لم تكن سوريا في أي وقت مضى مكشوفة أمام «إسرائيل» كما هي اليوم. فها هي قوات الاحتلال تجد نفسها أمام أرضٍ مفتوحةٍ تمنحها حريةَ حركةٍ واسعة، تقضم منها مناطق، وتفرض سيطرةً أمنيةً على مناطق أوسع. كما تملك بين يديها مجموعةً من الأوراق التي تمكّنها من تجذير حضورها في الملف السوري.
الوصول إلى الوضع الحالي سبقته عقودٌ طويلةٌ من الشد والجذب والتحولات، بدءاً من احتلال الجولان السوري في العام 1967، مروراً بحرب تشرين الأوّل/أكتوبر في العام 1973، ثم اتفاق فض الاشتباك في العام 1974، الذي فرض منطقة فصلٍ، وسمح بهدوءٍ على خطوط التماس امتد لعقودٍ طويلة.
ومنذ العام 2011، حرص الكيان على الاستفادة من تدهور الأوضاع الأمنية، من دون الانخراط بشكل مباشر، مع دعم بعض الفصائل التي نشطت قرب منطقة فض الاشتباك، أبرزها «لواء فرسان الجولان»، وهو فصيلٌ تمركز في بلدة جبّاتا الخشب بريف القنيطرة. ووفق تحقيقٍ نشرته مجلة «فورين بوليسي» في العام 2018، كان الفصيل المفضّل لدى «إسرائيل»، وتلقى أموالاً وأسلحة وذخائر ومساعدات لوجستية، ضمن برنامج شمل ما لا يقل عن 12 فصيلاً في درعا والقنيطرة.
حزام «حسن الجوار»
برّر الكيان دعمه للفصائل باعتباراتٍ أمنيّةٍ وإنسانية، إذ أعلن أن المساعدات الطبية والإغاثية التي قدمها ضمن عملية «حسن الجوار» كانت غايتها مساعدة السوريين المتضررين من الحرب، بينما ربط تعاونه مع بعض الفصائل المحلية بالحاجة إلى منع إيران و«حزب الله» و«داعش» من الاقتراب من الجولان السوري المحتل.
وبرنامج «حسن الجوار» هو عنوان عريض لخطة عملٍ عسكريةٍ أطلقتها «إسرائيل» بشكل رسمي في العام 2016، عندما أنشأت قيادة المنطقة الشمالية في جيش الاحتلال مقرَّ عملياتٍ خاصاً لإدارة البرنامج، وذلك بعد سنواتٍ من العمل التمهيدي.
الدور الإسرائيلي ومحاولة التمدد عبر البوابة الإنسانية في الجنوب السوري قوبلا بردود فعلٍ متفاوتةٍ في الداخل السوري، إذ استعملت السلطات السورية السابقة هذا البرنامج باعتباره «دليلاً على أن ما يجري في البلاد تقف وراءه إسرائيل»، كما أثارت المساعدات اعتراضات شعبية، وخصوصاً عند استخدامها في الترويج للتطبيع.
لم تكشف «إسرائيل» عن حجم تمويل هذا المشروع، الذي أُعلن إقفاله في العام 2018، بعد أن سيطر النظام السابق، بدعم روسي، على الجنوب السوري، وتفككت الفصائل المعارضة، فأجرى بعضها «تسويات»، بينما فضّل بعضها الآخر الانتقال إلى الشمال السوري. غير أن تقديرات تقريبية أشارت إلى أن حجم التمويل الحكومي الإسرائيلي للبرنامج بلغ نحو 8.6 ملايين دولار، فيما قدمت منظمات غير حكومية نحو 100 مليون دولار لدعم جهود المساعدات.
تدمير ممنهج
بدأ التصعيد الإسرائيلي المنهجي داخل سوريا في كانون الثاني/ يناير 2013، عندما استهدفت غارةٌ قافلة أسلحة قرب مركز البحوث العلمية في جمرايا بريف دمشق، قبل أن تتبعها غارات أوسع في أيار/ مايو من العام نفسه على مواقع عسكرية ومستودعات قرب العاصمة، قالت تل أبيب إنها تضم أسلحة إيرانية معدّة للنقل إلى «حزب الله». في الأعوام التالية، اتسعت قائمة الأهداف لتشمل مستودعات الصواريخ في ريف دمشق واللاذقية، وقوافل السلاح ومواقع الجيش السوري، فضلاً عن استهداف قيادات إيرانية ولبنانية بصورة مباشرة، ومن أبرز تلك العمليات الغارة التي استهدفت موكباً في القنيطرة في كانون الثاني/ يناير 2015، وقتلت جهاد مغنية وعدداً من عناصر «حزب الله» وضابطاً بارزاً في «الحرس الثوري» الإيراني. وتحولت الاعتداءات المتفرقة إلى حملة عسكرية منتظمة أُطلقت عليها اسم «المعركة بين الحروب»، وتركزت، وفق تصريحات عسكرية إسرائيلية، على منع ترسيخ الوجود العسكري الإيراني وقطع طرق نقل السلاح إلى لبنان.
