبه بدلاً من الإجابة عنه. يستطيع أن يقول إن الرقم خاطئ، أو يقدم وثيقة تناقضه، أو يشرح لماذا اتخذ قراراً معيناً. لكن عندما يكون الرد «أنتم قطيع»، فقد انتقل النقاش من السؤال إلى صاحبه. وهنا يصبح الأمر أوضح: المسؤول لم يجب عن السؤال، ولم يثبت أن الأرقام خاطئة، ولم يقدم حجة تنقض كلام المنتقدين. نقل النقاش إلى مكان آخر، من «هل ما يقولونه صحيح؟» إلى «من هم هؤلاء حتى نسمع كلامهم؟». وهذه حيلة قد تبدو مريحة في لحظتها، لأنها توفر عناء الرد، لكنها تترك السؤال نفسه قائماً.

المشكلة لا تتوقف عند الشخص الذي تعرض للإهانة. عندما يتكرر هذا الأسلوب، يبدأ المختلف بالابتعاد، ويبدأ الآخرون بالصمت، وتبقى في الواجهة الأصوات التي تقول ما تريد السلطة سماعه. ومع الوقت، قد لا يعود المسؤول يسمع الواقع كما هو، بل النسخة التي يصنعها المحيطون به.

وهنا تظهر «غرفة المرايا». كل مرآة تعكس الصورة نفسها، وكل صوت يؤكد أن الأمور بخير، بينما الأصوات التي تقول إن هناك مشكلة يجري دفعها إلى الخارج. والخطر في هذه الغرفة ليس فقط أنها تسكت المنتقدين، بل أنها تحرم من في داخلها من المعلومات التي يحتاج إليها كي يعرف ما يجري فعلاً. كلما خرج صوت مزعج، أُسكت، وكلما سكت صوت، بدا المشهد أكثر هدوءاً. وهكذا يمكن للهدوء أن يصبح خداعاً.

يمكن الرد على النقد بالأرقام والوقائع، حتى لو كان النقد قاسياً أو خاطئاً. ويمكن لمسؤول أن يرفض اتهاماً أو يصحح معلومة أو يشرح قراراً. أما حين يصبح الأسهل هو إهانة صاحب السؤال أو القضية وتصنيفه، فنحن لم نعد نناقش فكرة، وإنما نحاول التخلص من الشخص الذي قالها. المواطن الذي يقول «لا» ليس عدواً، والمعارض ليس مرضاً، والناس ليسوا قطيعاً.

ظاهرة «غرفة المرايا» وتداعيات العزلة السلطوية

  • تُستخدم استعارة «غرفة المرايا» هنا لوصف نمط من العزلة المعلوماتية يحيط فيه متخذ القرار نفسه بأشخاص ومؤسسات لا تنقل إليه إلا ما يوافق تصوراته المسبقة، أو تعيد صياغة الواقع بما ينسجم مع توقعاته ورغباته. وكما تعكس المرايا صورة الناظر إليها، تعيد هذه الدائرة إنتاج رؤية المسؤول لنفسه ولسياساته، فتحجب عنه التناقضات والمؤشرات التي تكشف الفجوة بين تصوره للواقع وحقيقته. ولا يُقصد بالمصطلح هنا مفهومًا علميًا مستقلًا متفقًا على تعريفه، بل إطارًا تحليليًا لفهم آليات العزلة السلطوية والإدارية.
  • التفكير الجمعي: تناول عالم النفس الاجتماعي إيرفين جانيس (Irving L. Janis) هذا المفهوم في كتابه Victims of Groupthink الصادر عام 1972، موضحاً كيف يمكن لضغوط التوافق داخل الجماعات المتماسكة أن تتغلب على التقييم النقدي للبدائل والمخاطر. وتفيد هذه المقاربة في تفسير الكيفية التي قد تدفع بها الرغبة في الإجماع، والرقابة الذاتية، وتهميش الاعتراضات، دوائر صنع القرار إلى تبني خيارات ضعيفة التقدير أو تجاهل تحذيرات مهمة.
  • الصمت التنظيمي: قدّم إليزابيث موريسون وفرانسيس ميليكن (Elizabeth W. Morrison & Frances J. Milliken) في دراستهما المنشورة عام 2000 إطاراً تفسيرياً لظاهرة حجب العاملين معلوماتهم ومخاوفهم بشأن المشكلات التنظيمية. وتوضح دراستهما كيف يمكن للعوامل السياقية والمعتقدات المشتركة بشأن جدوى الكلام ومخاطره أن تجعل الصمت خيارًا مفضّلًا لدى العاملين. وفي البيئات السلطوية أو الإدارية التي تُعاقب النقد أو تثبطه، قد يؤدي ذلك إلى حجب المعلومات السلبية عن القيادة، وإضعاف قدرتها على اكتشاف الأخطاء وتصحيح المسار.

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0