لم تكن «إسرائيل» تتبنّى الكثير من الهجمات على سوريا بشكل رسمي، لكن مع حلول العام 2018 دخلت هذه الهجمات مرحلة جديدة، عندما اعترفت بتنفيذ نحو 200 غارة خلال عامين، قبل أن تشن في أيار/ مايو عملية واسعة استهدفت عشرات المواقع وبطاريات الدفاع الجوي السورية، ووصفت بأنها أكبر عملية إسرائيلية داخل سوريا منذ حرب العام 1973. واستمرت الضربات بعد ذلك لتطاول مطاري دمشق وحلب، ومراكز البحوث ومستودعات السلاح ومواقع في مصياف وحمص ودير الزور، بالتوازي مع عمليات اغتيال استهدفت قيادات إيرانية ومرتبطة بـ«حزب الله».
توسعت الاعتداءات بعد اندلاع حرب غزة في تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2023، وتتالت عمليات اغتيال واستهداف ضباط في «الحرس الثوري» الإيراني، كما شنت عشرات الهجمات على مواقع مرتبطة بطرق إمداد «حزب الله» في سوريا، وصولاً إلى قصف مبنى القنصلية الإيرانية في دمشق في نيسان/ أبريل من العام 2024 ومقتل عدد من كبار القادة الإيرانيين.
التحول الأكبر جاء بعد سقوط النظام في 8 كانون الأول/ ديسمبر من العام 2024، عندما نفذ طيران الاحتلال أكثر من 350 غارة خلال نحو 48 ساعة، دُمّرت خلالها مطارات وما تبقى من منظومات الدفاع الجوي والطائرات والسفن الحربية ومستودعات الصواريخ ومراكز البحوث، بالتوازي مع سيطرتها على مناطق واسعة قرب شريط الفصل في الجنوب السوري الذي كان مكشوفاً بالكامل.
الجولان.. وما بعده
مثّل شهر آذار/ مارس من العام 2019 نقطة تحول كبيرة بالنسبة إلى «إسرائيل» في ما يتعلق بالملف السوري، عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب اعترافه بـ «سيادة إسرائيل على الجولان»، الأمر الذي اعتبرته تل أبيب «طيّاً لصفحة الجولان»، الذي بقيت قضيته، بعد حرب تشرين، حبيسة السياسة وأروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، الذي أصدر في شهر كانون الأول/ ديسمبر من العام 1981 القرار رقم 497 بالإجماع، رداً على قرار «إسرائيل» فرض قوانينها وولايتها وإدارتها على الجولان السوري المحتل، إذ أكد مجلس الأمن أن القرار «باطل ولاغٍ ومن دون أثر قانوني دولي».

مع سقوط النظام السابق، أعلنت «إسرائيل» انهيار اتفاقية فض الاشتباك، ودخلت قواتها منطقة الفصل التي أنشأها اتفاق العام 1974 بين خطّي «ألفا» غرباً و«برافو» شرقاً، وفرضت سيطرة عسكرية فعلية على أجزاء واسعة منها، تبدأ شمالاً من قمة جبل الشيخ، التي تُشرف على ريف دمشق والبقاع اللبناني والجولان المحتل، وتمتد جنوباً عبر التلول الحمر غرب بيت جن، وقرص النفل وعين التينة قرب بلدة حضر، ثم محمية جباتا الخشب ومحيط الحميدية والحرية، وصولاً إلى مدينة القنيطرة.
وفي القطاع الأوسط والجنوبي، أنشأت قوات الاحتلال مواقع قرب تل الأحمر الغربي بريف القنيطرة، وفي العدنانية ومحيط سد المنطرة، إضافة إلى موقع خارج منطقة الفصل قرب بلدة كودنة، ثم ثكنة الجزيرة غرب معرية في حوض اليرموك بريف درعا الغربي.
ووفق أحدث معطيات قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك، كانت قوات الاحتلال تحافظ حتى آب/أغسطس 2026 على 11 موقعاً عسكرياً على الجانب السوري، معظمها نقاط ثابتة جرى تحصينها وشق طرق تصل إليها، في حين تتجاوز تحركاتها هذا النطاق بصورة متكررة نحو خان أرنبة وأوفانيا وطرنجة وقرى ريف القنيطرة الأوسط، وتمتد جنوباً إلى عابدين وجملة وكويا ومعرية في حوض اليرموك، الأمر الذي يعني فعلياً فرض سيطرة أمنية خارج حدود المناطق التي باتت واقعة تحت الاحتلال المباشر.
«سوفا 53»
في منتصف العام 2022، كشفت «إسرائيل» عن مشروع عسكري في الجنوب السوري حمل اسم «سوفا 53»، يهدف، بحسب ما ذكرته، إلى إنشاء خط دفاع متقدم، وذلك لـ «منع تسلل حزب الله والحرس الثوري»، غير أن هذا المشروع كان يحمل أبعاداً أخرى أعمق من ذلك.
تقوم فكرة المشروع الذي ترتبط تسميته بـ «كتيبة سوفا 53»، وهي كتيبة مدرعة تابعة للواء «برق 188» في الجيش الإسرائيلي، على إنشاء محور عسكري يمتد من محيط حضر وجباتا الخشب شمالاً، مروراً بالحميدية والقحطانية ورويحينة وبئر عجم وبريقة، وصولاً إلى العشة والمثلث الحدودي مع الأردن جنوباً، ويتألف من طريق عسكري بعرض نحو ثمانية أمتار، وخنادق عميقة وسواتر ترابية يصل ارتفاع بعضها إلى خمسة أمتار، إضافة إلى نقاط مراقبة ومواقع تسمح بتحريك القوات على امتداد جبهة القنيطرة.
وتسبب هذا المشروع في تضرر آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية والمراعي، ولا سيما في جباتا الخشب والحميدية والحرية. كما أدت الخنادق والسواتر إلى منع مزارعين من الوصول إلى أراضيهم وتغيير مجاري مياه الأمطار. وتؤكد تقارير حديثة تضرر آلاف الدونمات، وتأثير أعمال الحفر والتجريف في الأراضي الزراعية والرعوية وتدفق المياه. وفي 4 تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2026، استأنفت إسرائيل أعمال الحفر قرب قرية العشة، ما دفع الخارجية السورية إلى اعتباره خرقاً لاتفاق فض الاشتباك للعام 1974 وانتهاكاً للسيادة السوريّة.
لا ينفصل مشروع «سوفا 53» عن نمط أوسع من النشاط العسكري الإسرائيلي في المنطقة، يشمل إطلاق القذائف المدفعية والقنابل المضيئة بصورة شبه يومية، وتنفيذ التوغلات وعمليات التفتيش والاعتقال، وإقامة الحواجز وإغلاق الطرق المؤدية إلى القرى والحقول. وتؤدي هذه الإجراءات، إلى جانب مصادرة الأراضي وتجريفها ومنع المزارعين والرعاة من الوصول إليها، إلى تعطيل مصادر رزق السكان وتقييد حركتهم، وخلق بيئة أمنية ومعيشية ضاغطة قد تدفع بعضهم إلى النزوح، بما يحول المنطقة المحيطة بالمواقع الإسرائيلية تدريجياً إلى شريط شبه خالٍ من الوجود المدني، من دون إعلان رسمي عن إقامة منطقة عازلة جديدة.
السويداء.. فرصة «التجذّر»
شكّلت المجازر التي شهدتها السويداء في تموز/ يوليو من العام 2025 فرصةً لتحويل اهتمام «إسرائيل» بالمحافظة إلى حضورٍ مباشر في واحد من أكثر الملفات السورية تعقيداً. فحالة الخوف التي خلّفتها الانتهاكات التي ارتكبتها قوات مرتبطة بالسلطات الانتقالية ومقاتلون من العشائر، وما رافقها من عمليات قتل ونهب وإعدامات ميدانية، أتاحت الفرصة لتل أبيب لتقديم نفسها «حامية للدروز»، بعدما كانت هذه الدعوة تواجه رفضاً واسعاً داخل السويداء نفسها.
بدأ التدخل الإسرائيلي عسكرياً عبر استهداف الدبابات والأرتال التابعة للسلطات الانتقالية في أثناء تقدمها نحو السويداء، ثم اتسع ليشمل قصف مقر وزارة الدفاع ومحيط القصر الرئاسي في دمشق، ما ساهم في دفع القوات الحكومية إلى الانسحاب من المحافظة. ولم يكن القصف مرتبطاً بحماية المدنيين فقط، وفق الخطاب الإسرائيلي نفسه، إذ ربط بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس بين التدخل لحماية الدروز وبين منع انتشار القوات والأسلحة السورية في الجنوب، الأمر الذي وضع السويداء ضمن المشروع الإسرائيلي الأوسع لإقامة منطقة منزوعة السلاح تشمل درعا والقنيطرة والسويداء، وليس ضمن استجابة إنسانية مؤقتة للأحداث.
ومع انسحاب القوات التابعة والداعمة للسلطات الانتقالية، تحولت الفصائل المحلية التي توحدت لاحقاً تحت اسم «الحرس الوطني» إلى سلطة أمر واقع، بالتوازي مع صعود المرجع الدرزي حكمت الهجري، الذي انتقل من المطالبة بالحماية الدولية إلى تبنّي خطاب يربط مصير السويداء بإسرائيل.
وبموازاة ذلك، انتقلت «المساعدات الإسرائيلية» من التدخل الجوي والإغاثة إلى بناء صلات أكثر انتظاماً مع القوى المحلية، إذ كشف تحقيق لصحيفة «واشنطن بوست» عن تقديم معدات عسكرية غير فتاكة ومساعدات طبية، إلى جانب دفعات شهرية تراوحت بين 100 و200 دولار لنحو ثلاثة آلاف مقاتل درزي، وفق مسؤولين درزيين تحدثوا إلى الصحيفة. ويعني ذلك أن تل أبيب لم تعد تتعامل مع السويداء بوصفها ساحة طارئة، بل باعتبارها ورقة محلية يمكن استخدامها لموازنة السلطة المركزية ومنع دمشق من استعادة سيطرتها الكاملة على الجنوب.
يمنح التجذّر في السويداء «إسرائيل» مكاسب تتجاوز حدود المحافظة، فهو يوسّع نطاق نفوذها من الجولان والقنيطرة باتجاه عمق الجنوب، ويوفر لها طرفاً محلياً يطالب ببقاء دمشق خارج المنطقة، ويُسلمها ورقة ضغط دائمة في المفاوضات الأمنية مع السلطات الانتقالية، كما يسمح استمرار الوضع الراهن بربط أي تسوية داخلية في السويداء بموافقة «إسرائيل»، سواء تعلقت بإعادة مؤسسات الدولة أو دمج المقاتلين أو فتح الطرق وعودة النازحين، الأمر الذي يمثّل تحولاً جذرياً في الدور الإسرائيلي في الملف السوري، من قوة كانت تُرى منذ ظهورها «عدواً يحتل الأرض»، إلى «قوة إقليمية ذات نفوذ وتأثير» في دولة هشّة ما زالت تلتمس طريقها الجديد.
في 9 أيلول/ سبتمبر الماضي، زار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، رفقة وزير دفاعه يسرائيل كاتس وعدد من القادة العسكريين، الموقع الذي أنشأته قوات الاحتلال على الجانب السوري من قمة جبل الشيخ، ووقف من هناك مستعرضاً ما وصفه بالإنجازات الأمنية التي حققتها «إسرائيل» في سوريا.
وبعيداً عن السياق المرتبط بالانتخابات الإسرائيلية الداخلية، لم تكن هذه الزيارة لتحدث لولا ما سبقها من عمليات متراكمة استثمرت فيها «إسرائيل» جهداً عسكرياً وأمنياً وسياسياً كبيراً لضمان إضعاف سوريا، وتدمير قدراتها العسكرية، ومنعها من استعادة سيطرتها الكاملة على جنوب البلاد. ومن المسلم به أن مصالح الاحتلال تتطلّب سوريا ضعيفة إلى درجة تعجز معها عن المطالبة باستعادة أراضيها، وهشّة بما يكفي لاستمرار فرض الهيمنة الأمنية على جنوبها، الأمر الذي يجعل ظهور نتنياهو على قمة جبل الشيخ جزءاً من مسار طويل، لا مجرد صورة انتخابية عابرة.